الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / أوروبا الغربية بين التعددية الثقافية والاندماج الاجتماعي ـ الأقليات وقضية الهوية في أوروبا الغربية

أوروبا الغربية بين التعددية الثقافية والاندماج الاجتماعي ـ الأقليات وقضية الهوية في أوروبا الغربية

مقدمة:
إن الهجرة ظاهرة عالمية، وتبعاتها تترتب عليها مشاكل كثيرة تشغل بال الكثيرين في الدول المستقطبة للهجرة أو الحاضنة للمهاجرين، ونتيجة لذلك بدأنا نسمع بالاندماج الاجتماعي والتعددية الثقافية وغيرها في محاولة لقطع الطريق على خلق كيانات معزولة وهامشية أو بؤر للجريمة والتخلف أو حتى الحروب الأهلية، وفي نفس الوقت تقف حائلا دون قيام حركات عنصرية من داخل البلد تستهدف الإساءة إلى المهاجرين.
ـــــــــــ
قبل ثلاثين عاما، اعتبر العديد من الأوروبيين التعددية الثقافية ( أن يكون المجتمع متنوعا وموحدا في الوقت نفسه) الجواب الشافي للمشاكل الاجتماعية في أوروبا. أما اليوم فإن الكثيرين يرون في تلك التعددية سببا في تلك المشاكل. دفع هذا التصور بعض كبار السياسيين، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الى التنديد علنا بالتعددية الثقافية والتحدث عن مخاطرها. وقد غذى ذلك التصور نجاح الأحزاب اليمينية المتطرفة والسياسيين الشعبويين في جميع أنحاء أوروبا، من حزب الحرية في هولندا إلى الجبهة الوطنية في فرنسا. كما انه كان السبب وراء بعض الأعمال الأرهابية مثل الجريمة المروعة التي ارتكبها اندرس بيرينغ بريفيك في جزيرة أوتويا القريبة من اوسلو في يوليو عام 2011.
كيف حدث هذا التحول ؟ وفقا لمنتقدي التعددية الثقافية، فقد سمحت أوروبا لأعداد كبيرة من المهاجرين دون الاهتمام بمسألة اندماج هذا العدد بالجسد الاوروبي مما ادى الى تآكل التماسك الاجتماعي، وتقويض الهويات الوطنية، وتراجع ثقة الناس بالسياسيين. ويرد انصار التعددية الثقافية، من ناحية أخرى، بالقول ان التراجع يعود الى تنامي العنصرية.
الا ان الحقيقة هي أكثر تعقيدا مما يدعيه الطرفان، خاصة وان الكثير مما يقال يقع خارج إطار الموضوع . أصبحت التعددية الثقافية شماعة لغيرها من القضايا الاجتماعية والسياسية: الهجرة، والهوية، وخيبة الأمل السياسي، وانخفاض الطبقة العاملة. اتبعت العديد من البلدان مساراتها الخاصة للتصدي للقضية . سعت بريطانيا إلى إعطاء الأقليات المختلفة حصة متساوية في نظامها السياسي. في حين شجعت ألمانيا المهاجرين على متابعة حياتهم الخاصة بدلا من منحهم المواطنة. ورفضت فرنسا التعددية الثقافية وفضلت عليها سياسات الاستيعاب أو الاندماج الأجتماعي . وتباينت نتائج تلك السياسات المتنوعة، ففي بريطانيا اندلعت الاضطرابات الطائفية وفي ألمانيا، تقوقعت الأقلية التركية بعيدا عن المجتمع الالماني. وفي فرنسا، ازداد التوتر بين السلطات والأقليات ذات الأصول الأفريقية. وبغض النظر عن المكان كانت النتائج السلبية هي ذاتها : مجتمعات مجزأة، وأقليات منسلخة عن المجتمع، ومواطنون يشعرون بالاستياء.
