الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أرقام مُذهلة للأجهزة الأمنية.. وحلّ السلطة!

أرقام مُذهلة للأجهزة الأمنية.. وحلّ السلطة!

د. فايز رشيد

” لا نفهم جدية الحديث عن حل السلطة، في ظل تهميش منظمة التحرير الفلسطينية وكافة مؤسساتها، فالقائمون على السلطة ارتأوا فيها (كما قلنا) بديلاً عن م.ت.ف، لذلك انصبّت كل جهودهم على تقوية مؤسساتها على حساب منظمة التحرير. كذلك لا نفهم جدّية الحديث عن حلّ السلطة في الوقت الذي تعاني فيه الساحة الفلسطينية من الانقسام وعدم وجود أدنى الأشكال من الوحدة الوطنية الفلسطينية”
ـــــــــــــــــــــ

نشر الكاتب الفلسطيني سائد أبو فرحة تقريرا عن “الأجهزة الأمنية الفلسطينية ” في رام الله! التقرير يحتوي أرقاما غير ممكنة التصديق لهول ما تحتويه من حقائق، لكنه الواقع بكل تفصيلاته المبكية. فمثلا: يوجد عنصر أمني واحد لكل 52 مواطنا فلسطينيا، بينما يوجد مدرس واحد لكل 72 مواطنا. لقد أنشأت السلطة الفلسطينية فور إنشائها 10 أجهزة أمنية هي: الشرطة المدنية، الدفاع المدني، الأمن الوقائي، قوات الأمن الوطني ،الشرطة البحرية، الشرطة الجوية ،الارتباط العسكري، الاستخبارات العسكرية، الأمن الرئاسي (القوة 17) والمخابرات العامة.
مع نهاية العقد الماضي أنشأ الرئيس الراحل عرفات جهازين إضافيين هما: الأمن الداخلي والقوات الخاصة وبذلك أصبح عدد الأجهزة الأمنية 12 جهازا. يبلغ عدد المنتسبين للأجهزة الأمنية 70 ألف شخص وتستهلك 37% من النفقات العامة. تلقّت مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية 3409 شكوى بخصوص التعذيب والتهديد أثناء التوقيف. في الشهر الأخير من عام 2014 تلقّت 82 شكوى تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز والتوقيف . بالنسبة للتنسيق الأمني مع الكيان يشمل 3 محاور رئيسية: دوريات مشتركة على الطرق (توقفت مع اندلاع الانتفاضة الثانية)، لجان أمنية مشتركة والتنسيق الأمني المدني.
ما نقوله وباختصار شديد: مهمة الأجهزة الأمنية مقتصرة فقط على المراقبة والتجسس واعتقال وتعذيب الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1967 ( وبعد الإنقسام على ما تبقى من أراضي الضفة الغربية). المُفترض أن السلطة (المحتلة من قبل الكيان هي الأخرى) تشكل عونا للفلسطينيين في معاناتهم الشديدة من احتلال وطنهم وتقييد حريتهم وتكبيل إرادتهم! الذي يحصل: العكس تماما وهو ما يدعونا إلى القول: بأن السلطة أصبحت عبئا على كواهل أبناء شعبنا! فهل هذا هو المطلوب أمريكيا وصهيونيا؟ ليس معقولا وجود عنصر أمني لكل 50 فلسطينيا. اتفاقيات أوسلو المشؤومة وفي أحد نصوصها الأساسية تفترض: تنسيقا أمنيا للسلطة مع أجهزة الكيان الأمنية وهو ما ينزع عن ادعاءات قادة السلطة، إمكانية وقف هذا العار المتمثل في التنسيق الأمني، الذي يسير باتجاه واحد فقط : ان تكون السلطة الحارس الأمين والمخلص والمتابع بدقة لكل ما يعكّر صفو أمن الكيان. إذ ليس معقولا أن يسمح الكيان بأي تدخل في نشاطات أجهزته الأمنية التي تمارس نشاطا تجسسيا على حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة ( قضية الجاسوس الصهيوني جوناثان بولارد).
