الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يوم الأرض كَسَرَ هرتزل ومشروعه

يوم الأرض كَسَرَ هرتزل ومشروعه

علي بدوان

لم يكن تيودور هرتزل ليتصور بأن الدوافع الدينية يمكن لها أن تقرر المصير النهائي للكيان الصهيوني كما يُنادي ويسعى وينظّر الآن أقطاب كافة الأحزاب والقوى “الإسرائيلية” الصهيونية بمن فيهم عتاة أحزاب ما يسمى بـ”اليسار الصهيوني”. فقد كان هرتزل علمانيًّا في قرارة نفسه، وشخصًا براجماتيًّا على طول الخط بالنسبة لرؤيته للعامل الديني مستندًا في فلسفته إلى تربيته الأوروبية الغربية التي أعطته ومنحته جرعات من (الدينامية) العالية في تجيير واستغلال العوامل الممكنة وخصوصًا منها العامل الديني لصالح بناء النظرية وفلسفة الأيديولوجية الصهيونية وسعيه لبناء “الدولة الإسرائيلية الصهيونية”، حيث كان قد أشار في كتابه الشهير “دولة اليهود” قائلًا “سنعرف كيف نبقي رجال الدين في كُنسهم .. الجيش والكهنة سيلاقون احترامًا كبيرًا.. ولكن ليس من حقهم التدخل في شؤون الدولة”.
هرتزل لم يكن في حينها يقصد الحاخامات اليهود فقط، فخلال ارتكازه على نماذج قومية معروفة سعى إلى إحداث تغيير في مكانة ما أسماه “الشعب اليهودي” وتحويله خلال تواتر عداد الزمن، من دين إلى قومية. فقد أدرك مُبكرًا بأن اليهودية ليست قادرة على لعب دور القاسم المشترك للدولة خلافًا للمسيحية الهيكلية، فالوجود اليهودي التقليدي المبعثر في كيانات قومية مختلفة لا يمكن له أن يصفو تحت علم الديانة اليهودية إلى مقام القومية الراسخة، فاشتق طريق النظرية الصهيونية، بالرغم من أن الدولة الإسرائيلية بصيغتها الراهنة حددت للدين مكانًا مؤسساتيًّا وسمحت بوجود ونشاط التيارات الدينية الغارقة في رواية الخرافة اليهودية، وبالتالي ضعفت وتراجعت بنية (الدولة/الكيان) أمام البنى المجتمعية/الدينية والخطاب الخلاصي/الشوفيني الذي بات منهلًا لا ينضب عند قوى اليسار الصهيوني واليمين التوراتي على حد سواء، فالقومية المدنية المزعومة داخل “كيان دولة إسرائيل” أخلت مكانها عمليًّا لهيكلية “يهودية”، ستزداد قوة تصادمها لاحقًا مع مشروع الحل الناجز للقضية الوطنية للشعب الفلسطيني في سياق كفاح الفلسطينيين داخل المناطق المحتلة عام 1948.
وقبل ذلك، ذهب فيلسوف “الدولة اليهودية” تيودور هرتزل في تصديره لرؤيته إلى الارتكاز على نماذج قومية معروفة، سعى من خلالها إلى إحداث تغيير في مكانة الدين اليهودي، ساعيًا لتحويله من “دين محدود الانتشار في أوروبا وبلدان الشرق الأوسط إلى قومية متجددة”، وباعتبار أن اليهودية عاجزة عن لعب دور القاسم المشترك في بناء الدولة، وفق مفهومها الحديث والمعاصر.
لقد أدرك هرتزل مبكرًا، بأن الوجود اليهودي التقليدي بتنوعه القومي المبعثر في كيانات ومنظومات دول مختلفة بين آسيا وأوروبا الشرقية والغربية، وقسم من القارة الأميركية في الشمال (الولايات المتحدة، كندا..) وفي الجنوب (الأرجنتين، البرازيل..) لا يمكن تجميعه وصهره في بوتقة واحدة دون ابتداع أشكال من اصطناع “النظريات المفتعلة”. وعليه نجحت صهيونية تيودور هرتزل في لحظة تاريخية ومناخ مناسب لها، فكانت وليد طفرة جانحة كرستها في العرف الدولي الراهن كقومية متحررة من الهيكلية المبعثرة.
لكن صيرورة الأشياء، والنشأة الطافرة “للدولة الإسرائيلية الصهيونية” تَطَلَبَ بالضرورة إدامة الارتكاز الصهيوني على فكرة (الدين) والتغذي من وعاء الميثولوجيا التوراتية، لتصبح الصهيونية عقيدة سياسية تجسّدت في ممارسة تاريخية ذات أهداف محدّدة تمثّلت في إنشاء “دولة إسرائيل” على أسس دينية عنصرية استعمارية استيطانية إجلائية، فليس من السهل تشبيه الصهيونية، كعقيدة سياسية، بسائر العقائد السياسية كالشيوعية والرأسمالية. ومن هنا فقد واجهت “إسرائيل” إشكالية واضحة بالنسبة لهوية الدولة، فشهدت توترات وصراعات لعبت دورًا في خلق هذه الإشكالية، بسبب التنوع الثقافي والعرقي فيها، وزيادة حدة الاستقطاب بين الدينيين والعلمانيين.