إن التعددية الثقافية، كأداة سياسية، كانت نتيجة للتنوع في المجتمع وفي الوقت نفسه محاولة لتقييد ذلك التنوع .هذا التصور يكشف عن مفارقة غريبة. ان سياسات التعددية الثقافية تقبل كأمر مسلم به أن المجتمعات متنوعة، ولكنها تفترض ضمنا أن هذا التنوع ينتهي عند حدود الأقليات. وهي تسعى إلى إضفاء الطابع المؤسسي على التنوع عن طريق وضع الناس في صناديق العرقية والثقافية، على سبيل المثال القول بوجود أقلية مسلمة واحدة وتحديد احتياجاتهم وحقوقهم وفقا لذلك. بعبارة أخرى، ساعدت هذه السياسات على خلق الانقسامات ذاتها التي كان من المفترض أن تعالجها.
أن فك تشابكات النقاش حول التعددية الثقافية يتطلب فهم المصطلح ذاته. أن مصطلح “التعددية الثقافية ” يراد به ـ حسب بعض النظريات ـ “التعايش بين الجماعات المتمايزة دينياً أو إثنياً أو عرقياً التي يرى أعضاؤها تبايناتهم الثقافية عن غيرهم من زاوية كونها تشكل عناصر رئيسة في هويتهم”، أي أنه يعني مجتمعا متنوعا، عادة نتيجة الهجرة، والسياسات اللازمة لإدارة مثل هذا المجتمع. وبالتالي فإن المصطلح يجسد على حد سواء وصفا للمجتمع وطريقة للتعامل مع هذا المجتمع. أن خلط الأمرين ، المشكلة والحل ، قد عقد من النقاش الدائر حول التعددية الثقافية. أن فك هذا التشابك يتطلب تقييما دقيقا لكل منها.
///التعددية الثقافية: الماضي والحاضر:
أن مؤيدي ومنتقدي التعددية الثقافية يتفقان بشكل كبير على فرضية أن الهجرة الجماعية قد جعلت المجتمعات الأوروبية أكثر تنوعا. قد يبدو ذلك صحيحا. اليوم، تعتبر ألمانيا الدولة الثانية عالميا المفضلة لدى المهاجرين، بعد الولايات المتحدة. في عام 2013، أكثر من عشرة ملايين شخص، أو ما يزيد قليلا على 12 في المئة من السكان، هم من المهاجرين. في النمسا كان الرقم 16 في المئة، في السويد 15 في المئة، وفي فرنسا وبريطانيا، حوالي 12 في المئة. من منظور تاريخي، إن الادعاء بأن هذه الدول هي أكثر وحدة اليوم من أي وقت مضى ليس دقيقا كما قد يبدو. أن المجتمعات الأوروبية في القرن التاسع عشر تبدو متجانسة من وجهة نظر معاصرة، ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لهم في ذلك الحين.
لنأخذ فرنسا على سبيل المثال. في سنوات الثورة الفرنسية كان نصف عدد السكان يتحدثون الفرنسية و12% منهم فقط كانوا يتحدثونها بشكل صحيح. وكما قال المؤرخ يوجين ويبر، تطلب تحديث وتوحيد فرنسا في أعقاب الثورة عملية مؤلمة وطويلة للاستعمار الذاتي الثقافي والتعليمي والسياسي والاقتصادي.( نقصد بالاستعمار الذاتي تبني سياسات وممارسات خارجية مستوردة لتحديث المجتمع). خلق هذا الجهد الدولة الفرنسية الحديثة وولد المفاهيم الفرنسية (والأوروبية) للتفوق على الثقافات غير الأوروبية. الا انها ايضا عززت الشعور بالتباين الاجتماعي والثقافي. في خطاب له امام جمعية الطب النفسي في باريس في عام 1857، تساءل المسيحي الاشتراكي فيليب بوكيز قائلا ” كيف يمكن أن تتشكل في بلداننا اجناس وعروق بائسة تعامل بشكل وحشي وبشكل لا يمكن علاجه . إن تلك الأقوام التي تحدث عنها بوكيز ليسوا من المهاجرين القادمين من آسيا أو أفريقيا، لكنهم فلاحو الريف الفرنسي.
