الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الفجوة الاقتصادية

في الفجوة الاقتصادية

عادل سعد

بأي غطاء تحصل، تظل الفجوات الاقتصادية واحدة من المخاطر التي تهدد النمو وأعني هنا بالفجوة الانقطاعات التي تحصل بين الحين والآخر للنشاطات الاقتصادية العامة، وتبعاتها السلبية على مشاريع ونتائج وإدامات استثمارية، وإذا كنا في الوطن العربي نعاني بشكل واسع من الانقطاعات الاقتصادية التي تحصل لأسباب سياسية وأمنية بما تفرزه الخصومات بين الدول العربية من تأثيرات سلبية، وكذلك داخل الدولة الواحدة على غرار ما يجري في العراق مثلًا، فضلًا عن عدم وجود آلية لأي عمل تنموي مشترك يأخذ بعين الاعتبار المصالح البينية للعرب إلا أن الفجوات التي تأتي بمفردات ذات طبيعة اقتصادية تؤثر بشكل واضح في الكثير من الأوضاع التنموية العربية بما يجعلها دون معدل النمو المطلوب الذي ينبغي أن يأخذ طابعًا متواصلًا وضمن خطوط بيانية معروفة تستند إلى إدارة رصينة وترتيبات صيانة اقتصادية بين الحين والآخر.
وإذا أردنا التشخيص أكثر في هذه الأسباب ذات الطبيعة الاقتصادية نشير إلى ما يمكن أن نسميه خدمة الدين العام، وهي خدمة باهظة إذا حصل ضمن جدولة متكررة للديون مع فوائد جديدة حيث لا تتمكن الدولة المعنية من تسديد هذه الديون، وتستوقفني هنا الحالة المضادة لهذا التشخيص، وأعني بذلك التجربة الجزائرية في مواجهة تحديات الديون العامة عندما سارعت لتسديد الكثير من الديون المترتبة على هذا البلد قبل أوانها في سابقة لم تحصل في أي بلد عربي آخر، الأمر الذي انعكس في تأثيرات إيجابية واضحة على البنية الاقتصادية الجزائرية ورسم إطارات مهمة لعلاقات اقتصادية جزائرية مع دول العالم بالكثير من الاهتمام، وخاصة مع دول الاتحاد الأوروبي التي سارعت في السنوات الخمس الأخيرة إلى مد المزيد من الجسور الاستثمارية مع الجزائر مستفيدة من هذه المواقف الجزائرية في سرعة تسديد ديونها، كما انعكس أيضًا إيجابيًّا على تحسين قيمة العملة الجزائرية.
إن تواصل خدمة الديون وتجدد هذا الخدمة يفتح الكثير من الثغرات في البناء الاقتصادي العام، ولكن بالمستطاع السيطرة على خدمة الديون من خلال توجهين متكاملين، الأول الابتعاد عن الوقوع في إغراء الحصول على المزيد من الديون مع عدم أخذ بهامش إمكانية تسديدها، والثاني أن تستخدم الديون في مشاريع تنموية إنتاجية تستطيع مخرجاتها أن تسددها مع فوائدها ضمن المهل الزمنية التي تم الاتفاق عليها بين الدائنين والمديونين على غرار معادلات تعتمدها بعض الدول في التعامل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومع بعض البيوت المالية التي تقيم نشاطاتها على أساس الأرباح المتأتية من السلف والديون.
وهناك فجوة أخرى بمعنى الانقطاع التنموي، تكمن في استحواذ الحس الاستهلاكي والسياسات الاقتصادية الإرضائية على أي اقتصاد بعيدًا عن التوجهات التي تؤدي إلى تطوير الموارد المالية القومية أعلى مما يتحقق استهلاكيًّا، وهذه بحد ذاتها إحدى عوامل التنمية البشرية في توفير الوظائف والتدرج المتوازن في النمو وحساب الترشيد في الكلف المالية للمشاريع التنموية، ناهيك عن أهميته من الناحيتين الاجتماعية والنفسية إذا أخذت ضمن العدالة وتقليص فوارق الدخل المالي والحد من الاحتكار ووجود آلية حقيقية لقائمة الضرائب التي هي من أهم مصادر التمويل الاستثماري والحد من التضخم.
وتحضرني هنا فجوة اقتصادية قد لا ينظر لها البعض بعين الأهمية، وهي الاستغراق في الآنية وانعدام النظرة المستقبلية للاقتصاد التي ينبغي أن تكون من خلال جهات تشريعية وتنفيذية للمشاريع التنموية، وكذلك من خلال النظرة والتصرف التشاركي الذي ينبغي أن يتحلى به المواطن أي مواطن ضمن مسؤوليته الأخلاقية، وكونه أحد عناصر الدولة وما يترتب عليه ينبغي أن يستجيب له بالمزيد من أريحية سلوكية، وهذا بحد ذاته أحد العوامل التي تؤسس للموقف التضامني بين المواطنين والجهات المعنية بتنفيذ المشاريع التنموية الاقتصادية.

إلى الأعلى