قضية أخرى نطرحها: تقريبا نصف ميزانية السلطة تذهب للإنفاق على هذه الأجهزة الأمنية، التي تتكاثر كالفطر على الجسد الشعبي الفلسطيني، فهل هذا معقول؟ ثم أين هي مشاريع التنمية وتطوير القرى والمدن والخدمات الصحية والتعليمية والأشكال المتقدمة من الضمان، وبخاصة الضمان في حالتي الشيخوخة والوفاة (ضمان عائلة المتوفى) وغيرها من مجالات خدمة المواطنين، وبخاصة تحت الاحتلال. التوظيف في الأجهزة الأمنية يُستغل للارتزاق وشراء الذمم والولاءات وفقما يقول التقرير،وهو مقتصر على التوظيف فقط من حركة فتح. احتكار المناصب على التنظيم التابع للسلطة يجري في كل الإدارات ! ويندر وجود سوى أفراد قلائل كموظفين من التنظيمات الموالية للسلطة وليس المعارضة لها. السلطة صادرت دور منظمة التحرير، وبجهود القائمين عليها فلا دور للمنظمة بعد تشكيل السلطة!.
على صعيد آخر: يجري الحديث حالياً عن الرغبة في حل السلطة الفلسطينية باعتبارها “سلطة بلا سلطة”، هذا ما يذكره دوما محمود عباس في لقاءاته في القطاعات الرسمية والشعبية، من جانب ثان ووفقاً لما ذكره صائب عريقات وأكدته صحيفتا “معاريف” و”هآرتس” الإسرائيليتان: أن السلطة الفلسطينية أبلغت من قبل، دولاً عديدة في العالم بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة، نيّتها: حل نفسها في يناير المنصرم 2014، في إطار ما تسميه “نقل الصلاحيات إلى الاحتلال” ضمن خطة متدرّجة في نقلها، بحيث تبدأ بالصلاحيات المدنية: كالصحة والتعليم، وتأجيل الصلاحيات الأمنية إلى وقت لاحق.أصبحنا بعد أربعة أشهر من الموعد المحدد والسلطة لم تُحّل!.
حقيقة الأمر أن هذه السلطة ليست سلطة، بل تريدها إسرائيل وكيلة عنها في ممارسة الإشراف الحياتي على الفلسطينيين في المناطق المحتلة، دون امتلاكها لأية مظاهر سيادية، تريدها ممثلا عنها في حفظ الأمن ومنع القيام بأية عمليات ضدها، تريدها سلطة خاضعة للإملاءات الإسرائيلية، وحقيقة الأمر: أن السلطة على مدى إنشائها مثّلت هذه المهمات الثلاث، بمعنى أنها في نهاية المطاف ليست غير حكم ذاتي هزيل في المناطق المحتلة. الأمر الطبيعي والحالة هذه أن تقوم السلطة بحل نفسها لو كانت تحترم ذاتها وتحترم شعبها، ولكن للأسف ليست مرة وحيدة تحدث فيها الرئيس عباس عن حل السلطة وإنما مرات عديدة ، هذا أولاً، وثانياً لا نفهم التصريحات عن حلّ السلطة في الوقت الذي يجري فيه نقل وسائل إسرائيلية للسلطة تُستعمل لتفريق المظاهرات (وذلك لأول مرة منذ إقامة السلطة الفلسطينية)، نقل الوسائل جاء تلبية لطلب من الجانب الفلسطيني للاستعداد لمواجهة تظاهرات حاشدة، والوسائل تشمل: قنابل الغاز المسيل للدموع، طلقات مطاطية، قنابل صوتية، وأقنعة واقية من الغاز. كذلك لا نفهم النيّة لحل السلطة في الوقت الذي ما زال فيه التنسيق الأمني قائماً بينها وبين إسرائيل!. الأحرى بالرئيس عباس : إلغاء اتفاقيات أوسلو المدمرة ومن ثم ، حلّ السلطة.