في العصر الفيكتوري، ساوى بعض البريطانيين الطبقة العاملة في المدن بفلاحي الأرياف. جاء في مقالة عن الطبقة العاملة القاطنة في حي بيثنال غرين في شرق لندن، على صفحات اسبوعية ساتدرداي ريفيو في العام 1864، وهي مجلة ليبرالية معروفة في ذلك الوقت، ما اعتبره البعض وصفا دقيقا لموقف الطبقة الوسطى الفيكتورية. جاء في المقالة “إن في بيثنال غرين الفقيرة أناس لا نعرفهم، وهم من سحنة غير سحنتنا ولا يربطنا بهم أي رابط.”. وهي فوارق اعتبرها البعض شبيهة بتلك الموجودة بين بين العبيد والأسياد. في الواقع، كانت الاختلافات عميقة بحيث اصبح معها الترابط او التشارك مستحيلا . واليوم تقطن الأقلية البنغالية في حي بيثنال غرين اللندني. يعتبر الكثير من البريطانيين البيض سكان تلك المنطقة فقراء بيثنال غرين الجدد الذين يختلفون عنهم تماما من الناحيتين الثقافية والعرقية. الا ان عددا قليلا فقط من يقارن الفوارق بين البريطانيين البيض وجيرانهم البنغاليين مع الفوارق الموجودة بين الاسياد والعبيد. ان الاختلافات الاجتماعية والثقافية بين رجل نبيل أو صاحب المصنع من العصر الفيكتوري، من جهة، والفلاح او العامل ، من جهة أخرى، كانت في الواقع أكبر بكثير من تلك التي بين البريطاني الابيض والأخر من الأصول البنغالية . بالرغم من تلك الفوارق فإن الشاب البنغالي الذي يعيش في بيثنال غرين ونظيره الأبيض ربما يرتديان الملابس نفسها ويستمعان الى الموسيقى نفسها ويشجعان النادي نفسه كما ان مركز التسوق والرياضة والإنترنت تربط الأثنين معا لخلق مجموعة من الخبرات والممارسات الثقافية أكثر شيوعا من مثيلاتها في الماضي.
أن حالات مماثلة من فقدان الذاكرة التاريخية تطيح بالكثير من السجل القائم حول الهجرة . يشير العديد من منتقدي التعددية الثقافية أن الهجرة إلى أوروبا اليوم هو عكس ما كانت موجودة في السابق . في كتابه تأملات في الثورة في أوروبا، يقول الصحفي كريستوفر كالدويل أنه قبل الحرب العالمية الثانية، جاء المهاجرون إلى البلدان الأوروبية من القارة ذاتها ، وبالتالي كان استيعابهم واندماجهم سهلا . يضيف كالدويل “أن استخدام كلمة هجرة لوصف حركة التنقل داخل أوروبا ليست دقيقة جدا”. ووفقا لكالدويل، كانت الهجرة قبل الحرب بين الدول الأوروبية تختلف عن الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية من خارج أوروبا لأن الهجرة من الدول المجاورة لا تثير الأسئلة المثيرة للقلق عن الهجرة ، خاصة عن الأستيعاب والاندماج والولاءات الحقيقية.
الا أن الأسئلة ذاتها استقبلت المهاجرين الأوروبيين في سنوات ما قبل الحرب. يقول ماكس سيلفرمان إن الاعتقاد بان فرنسا استوعبت المهاجرين الأوربيين بسهولة قبل الحرب العالمية الثانية ليس صحيحا. والشيء نفسه ينطبق على بريطانيا . في عام 1903، أعرب الشهود أمام اللجنة الملكية للهجرة عن قلقهم من أن المهاجرين الجدد الى بريطانيا سيفضلون العيش وفقا لتقاليدهم وأعرافهم وعاداتهم.” وكانت هناك أيضا مخاوف، كما عبر عنها الصحفي جي سيلفر من أن “منتجات أوروبا الغثة والمريضة ستعتاش على الخزين البريطاني ” قانون الهجرة الأول في البلاد، قانون الأجانب عام 1905، صمم أساسا كما قال رئيس الوزراء يومها آرثر بلفور للحفاظ على الهوية البريطانية . نعتقد أن بعض الساسة اليوم يتحدثون باللهجة ذاتها عندما يتناولون الهجرة والمهاجرين.
