الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مفارقة بين مشهدين عاشتهما بغداد عام 2003

مفارقة بين مشهدين عاشتهما بغداد عام 2003

احمد صبري

لمناسبة الذكرى الـ12 لاحتلال العراق، نستذكر الساعات والأيام التي سبقت وأعقبت الغزو والاحتلال لنسلط الضوء على تفاصيل غير مرئية للظروف التي أدت إلى الاحتلال وكيف تصرف المسؤولون العراقيون في تلك اللحظات الفاصلة في تاريخ العراق، وأوهمت قوات الاحتلال العالم أنها بإسقاط تمثال الرئيس الراحل صدام حسين في ساحة الفردوس عصر التاسع من أبريل/نيسان عام 2003 بأنها أنهت الصفحة العسكرية في حربها مع العراق، في حين كان صدام في نفس اللحظة في منطقة الأعظمية يحيي الجماهير التي التفت حوله في مفارقة بين مشهدين كانت تعيشها بغداد في ذلك اليوم الفاصل في تاريخ العراق، حيث كان أكثر من نصف مساحة العاصمة العراقية وخمس محافظات عراقية هي الأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك وديالى لم تصلها القوات الأميركية في حينها بعد.
من هنا كانت الرمزية في إسقاط تمثال صدام في وسط ساحة في قلب بغداد كرسالة للجميع مفادها أن بغداد والعراق كله أصبح تحت السيطرة، فالدبابات الأميركية تطوق ساحة الفردوس واتخذت من باحة فندقي المريديان والشيراتون مكانا لانتشار قوات المارينز.
وكان مشهد الرايات البيضاء المتدلية من شرفات الفندقين لافتا وغير مألوف بعد أن قذفت أماكن تواجد الإعلاميين مدفعية الدبابات الأميركية التي تسللت إلى بغداد وقتلت وجرحت العديد منهم. لتفادي أي موقف مماثل وتحولت بغداد إلى مدينة أشباح يصول ويجول فيها اللصوص الذين دهموا المصارف الحكومية والأهلية، فيما استباح آخرون المتحف العراقي ونهبوا مقتنياته أمام أنظار تلك القوات التي غضت النظر عن نهب وتدمير حضارة العراق وذاكرته التاريخية. في حين شددت الحراسة على البنك المركزي ووزارة النفط.
في هذه اللحظات الحاسمة في تاريخ العراق أمضى صدام ليلته الأخيرة في جامع أم الطبول غرب بغداد، حيث توجه ظهر التاسع من أبريل/نيسان إلى منطقة الأعظمية وحيا الذين تجمعوا لتحيته وكان معه وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد وولده قصي وبعض أفراد حمايته، وعندما انتهى من ذلك اصطحب معه سكرتيره عبد حمود وثلاثة فقط من حمايته وتوجه إلى جهة مجهولة.
الصحفيون أصيبوا بحيرة واستغراب بعد استدعائهم على عجل إلى مؤتمر صحفي في فندق المنصور المطل على نهر دجلة في اليوم الثالث للحرب وفوجئوا بإعلان وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد أن طلائع القوات الأميركية ستصل بغداد في غضون أسبوعين، وهو يشرح على خارطة سير المعارك بدا حزينا، لكنه لم يرمش له جفن حين تسقط الصواريخ على المنطقة التي يقع فيها الفندق حتى أن طاولته اهتزت من عصف القصف وارتداداته على القاعة وأبوابها ونوافذها، لكن الرجل بقي صامدا غير مكترث بما يجري خارج القاعة.
ونظم المركز الصحفي في وزارة الإعلام جولة للصحفيين العرب والأجانب لبعض مناطق التماس جنوب بغداد، وشاهدنا حطام دبابات وعربات نقل أميركية محترقة ومتناثرة على الطريق السريع، وتواجد لعشرات الجنود العراقيين وآلياتهم تحدثوا عن معارك شرسة مع القوات الأميركية، وكان وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف يوجز للصحفيين يوميا سير المعارك وعقد نحو 20 مؤتمرا صحفيا خلال فترة الحرب ولغاية التاسع من أبريل/نيسان الذي انتقل إلى المقر البديل لوزارة الإعلام الكائن في منطقة الأعظمية، وبقي حتى مساء ذلك اليوم واستلم رسالة مكتوبة بخط صدام موجهة للعراقيين يدعوهم فيها لمقاومة الاحتلال، وفي صبيحة اليوم التالي أي العاشر من أبريل/نيسان وأثناء ما كنا متجمعين في ساحة الفردوس اقترب مني شخص لا أعرفه وقدم لي بيانا مطبوعا صادرا عن القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية يدعو لمقاومة المحتل، وطلب مني استخدامه في رسالتي اليومية إلى إذاعة مونتي كارلو الذي كنت مراسلا معتمدا لها بالعراق.
وبعد مرور اثنتي عشرة سنة على غزو العراق واحتلاله، هل أصبح العراق واحة للديمقراطية والازدهار كما زعمت إدارة بوش الابن في مبرراتها للحرب؟
الجواب يتلخص بهدر نحو 700 مليار دولار من أموال العراقيين منذ عام 2003 وحتى الآن من دون أن يلمسوا أية نتائج تقربهم من العيش بأمان ورفاهية واستقرار. وإذا رصدنا حال العراق بعد هذه السنوات على احتلاله سنرى المأساة التي حلت به وبأمواله وفشل المشروع الأميركي فإننا نستطيع القول إن العراق بعد احتلاله تحول إلى ساحة للصراع الطائفي وجاذبا للجماعات المتطرفة التي نجحت في احتلال نحو ثلث مساحة العراق بعد انهيار القوات الحكومية التي بنيت على أساس طائفي كان ولاؤها للطائفة والحزب وليس للوطن.
ومنذ احتلاله وحتى الآن لم يستقر العراق، ودفع العراقيون أثمانا باهظة من دمائهم وأموالهم واستقرارهم بفعل التخبط الأميركي الذي حول العراق إلى بلد فاشل تنخر جسده الطائفية ونزعات الثأر والانتقام والكراهية رغم حديث القائمين على إدارته عن المصالحة والتعايش السلمي والمصير المشترك بين مكوناته.

إلى الأعلى