معروف أيضاً أن عدد موظفي السلطة يصل إلى 250 ألفاً إضافة إلى 70 ألفاً من عناصر الأمن في كل الأذرع،من الطبيعي والحالة هذه أن يجري التساؤل عن مصير هؤلاء؟ ثم وعلى مدى السنوات منذ إنشاء السلطة:تكونت شرائح طبقية اغتنت كثيراً بوجودها، وهناك شريحة من السماسرة،وكل هؤلاء معنيون بوجود السلطة واستمرار بقائها،وهؤلاء ليسوا خارج إطار السلطة، بل هم من مؤسسيها وممن يحتلون المراكز الأولى والصفوف القيادية فيها،ومن الطبيعي أن يعمل هؤلاء على استمرار بقاء السلطة وليس حلها،هذه الشرائح شكلت مؤسسات اقتصادية وطبقة من رجال الأعمال بالضرورة، صوحبت بمواقع اجتماعية وسياسية وعسكرية أمنية متنفّذة بفعل امبراطورياتها الكمبرادورية.
لا نفهم جدية الحديث عن حل السلطة، في ظل تهميش منظمة التحرير الفلسطينية وكافة مؤسساتها،فالقائمون على السلطة ارتأوا فيها (كما قلنا) بديلاً عن م.ت.ف، لذلك انصبّت كل جهودهم على تقوية مؤسساتها على حساب منظمة التحرير. كذلك لا نفهم جدّية الحديث عن حلّ السلطة في الوقت الذي تعاني فيه الساحة الفلسطينية من الانقسام وعدم وجود أدنى الأشكال من الوحدة الوطنية الفلسطينية، فمن يريد حلّ السلطة يبدأ بتطبيق الوحدة الوطنية الفلسطينية ويقوم بإصلاح منظمة التحرير بكافة مؤسساتها، ويقطع كل خيوط المفاوضات مع إسرائيل التي أثبتت عقمها ولا جدواها على مدى أكثر من عقدين ،ويعيد الاعتبار للمقاومة بكافة أشكالها ووسائلها وبخاصة المسلحة منها، ولا يقوم باعتقال المقاومين في السجون الفلسطينية ولا يصادر السلاح من أبناء شعبه تحت طائلة المسؤولية، ويقوم بمقاطعة إسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً ويعيد القضية إلى اعتبارها العربي معتمداً على الجماهير العربية، بدلاً من انتظار(الكرَم) الصهيوني والضغوطات الأميركية!. من يريد جدياً حل السلطة يعيد القضية الفلسطينية إلى الشرعية الدولية وكل قرارات الأمم المتحدة الصادرة بهذا الشأن، ولا يطرح دولة على حدود 67 فقط، كما يتمسك بحق عودة اللاجئين أيضاً.
من يريد حل السلطة بشكل جدي يلتزم باستراتيجية مرسومة بدقة، ومستندة إلى عوامل عنوانها: العودة إلى الشعب وما يقرره من حيث التمسك بالحقوق الوطنية الثابتة، دون المساومة على أي حق منها،ويمارس تكتيكاً سياسياً يخدم هذه الاستراتيجية، التي يتوجب أن تستند أيضاً إلى المقاومة والمسلحة منها تحديداً.
طرح قيادات السلطة بحلها، ليس جدياً ، ولا يخرج عن دائرة التلويح بتحسين شروط العودة إلى المفاوضات ليس إلاّ، وبخاصة أن حلّ السلطة يلقى معارضة شديدة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية، وهي معنية كلها بوجود”سلطة بلا سلطة”، سلطة تريح الكيان من أعباء احتلاله!.
يبقى القول:إن أداء السلطة في كافة المجالات وبخاصة فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية ،هو بعيد كل البعد عن المصالح الشعبية الفلسطينية.

إلى الأعلى