الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : صراحة .. تحكمها الحقائق الرسمية

العين .. الثالثة : صراحة .. تحكمها الحقائق الرسمية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

هل (أربع) سنوات متوسط البحث عن عمل طبيعية ؟ وهل من المقبول كذلك أن يظل نصف شبابنا طوال (أربع) سنوات في قائمة الباحثين عن عمل ودون راتب؟ علما أنه في عام 2013، كانت الفترة الزمنية (ثلاث) وليس اربع سنوات اي بارتفاع سنة كاملة، وهل سيستمر هذا الارتفاع سنويا ؟ والأربع سنوات هى المتوسط ، بمعني هناك أكثر من اربع وقد تصل الى ست .. وشبابنا ينتظرون فرصة العمل، إذن، ماذا ينبغي أن يعني لنا هذا الارتفاع بدلا من الانخفاض المتوقع؟ هل نسير في تقدم ملموس في توفير فرص عمل لجيل الشباب أم العكس اي التطور في التأخر ؟ وما هى تداعياته الاجتماعية والأمنية في ضوء مستجدات اقليمية وظواهر سلبية متراكمة ومتصاعدة ؟
وتلكم المعلومات مستقاة من دراسة صدرت في فبراير الماضي عن المركز الوطني للإحصاء حول توجهات الشباب العماني نحو العمل، وربما تتساءلون عن كم باحث عن عمل يحصل على فرصته خلال السنة الاولى من البحث ؟ الدراسة تقول (8%) فقط، وهذه الدراسة تعد من أهم الدراسات التي تكشف لنا عن حقائق مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه مهمة جدا للحكومة، وفي توقيت مناسب جدا، وهى تضع الحكومة أمام مسئوليتها الوطنية العاجلة جدا، فهل سوف تؤجلها؟ لا مجال للتأجيل ابدا، لأن الحق في العمل يعد الآن قضية الشباب الأولى، ولن تتضح لنا الصورة القاتمة للوضع الا إذا ما ربطنا تلك الجزئية المهمة بجزئيات أخرى تتعثر فيها قضية التعمين في بلادنا، وكذلك بقضية الاختلالات في الاجور بين المواطنين والاجانب، عندها تظهر لنا الصورة كاملة، وهى من بين الاسباب التي تدفع بنا دفعا الى فتح هذا الملف المهم جدا، وذلك بهدف تصحيح المسار بصورة جذرية بعيدا عن الشعارات، وبعيدا عن النسبة والتناسب ،، العددية ،، بين المواطنين والوافدين التي غرقت نسبة التعمين فيها حتى القاع، ومن يغرق الى القاع ماذا يكون مصيره ؟ بمعنى أن الجهود لم تنجح في التناسب المستهدف سياسيا، كما لم تنجح في تعمين المواطنين، بدليل، الانكشافات الجديدة التي تظهر كذلك حقائق مهمة، مثل، تساوي اعداد الوافدين مع إعداد المواطنين في بعض المحافظات، وزيادة اعدادهم عن المواطنين في محافظات أخرى.. فأين نجاح سياسة النسب والتناسب لدواعي الامن الشامل؟ فآخر الاحصائيات تتحدث عن (مليون وسبعمائة ألف) وافد في السلطنة، ومن السخرية القول أن ذلك العدد يوفر فرص عمل لشبابنا مماثلة عدديا، فمثل هذا الطرح يستخف بالقضية ويخدرها بطروحات غير عقلانية تماما، فالاقتصاد العماني يحتاج لأيد عاملة يتزايد عددها مع تزايد الاقبال الاستثماري على بلادنا، من هنا يمكن القول صراحة، أنه علينا أن نحرر قضية التعمين من وهم الشعارات ومن يروج لها لإشغال الرأي العام بأنه يبني عمان، وهو في الواقع لا يبني من منظور وطني ، وإنما من منظور تكريس المصالح الخاصة ،والسبب ؟ نرجعه الى مجموعات مصالح كبرى قائمة على بقاء الوضع كما هو عليه، وستظل كذلك ما دام وراءها نفوذ قوي جدا، هذا النفوذ هو الذي يدير عجلة التعمين، ويجعلها في المهن والوظائف الدنيا، بينما تظل الوظائف العليا والمتوسطة حكرا على الوافدين فقط ، مما تعني بالتبعية أن السقف الاعلى والمتوسط للمرتبات سيظل ينعم بها الوافد وليس المواطن، والكثير تكلموا عن ضرورة وضع سياسة انتقائية لتعمين المهن والوظائف العليا والمتوسطة ..لكن لا حياة لمن تنادي ، فمن نناديه لكي يستجيب لهذا النداء العاجل ؟ وحتى المهن والوظائف المتدنية لم تسلم بدورها من سطوة النفوذ والمتنفذين، فقد طمعوا بعد رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص الى (320) ريالا، حيث اسسوا شركات للأيدي العاملة للإتجار بها على حساب قضية التعمين وتوفير فرص العمل للعمانيين، فهذه الشركات تأخذ من ذلك الراتب نصفه بينما تعطي للوافد النصف الآخر، فهل هذه عدالة؟ فلماذا لا توظف تلك الجهات مباشرة عمانيين من حملة ما دون الدبلوم العام (الثانوية) ؟ وقد شاهدنا جزئية من هذه الظاهرة اثناء سفرنا من مسقط الى صلالة، حيث وجدنا وافدين يقومون بمهمة تأمين الحقائب، وكانت اعدادهم على الطائرة الواحدة عشرة افراد، ولنا أن نتصور اعدادهم على بقية الطائرات، ولنا أن نتصور لو تم توظيف عمانيين عليها ممن يحملون ما دون الدبلوم العام، ولما استفسرنا عن الخلفيات، اكتشفنا البعد التجاري سالف الذكر، والعمل الشريف ليس عيبا ولا معيبا، كما أنها مهن مناسبة لمن يتوقف طموحه عن التعليم، والا سيظل دون عمل، فمن الاولى له هذه الفرص.
إذن، الى أين تصل بنا هذه القضية في إطارها العام ؟ تصل بنا الى القول صراحة أن هناك حاجة عاجلة الى اصلاح منظومتي توفير فرص العمل في القطاع الحكومي والتعمين في القطاع الخاص، بحيث يمكن أن يشمل الاصلاح الفكر والآليات والاشخاص كذلك، في ان واحد، وحمل الشركات الكبيرة على وضع سياسة انتقائية لتعمين الوظائف العليا والمتوسطة بالتدرج، ومنع المتاجرة بالوظائف المستحقة لشبابنا .. إذا اردنا أن نعزز ديمومة الاستقرار فيها، وهذا التعزيز ينبغي أن يشكل شغلنا الشاغل حتى لو أدى بنا الاصلاح الى تغيير جذري في المؤسسات القائمة والأطر الفكرية والادارية والتخطيطية المسئولة عنها ، فهل هناك من يقنعنا بأن المسار الحالي للتوظيف والتعمين في الحدود الآمنة والمطمئنة، لن يقنعنا أحدا ابدا، فالآجال الزمنية الطويلة التي يقبع فيها الباحثون عن عمل حتى تتوفر لهم فرصتهم في العمل مقلقة كثيرا، فقد يسقط الباحثون في مستنقعات قذرة، تخلق منهم حالات مستدامة، كما أنها لن تحل مشكلة التراكم العددي للباحثين عن عمل، بل أنها تكرسه بصورة مخيفة، كما سياسة التعمين تحتاج فعلا الى ادارة مختلفة تماما عن هو سائد حاليا، فالمتاجرة بالوظائف الدنيا على حساب حق المواطن غير المؤهل في العمل وفق قدراته ومؤهلاته ينبغي النظر له من منظور استمرارية احتكار الاجانب للوظائف العليا والمتوسطة ، عندها ستبرز لنا الصورة كما يجب لا كما ينبغي أن ترسمها الشعارات التي تعطي الانطباع بأن كل شيء يسير على ما يرام، وهو ليس كذلك ، فالخلل ليس في توجهات الدولة وإنما في الاشخاص القائمين على تنفيذها، والمعينين اصلا من قبل أطر أدارية عليا لها مصالح كبرى في بقاء الوضع قائما كما هو عليه، لكن مصلحة الوطن أكبر من مصلحة الافراد ، فهل سيكون للوطن استدراك تصحيحي عاجل لقضية الشباب الأولى.

إلى الأعلى