هل أن أوروبا المعاصرة هي أكثر تعددية مما كانت عليه في القرن التاسع عشر؟ أنه سؤال مثير للجدل، لكن الأوروبيين يعتقدون أن أوربا اليوم أكثر تنوعا وتعددية ، وهذا يعود في جانب منه الى تغير في فهم الناس للفوارق الاجتماعية. قبل مئة وخمسين سنة كانت الطبقة إطارا أكثر أهمية لفهم التفاعلات الاجتماعية. وكان الكثيرون ينظرون الى الفوارق العرقية ليس على أساس اللون وانما الطبقة أو المكانة الاجتماعية. لكن أهمية الطبقة في أوروبا تضاءلت على مدى العقود القليلة الماضية، سواء باعتبارها فئة سياسية أوعلامة على الهوية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، أصبحت الثقافة وسيلة رئيسية يفهم من خلالها الناس الفوارق الاجتماعية. يعكس هذا التحول تغيرات أوسع نطاقا. انحسرت الانقسامات الأيديولوجية التي ميزت السياسة في القرنين الماضيين، وأصبحت الفوارق القديمة بين اليسار واليمين أقل معنى. وبينما فقدت الطبقة العاملة قوتها الاقتصادية والسياسية، تراجع تأثير المنظمات العمالية والأيديولوجيات الجمعية. وتوسع السوق، في الوقت نفسه، ليغطي كل زاوية من زوايا الحياة الاجتماعية. وتراجع دور المؤسسات التي كانت المبادرة في لم الشمل من نقابات وكنيسة وغيرها.
ونتيجة لذلك، بدأ الأوروبيون ينظرون الى أنفسهم والى انتماءاتهم الاجتماعية بطريقة مختلفة. بدأوا وعلى نحو متزايد، بتعريف التضامن الاجتماعي اعتمادا على العرق والثقافة والمعتقد لا على الناحية السياسية. وبدأوا ايضا بالأهتمام بالمجموعة التي ينتمون اليها أكثر من اهتمامهم بمجتمعهم ككل. هذان الأمران مرتبطان بشكل وثيق خاصة أن أي معنى للهوية الاجتماعية يجب أن ياخذهما بنظر الأعتبار. ولكن مع تقلص الطيف الأيديولوجي وتآكل آليات التغيير، تقدمت الهوية على الأيديولوجية. هذه الخلفية هي التي حددت الطريقة التي ينظر بها الأوروبيون الى التعددية أو عدمها في بلدانهم وردود أفعالهم منها.
///أوروبا الغربية والتعددية الثقافية: نموذجا بريطانيا والمانيا
إن اعتبار المجتمعات الأوروبية المعاصرة متنوعة للغاية أمر معيب بالتعددية الثقافية بشكل واضح. كيف تستطيع التعددية الثقافية إدارة هذا التنوع المفترض؟ على مدى العقود الثلاثة الماضية، تبنت العديد من الدول الأوروبية سياسات متعددة الثقافات، لكنها فعلت بطرق مختلفة. وبمقارنة مثالين ، بريطانيا والمانيا ، وفهم قواسمهما المشتركة سنعرف الكثير عن التعددية الثقافية.
