الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الحرب ترسم طاولة الحوار

باختصار : الحرب ترسم طاولة الحوار

زهير ماجد

اذا كان الهدف من الحرب الوصول إلى التفاوض، فلماذا لايبدأ العكس .. واذا كانت القصة كلها تكمن في الحوار والمحاورة، فلماذا الحرب لغة، ولماذا القتل والتهشيم، ولماذا تفقد عناصر الرحمة لتبان الأنياب محلها.
علمتنا أكثر الحروب تلك الأفكار، لكنها علمتنا أن لا احد يمكنه الغاء الآخر، خصوصا عندما يكون هذا الآخر قوة متمترسة في شعبية كبرى. نظرية الحرب كأنما هي سلام ساخن، يراد له ان يحقق ما تعجز عنه الكلمات عبر القوة العسكرية. في الوقت الذي كان فيه هتلر يفاوض عبر مبعوثه السوفييت، كان جيشه متأهبا للذهاب الى الاراضي السوفييتية.
إن وعينا قائم على الحروب، هي من مستلزمات الحياة، حتى أن أحد الفلاسفة قال ان السلم كذبة الأصل هي الحرب، تماما مثلما هو الحب كذبة برأيه لأن الكراهية سباقة. وعندما يتم اختيار الحرب تكون قد سقطت امكانيات التفاهم بالكلمات.
الآن يمكن القول إننا مازلنا أقرب الى الحوار في اليمن مثلا، لكن تجاوز الوضع الحالي قد يؤدي الى مشاهد طويلة من الحرب التي لا تعرف نهايات لها، والتي عندما تنتهي فإنها تقفل بدراما ذات معنى عميق.
لم يستطع الاميركي مثلا أن يغلق حرب فيتنام سوى بهروبه منها، كل امكانياته العسكرية كانت تزيد من ورطته فيها إلى أن وجد ضالته في الخروج السريع تاركا التخبط سيد الموقف . ومثلها كانت حالة فرنسا في فيتنام ايضا عندما فكرت بالاستئساد عليها دفعت في معركة ديان بيان فو وحدها 45 الف قتيل ثم انسحبت. والحال مع الاسرائيلي الذي ظن ان لبنان لقمة سائغة وان فرقة كشافة تحتله، فاذا به يرمي كل ثقله فيحتله عام 1982 لكنه لم يستطع البقاء لأن النهوض الوطني اللبناني كان اعمق بكثير في التعبير عن حالة المقاومة الفورية التي رأيناها ايضا فور الاحتلال الاميركي للعراق والتي رمى فيها الاميركيون اكثر من نصف مليون جندي ومن ثم نصف مليون من التابع لهم ومع ذلك ظلت صيحات الله اكبر تلاحقهم حتى لحظة انسحابهم الذليل رغم هدوئه.
بعض القوى تتمنى بصراحة القتال لأنها تريد اثبات ذاتها من خلاله، فاذا بقوى مضادة لديها الفكرة ذاتها وهنا تقع الكارثة لأن الطرفين لن يتراجعا عن لعبة المصير التي يحاول كل منهما أن يتفانى حتى النهاية.
أبغض الحلول هي الحروب، لكنها دائما في متناول يد الانسان، هي في دمه كما يقول الكاتب العبقري تولستوي في روايته ” الحرب والسلم”, اثناء الحرب يصعب على اي طرف القول وداعا ايه السلاح، بل ان نهمه على ازدياد، كلما فرغ رصاصه طلب المزيد .. الرصاصة الاولى تجر الى آلاف، والخطوة المتقدمة اثناء المعركة تجر الى خطوات، ومنهم من يقع في الشرك، ومنهم من يتقدم في مساحات العبث ليجد نفسه في النهاية ايضا فوق طاولة الحوار يوقع اتفاقا او في اسوأ الاحوال ذلا كما وقع امبراطور اليابان توقفه عن القتال وهو استسلامه امام الاميركي بعد استعماله قنبلتين نوويتين ضد هيروشيما وناجازاكي.
هانحن نطلق الصرخة من أجل طاولة الحوار الدائمة الوجود، بل ان الطرفين عندما يتقاتلان يكونان قد رسما شكل الطاولة تماما.

إلى الأعلى