الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : وهم القوة

باختصار : وهم القوة

زهير ماجد

كان الأقوى بين الملاكمين انتصر فيها كثيرا، لكن تلك القوة كانت السبب في إصابته بمرض باركنسون الخطير .. الملاكم محمد علي كلاي برغم قوته نال ضربات على رأسه أودت به إلى ذاك المرض، وفي احدى المقابلات معه تحدث فيه بصعوبة فهمنا انه يتحدث عن وهم القوة الذي مارسه وظن القوة تظل بعيدة عن الضعف أو نيل القسط الوافر من حكمة الحياة التي تقول كلما كنت قويا كلما كانت الضربات التي تتلقاها اقوى والسقوط من على الحلبة يكون فاجعيا.
بين ايدينا مجموعة من الحقائق التي تثبت هذا المفهوم، فما ملكته روما من قوة امبراطورية في التاريخ مكنها من المكاسب لكنه عاد وأسقطها فكان اندثارا لم يبق منه مايخبر عن قوتها .. وكلما ذكرت الامبراطوريات كان الحديث عن روما اساسيا. واذا وصلنا الى عصرنا سنجد ترنح القوة السوفياتية امام قوة وصلابة المقاتل الافغاني الذي هز عظمة موسكو بل كان السبب من بين اسباب موجعة في انهيار الاتحاد السوفياتي وتلاشي وجوده تماما ..
المقاتل الفيتنامي البسيط بأسلحته المبسطة ايضا، كم قابل الجندي الاميركي المدجج بجميع انواع الاسلحة ومعه طيرانه الحربي واساطيله الهائلة الذائعة الصيت، وكم فاز عليه، وكم دحره في معارك كثيرة، دفعت فييتنام الملايين من شعبها، لكنها لم تهزم سوى قوة الجيش المعتدي الذي سقطت هيبته وصار عليه أن يعترف بكل امانة بقوة الضعيف. وهذا مايندرج ايضا على المقاتل العراقي الذي خرج من بين انقاض الحرب ضده .. ظلت اميركا بكل صواريخها التوماهوك تضرب العراق دون ان تتمكن من اي فعل، وعندما دخلت قواتها واحتلت العراق، تربص بجنودها الموت اليومي، تحول الرابح الى خاسر، صار البقاء في العراق حلما مرعبا، ثم واقعا اكثر رعبا.
في العام 2006 قامت اسرائيل بسبعة آلاف غارة مدمرة على لبنان فلم يبق منزل في جنوبه ولم يبق مثله في الضاحية الجنوبية، لكن الكيان الصهيوني ظل مهزوما بلغة العسكر الى ان قرر الدخول البري، فكانت الكارثة اعظم على قواته: مجازر بآلياته، وقتل بالجملة لقواته. والأهم ان ذلك العدو المتغطرس الذي هز عروشا عربية تمرغت سمعته في وحل الهزيمة فكان أول المطالبين بوقف إطلاق النار.
ثم أين قوة نابليون التي اجتاحت العالم وظن قائدها بونابرت انه ملكها فإذا به عند امتحان القوة المقابلة يتحول الى معتد والى محتل ثم كانت نهايته في جزيرة حيث عاش بقية عمره مسجونها ومات هناك.
وأين هتلر الذي هز الارض كلها وهز قواعد حياتها، فاذا به محتل غاشم ظن ان انتصاراته بداية لحلمه فإذا به في فخ الانتصار يقع، واذا بروح الشعوب التي ظن وقوعها بيده قد صارت اسودا، لكنه اخطأ الحسابات، بل اخطأ في فهم المعادلة التي تقول ان الاحتلال يؤدي الى النهوض الوطني والى تماسك الشعب والى توحده اذا ماكانت له قيادة سليمة حكيمة.
إنها عبر التاريخ التي فيها الكثير بما يشبه هذه الأمثلة .. لو كان هتلر ونابليون حكيمين لما وقعا في مطب الهزيمة .. ولو كان جورج بوش الابن على فهم لهذه المعادلة لما دخل بغداد، ولما ظن قادة اميركا الذين حاربوا فيتنام انهم سوف ينتصرون على شعبها، ولما تمكنت روما من التوسع الى الحد الذي قسمها ثم أنهاها.

إلى الأعلى