أحد المعتقدات الأكثر انتشارا في السياسة الأوروبية هو أن الحكومات اعتمدت سياسات متعددة الثقافات لأن الأقليات أرادت تأكيد فوارقها عن الآخرين. وعلى الرغم من أن الأسئلة حول الاندماج الثقافي شغلت النخب السياسية، الا أنها لم تشغل المهاجرين أنفسهم الا قبل وقت قريب . عندما وصلت أعداد كبيرة من المهاجرين من منطقة البحر الكاريبي، والهند، وباكستان الى بريطانيا في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي للتعويض عن النقص في اليد العاملة، خشى مسؤولون بريطانيون أن ذلك قد يقوض شعور البلاد بهويتها. كما حذر تقرير حكومي في عام 1953، “ان وجود اقليات ملونة كبيرة في المجتمع سيضعف مفهوم انجلترا أو بريطانيا الذي يعرفه الانجليز او البريطانيين حيثما عاشوا في أنحاء الكومنولث “.
جلب المهاجرون معهم التقاليد والأعراف من أوطانهم، وكانوا في كثير من الأحيان فخورين بها جدا، الا أنهم نادرا ما انشغلوا بمسالة الحفاظ على الاختلافات الثقافية، كما أنها لم ينظروا الى الثقافة من زاوية سياسية . ما كان يشغلهم ليس رغبتهم في ان يعاملوا بشكل مختلف ولكن حقيقة أنهم عوملوا بشكل مختلف . شكلت العنصرية وعدم المساواة، وليس الدين والعرق، جل مخاوفهم . في العقود التالية، عمل جيل جديد من النشطاء السود والآسيويين، الذين شكلوا جماعات مثل حركة الشباب الآسيوية ، على الدفاع عن تلك المظالم، وتنظيم الإضرابات والاحتجاجات ضد التمييز في مكان العمل وضد الترحيل، ووحشية الشرطة. وصلت تلك الاحتجاجات إلى ذروتها في سلسلة من أعمال الشغب التي مزقت العديد من المدن البريطانية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات .
عند هذه النقطة، اعترفت السلطات البريطانية أنه ما لم تعط الأقليات حصة سياسية في النظام، سيستمر التوتر في تهديد الاستقرار في المدن. في هذا السياق ظهرت سياسات التعددية الثقافية . اتبعت الدولة، على المستويين الوطني والمحلي، استراتيجية جديدة لادخال الأقليات السود والآسيوية في العملية السياسية من خلال تعيين منظمات محددة أو قادة أقليات لتمثيل مصالحهم. أعادت الأستراتيجية تعريف مفاهيم العنصرية والمساواة. أصبحت العنصرية تعني ليس مجرد الحرمان من حقوق متساوية ولكن أيضا الحرمان من الحق في أن تكون مختلفا. و لم تعد المساواة تنطوي على امتلاك الحقوق التي تتجاوز العنصر أو العرق أو الثقافة او المعتقد أنما أصبحت تعني حقوقا تختلف بسبب اختلاف تلك الأمور.
لننظر الى قضية برمنجهام، ثاني أكبر المدن البريطانية من حيث عدد السكان. في عام 1985، اجتاحت منطقة هاندزورث في المدينة أعمال شغب اندلعت بسبب استياء من الفقر والبطالة، ومضايقات الشرطة. توفي شخصان وأصيب العشرات في أعمال العنف. في أعقاب الاضطرابات، حاول مجلس المدينة إشراك الأقليات من خلال إنشاء تسع مجموعات للدفاع عن مصالح اعضائها امام سلطات المدينة. وضعت هذه اللجان احتياجات الأقليات وكيفية صرف الموارد وحددت مستحقيها وكذلك حددت كيفية تقسيم السلطات السياسية. لقد أصبحت تلك المجموعات الأصوات البديلة لما يمكن تسميته بالأقطاعيات العرقية.
