الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ

تراث

فضل الأدب
قال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بنيّ لو عداكم ما أنتم فيه ما كنتم تعوّلون عليه? فقال الوليد: أما أنا ففارس حرب، وقال سليمان: أما أنا فكاتب سلطان، وقال ليزيد: فأنت ? فقال: يا أمير المؤمنين! ما تركا غاية لمختار. فقال عبد الملك: فأين أنتم يا بنيّ من التجارة التي هي أصلكم ونسبتكم ? فقالوا: تلك صناعة لا يفارقها ذل الرغبة والرهبة، ولا ينجو صاحبها من الدخول في جملة الدّهماء والرعية، قال: فعليكم إذاً بطلب الأدب، فإن كنتم ملوكاً سدتم، و إن كنتم أوساطاً رأستم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم.

صناعة الكلم
قال عز الدين ابن الأثير (المثل الثائر): اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة وقد قيل‏:‏ ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم حتى قيل‏:‏ كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه فيقول‏:‏ فلان النحوي وقلان الفقيه وفلان المتكلم ولا يسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقول‏:‏ فلان الكاتب وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن‏.‏ وملاك هذا كله الطبع فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه لا تغني تلك الآلات شيئاً ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد والحديدة التي يقدح بها ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك وكثيراً ما رأينا وسمعنا من غرائب الطباع في تعلم العلوم حتى إن بعض الناس يكون له نفاذ في تعلم علم مشكل المسلك صعب المأخذ فإذا كلف تعلم ما هو دونه من سهل العلوم نكص على عقبتيه ولم يكن فيه نفاذ‏.‏ وأغرب من ذلك أن صاحب الطبع في المنظوم يجيد في المديح دون الهجاء أو في الهجاء دون المديح أو يجيد في المراثي دون التهاني أو في التهاني دون المراثي وكذلك صاحب الطبع في المنثور هذا ابن الحريري صاحب المقامات قد كان على ما ظهر عنه من تنميق المقامات واحداً في فنه فلما حضر ببغداد ووقف على مقاماته قيل‏:‏ هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة ويحسن أثره فيه فأحضر وكلف كتابة كتاب فأفحم ولم يجر لسانه في طويلة ولا قصيرة فقال فيه بعضهم‏:‏ شيخ لنا من ربيعة الفرس ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالمشان وقد ألجمه في بغداد بالخرس وهذا مما يعجب منه‏.

صروف الدهر
لما فتح خالد بن الوليد “عين لتمر” سأل عن الحرقة بنت النعمان بن المنذر فدل عليها فأتاها وكانت عمياء فسألها عن حالها فقالت لقد طلعت علينا الشمس وما هي شيء يدب تحت “الخورنق” ـ أحد قصور النعمان ـ إلا تحت ايدينا ثم غربت وقد رحمنا كل من يدور به وما بيت دخلته “حبرة” ـ أي مسرة ـ إلا دخلته عبرة ثم قالت:
وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا
اذا نحن فيه سوقة نتنصف
فأف لدينا لا يدوم نعيمها
تقلب تارات بنا وتصرف
فقال قائل ممن كان حول خالد والله لكان عدي بن زيد ينظر اليها حين قال:
ان للدهر صرعة فاحذرنها
لا تبيتن قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى معافى فيردى
ولد كان آمنا مسرورا

حياء بين حي وميت

روى السدوسي البصري قال: كان إسماعيل الفتاك صديقاً لأبي الهيذام، بينهما من الأمر ما ليس بين اثنين، وكانا لا يفترقان وقتاً من الأوقات، فتوفي أبو الهيذام، فكان أهل مودته يزورون قبره، وكان إسماعيل لا يقربه. فقلت له يوماً: قد ظننت تلك الثقة التي كنت تظهرها أيام حياته نفاقاً. فقال: كلا، إنه ليس كما ظننت، ولكن ليس في ذلك نفع عاجل ولا آجل، ولا هو يحسه ولا يعلمه، وإنما خلق من أخلاق العامة ولقد أحسن القائل
لألفينَّك بعد الموت تندبـنـي
وفي حياتي ما زودتني زادي
يقول أخو بني أسد
وإني لأستحييك والترب بيننـا
كما كنت أستحيي وأنت تراني

أنا أحق بها

تخاصم أبو الأسود الدؤلي واضع النحو مع امرأته إلى القاضي على غلامهما منه، أيهما أحق بحضانته؟ فقالت المرأة: أنا أحق بها، لأنني حملته تسعة أشهر، ثم وضعته، ثم أرضعته إلى أن ترعرع بين أحضاني كما تراه مراهقـاً،فقال أبو الأسود: أيها القاضي، حملتـُه قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فإن كان لها بعض الحق فيه، فـَلـِيَ الحق كله أو جله، فقال القاضي: أجيبي أيتها المرأة على دفاع زوجك. فقالت: لئن حمله خـِفـّا، فقد حملته ثقلاً، ولئن وضعه شهوة، فقد وضعته كرهـاً، فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: ادفع إلى المرأة غلامها ودعني من سجعك.

تؤمن بالولادة ولا تؤمن بالنفاس

قال اشعب: جاءتني جارية بدينار و قالت : هذا وديعة عندك , فجعلته بين طيات الفراش , و جاءت بعد أيام تقول : بأبي أنت هات الدينار ؟ فقلت : ارفعي الفراش و خذي ولده , و كنت قد وضعت الى جنبه درهما , و عادت في الثانية و الثالثة , و في المرة الرابعة رأيتها فبكيت فقالت : مايبكيك يا أشعب ؟ فقلت : لقد مات دينارك في النّفاس , فقالت : و كيف يكون للدينار نفاس ؟ فقلت : أتؤمنين بالولادة و لا تؤمنين بالنفاس ؟ .

هوانا موافق لهواك

لعمر بن أبي ربيعة

أيها العاتبُ الذي رام هجري
وبعادي، وما علمتُ بذاكا
ألقتلي أراكَ أعرضتَ عني
أم بعادٌ، أمْ جفوةٌ، فكفاكا
قد بريتَ العظامَ والجسمَ مني
وهوانا موافقٌ لهواكا
قد بلينا، وما تجودُ بشيءٍ
ويح نفسي ، يا حبُّ ، ما أجفاكا
أنتَ فِي القولِ عازفٌ من هوى
النفسِ إلينا، فِي الطرفِ حين نراكا
وإذا ما ذكرتُ ، راعكَ ذكري
وكثيرٌ يروعنا ذكراكا
وإذا ما سمعتَ اسماً كإسمي
ليّ بالدمعِ أخضلتْ عيناكا
وإذا ما وشى إليكَ بنا الواشونَ
صدقتَ ظالماً منْ أتاكا
شلّ مني اللسانُ إن كنتُ اهوى
من بني آدمَ، الغداةَ، سواكا

إلى الأعلى