وفي الخارطة الدولية في العالم المعاصر، تقف الدولة العبرية الصهيونية باعتبارها الدولة الوحيدة التي تعرّف نفسها كدولة (ديمقراطية) و(دينية) في الوقت ذاته بالرغم من التنوع السكاني القومي والديني في تكوينها العملي (السكان الأصليين من المواطنين العرب الفلسطينيين، وقوميات أوروبية وآسيوية من يهود العالم قاطبة، فضلًا عن الأقليات القومية التي كانت في فلسطين قبل إنشاء الدولة الإسرائيلية الصهيونية مثل الشركس والأرمن والبوشناق …). فـ”إسرائيل” الدولة الوحيدة في العالم التي تأسست على خلفية “رواية ميثولوجية” مسنودة بقرار دولي، هو القرار 181 (قرار التقسيم) الذي جاء في لحظة نادرة لخصت الفترة الحرجة أثناء وقوع التحولات الكبرى في المنظومة الدولية، كحاصل تفاهم والتقاء وتوافق للمصالح الاستعمارية الكبرى مع انقشاع سحب الحرب الكونية الثانية (1938ـ 1945).
وعليه، فـ”الدولة الإسرائيلية” حددّت للدين مكانًا مؤسساتيًّا، وعملت على تغلغل التيارات الدينية في التعليم، وبالمقابل ضعفت وتراجعت أمام البنى (المجتمعية/الدينية) مكونات (الخطاب الخلاصي/الشوفيني) الذي دأب على ترديده آباء الصهيونية على حساب القومية المدنية بحدودها الدنيا، الأمر الذي خلق حالة الازدواجية والانفصام في دولة يدعي مؤسسيها بأنها ديمقراطية وفي الوقت ذاته دينية وعنصرية بل وفاشية.
فكل الأحزاب الإسرائيلية الصهيونية ما زالت تصر على المبدأ الأساسي الرئيس، وهو ضمان الهوية اليهودية للدولة العبرية، وهي فجوة كبيرة غير قابلة للجسر أو الترقيع داخل كيان “الدولة الإسرائيلية” بين المواطنين الفلسطينيين العرب أصحاب الوطن الأصليين وبين جموع المجتمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين التاريخية، وهي فجوة تُبشّر بتكريس الشرخ داخل الكيان الصهيوني، وذلك بالرغم من محاولة البعض من الجيل الثالث من قيادات “الصف الإسرائيلي” التخفيف من حدة الموضوع والقول بأن “إقامة الدولة الفلسطينية قد تُلبي احتياجات عرب إسرائيل القومية من خلال إفساح المجال للتضامن والتماثل معهم”، بينما تنحو بعض الأوساط البراجماتية “الإسرائيلية” المحسوبة على تيارات “اليسار الصهيوني” ومن داخل حزب العمل وكتلة ميرتس تحديدًا للقول “من الأفضل التركيز على توفير حلول عملية للضائقة التي يعاني منها الوسط العربي بدلا من التمحور حول القضايا الأيديولوجية المبدئية” بينما يقول يوسي بيلين من قيادة ما يسمى بـ”اليسار الصهيوني” وبلغة مليئة بالديماغوجيا بأن “إسرائيل تستطيع أن تكون دولة يهودية، وفي نفس الوقت دولة لكل مواطنيها”، بينما يقول الزعيم السابق لحزب شاس اليميني التوراتي ايلي يشاي “إنه لا يوجد تناقض على المستوى الديمقراطي بين ضمان طابع الدولة اليهودي وبين وجود الأقلية العربية”، وعند الاتجاهات الأكثر يمينية نجد اليهودي الروسي المستوطن على أرض فلسطين وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيجدور ليبرمان الذي لا يؤمن بالتعايش ويعتقد “أن كون إسرائيل يهودية أهم من كونها ديمقراطية” ومن هنا تصبح التفرقة ضد المواطنين الأصليين من أبناء البلد من الفلسطينيين العرب فيها مسألة مُبررة مع تواصل النظر إليهم كتهديد إذا لم يكن أمنيًّا فديمغرافيًّا. وهكذا أطلت تلك المساعي الصهيونية الداعية للاعتراف بدولة “إسرائيل” كدولة يهودية، حيث بدأ نتنياهو بوضع ذاك الاشتراط في سياق المفاوضات المباشرة الجارية مع الطرف الرسمي الفلسطيني.
أخيرًا، ومهما تعالت أصوات عتاة الكيان الصهيوني، فإن يوم الأرض الفلسطينية كسر هرتزل ومشروعه.

إلى الأعلى