كان مجلس المدينة يأمل في اشراك الأقليات في العملية الديمقراطية، الا أن المجموعات ناضلت من أجل تحديد ولاءاتها الفردية والجماعية . بعضها، مثل الحركة الشعبية الكاريبية الأفريقية ومثلت مجموعة عرقية، في حين أن آخرين، مثل مجلس كنائس السود مثلت مجموعة دينية. وواكب التنوع بين الجماعات تنوعا داخلها . الا ان خطة مجلس المدينة لم تلتفت الى ذلك التفاوت او الاختلاف ووضعت كل فرد من افراد الاقليات ضمن مجموعة محددة ،وحددت احتياجات المجاميع ، واشعلت روح المنافسة بين تلك المجاميع على موارد المدينة. وكل من يجد نفسه خارج هذه المجموعات يستبعد بشكل عملي من عملية التعددية الثقافية . قالت جوي وارمنغتون مديرة ما كان يعرف بشراكة عمل بيرمنغهام للأعراق ، وهي منظمة خيرية تعمل من اجل القضاء على التمييز، متحدثة عن سياسات مجلس مدينة بيرمنغهام في عام 2005، أنها “تميل إلى التأكيد على العرق كمفتاح لاستحقاق . أصبح من المقبول كممارسة جيدة تخصيص الموارد على أسس عرقية أو على اساس المعتقد. و بدلا من التفكير في تلبية احتياجات الناس أو توزيع الموارد بصورة عادلة، تنشغل المنظمات للتفكير في كيفية توزيع الأثنيات العرقية. “وكانت العواقب كارثية. في أكتوبر 2005، اندلعت أعمال عنف في منطقة لوزيلز المجاورة لهاندزورث . في عام 1985، تظاهر الأسيويون والسود والبيض ضد الفقر والبطالة، ومضايقات الشرطة. في عام 2005، اندلعت اعمال عنف بين السود والآسيويين أستمرت لمدة يومين والسبب اشاعة تقول أن مجموعة من الرجال الآسيويين اغتصبوا فتاة جامايكية.
لماذا اقتتلت مجموعتان تظاهرتا جنبا إلى جنب في عام 1985 في عام 2005؟ الجواب يكمن إلى حد كبير في سياسة التعددية الثقافية التي طبقها مجلس مدينة برمنجهام. أشارت احدى الدراسات الى أن سياسات مجلس مدينة برمنغهام خلقت منافسة قوية بين المجموعات في سباقها للحصول على الموارد ، بدلا من إعطاء الأولوية للاحتياجات والعمل الجماعي ، وبدأت المجموعات في الدفاع عن مصالحها الخاصة “.
أن سياسات المجلس، بعبارة أخرى، أدت الى تقوقع الناس داخل هوياتهم وجعلتهم يخافون ويكرهون المجاميع الأخرى لأنها تنافسهم على السلطة والنفوذ. واصبحت هوية الفرد علامته المميزة له عن الاخرين فالعربي في بيرمنجهام يختلف عن الايرلندي وعن البنجالي وعن أولئك الذين ينحدرون من منطقة البحر الكاريبي. وكانت النتيجة ظهور ما اسماه الاقتصادي أمارتيا سين بالتعددية الثقافية الأحادية الجمعية، وهي سياسة تدعي ان المجتمع يتكون من ثقافات مستقلة وموحدة تدور حول بعضها البعض. وكانت النتيجة في برمنجهام المزيد من الانقسامات التي ادت الى انلاع المواجهات بين السود والاسيويين.
كان الطريق إلى التعددية الثقافية في ألمانيا مختلفة عن طريقها في بريطانيا، على الرغم من أن نقطة البداية هي نفسها. واجهت ألمانيا مثل العديد من البلدان في أوروبا الغربية نقصا هائلا اليد العاملة في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وجرى نشاط محموم لجلب العمال الأجانب. خلافا لما حدث في بريطانيا، فإن عمال المانيا جاؤا من من بلدان البحر الأبيض المتوسط: أولا من اليونان، وإيطاليا، وإسبانيا، ومن ثم من تركيا. جاء هؤلاء ليس كمهاجرين، لكن عمال ضيوف سيعودون يومل الى بلدانهم الأصلية بعد أنتفاء الحاجة اليهم في المانيا.
مع مرور الوقت، أصبح وجود هؤلاء العمال الضيوف، وغالبيتهم من الاتراك مستمرا، ربما لسببين أولا لأن المانيا ما زالت بحاجة لهم وثانيا لأن المهاجرين، ، خاصة الجيل الثاني، اعتبروا المانيا وطنهم. الا ان الدولة الألمانية استمرت في معاملة المهاجرين كغرباء ولم تمنحهم المواطنة.كانت الجنسية الألمانية لا تمنح الا من كان أحد والديه المانيا، وهذا يعني أن الجيل الثاني من المهاجرين لم يستطع الحصول على الجنسية الألمانية. في عام 1999، قدم قانون الجنسية الجديد بعض التسهيلات للمهاجرين من اجل الحصول على الجنسية، الا ان أغلبية مازالوا لم يحصلوا على الجنسية الألمانية، التي حصل عليها 800.000 فقط من مجموع 3.000.000 تركي في المانيا.
بدلا من الترحيب بالمهاجرين تعامل الساسة الالمان مع ما يسمى ” مشكلة تركية” من خلال سياسة التعددية الثقافية. شجعت الحكومة في بداية الثمانينيات المهاجرين الأتراك على الحفاظ على ثقافتهم ولغتهم واسلوب حياتهم . لم تكن تلك السياسة تقوم على احترام التنوع بقدر ما هو وسيلة مريحة لتجنب مسألة خلق ثقافة مشتركة .كانت نتيجته الرئيسية ظهور أقليات موازية.
وكان أغلبية الجيل الأول من المهاجرين علمانيين، ولم يكن المتدينون منهم متشددين في المعتقد أو الممارسة. اليوم، ما يقرب من ثلث الأتراك البالغين في ألمانيا يذهبون الى المساجد، وهو معدل أعلى بالمقارنة مع الجاليات التركية الموجودة في دول أوروبا الغربية، وحتى بالمقارنة مع الدولة الأم نفسها. وبالمثل، فإن أغلبية نساء الجيل الأول من التركيات لم يكن يرتدين الحجاب. الا ان عددا كبيرا من نسوة الجيل الثاني يرتدين الحجاب، وحتى النقاب. ومع غياب الحافز فأن عدد كبير من أبناء الجالية التركية، يعتبر تعلم الألمانية غير مجد.
شجعت سياسة التعددية الثقافية في المانيا الجالية التركية على عدم الأندماج بالمجتمع الألماني، وفي الوقت نفسه زادت العداء ضد الثقافة التركية. وبلغ الأمر حدود تعريف ” الألماني” على ، من ضمن أمور أخرى، بأنه الشخص الذي يعارض بشدة قيم ومعتقدات المهاجرين. أظهر أستطلاع مؤسسة أيفوب الفرنسية في 2011 ان 40 في المئة من الالمان اعتبروا وجود الأقليات الإسلامية “تهديدا” لهويتهم الوطنية. وأشار استطلاع آخر، أجرته جامعة بيليفيلد في ألمانيا في عام 2005، أن ثلاثة من أصل أربعة الألمان يعتقدون أن الثقافة الإسلامية لا تنسجم مع العالم الغربي. كما أن الجماعات المعادية للمسلمين، مثل الأوروبيين الوطنيين ضد أسلمة الغرب آخذة في الارتفاع، وكانت الاحتجاجات المناهضة للهجرة التي اجتاحت المدن الألمانية في يناير الماضي هي من اكبر الاحتجاجات التي حدثت في السنوات الأخيرة. وقد اتخذ العديد من السياسيين الألمان، بما في ذلك ميركل، موقفا قويا ضد الحركة المعادية للمسلمين. ولكن “الفاس قد وقع في الرأس “.
لقد فشلت الحكومات البريطانية والألمانية في فهم تعقيد مفهوم الهوية وصعوبة تحديده .إن الهويات الشخصية لا تنشأ عن علاقات شخصية فقط ، لكنها تنشأ من العلاقات الاجتماعية التي تتغير باستمرار. خذ الهوية الإسلامية على سبيل المثال. اليوم هناك الكثير من الحديث في البلدان الأوروبية عن الجالية الاسلامية، واحتياجات وتطلعات تلك الجالية. لكن هذا المفهوم هو جديد تماما. حتى أواخر الثمانينيات كان عدد قليل من المهاجرين المسلمين إلى أوروبا يعتبرون أنفسهم جالية اسلامية ، ولم يكن السبب لأن عددهم قليل ، حيث أن الجاليات الأسيوية ومن شمال أفريقيا والتركية كانت موجودة قبل الثمانينيات في فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا .
كان الجيل الأول من مهاجري شمال أفريقيا إلى فرنسا علمانيين بشكل كبير، كما كان الحال مع الجيل الأول من المهاجرين الأتراك إلى ألمانيا. الا ان الموجة الأولى من مهاجري جنوب آسيا الى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية كانوا أكثر تدينا. الا انهم لم يعتبروا انفسهم مسلمين انما بنجابيين وبنجاليين وغيرهم. ومع ذلك لم يكونوا متشددين، وكثير منهم كانوا يؤمون المساجد في المناسبات فقط ونساؤهم لا ترتدي الحجاب. كما ان كثيرا منهم اعتبر الدين مجالا لتحديد العلاقة مع الخالق لا مع البشر. كان مهاجرو الجيل الثاني من البريطانيين من ذوي الخلفيات الإسلامية أقل اهتماما بتحديد هويتهم على أساس خلفيتهم الدينية. والشيء نفسه حدث مع الهندوس والسيخ. كانت منظمات الأقليات علمانية بالغالب وذات أهداف سياسية في حين كان حضور المنظمات الدينية ضعيفا. في بريطانيا ، على سبيل المثال، كان هناك حركات الشباب الآسيوية ، التي حاربت العنصرية، وجمعية العمال الهنود والتي ركزت على حقوق العمال.
في أواخر الثمانينيات أصبحت الفوارق الثقافية مهمة . لقد تبين أن الجيل الذي كان أكثر تماسكا و(غربية) من الجيل الأول كان أكثر اصرارا على تميزه وهويته. أن أسباب هذا التحول معقدة وتعود في جانب منها الى شبكة معقدة من التغييرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكبيرة على مدى نصف القرن الماضي، مثل انهيار اليسار وصعود سياسات الهوية. وفي الجانب الأخر تعود الى التطورات الدولية، مثل الثورة الإيرانية عام 1979، وحرب البوسنة في أوائل التسعينيات ، وكلاهما لعبا دورا هاما في تعزيز الشعور بالهوية الإسلامية في أوروبا. وهي أيضا ترتبط بسياسات التعددية الثقافية في أوروبا.
أن هويات المجاميع هي هويات مصطنعة لأنها تنشأ من التفاعل الاجتماعي. ومع حصول الفئات الثقافية على التفويض الرسمي فان بعض منها بدأ يميل الى الثبات. في توجيه الموارد المالية والسلطة السياسية من خلال المنظمات العرقية، منحت الحكومات شكلا من أشكال الأصالة لبعض الهويات العرقية وحرمت الآخرين.
تسعى سياسات التعددية الثقافية الى بناء جسر بين الدولة والاقليات من خلال الطلب من بعض المنظمات المجتمعية أو قادتها بالعمل كوسطاء. بدلا من اعتبار الأقليات مواطنين يميل السياسيون الى الأعتقاد أن ولاء تلك الأقليات الحقيقي الى معتقدها الديني او الى طائفتها .بهذا حولت الحكومات مسؤولياتها السياسية الى قادة الأقليات. الا أن هؤلاء القادة نادرا ما يمثلون أقلياتهم. وليس من الغريب القول أنه لا توجد مجموعة أو عدد من القادة يمكنهم أن يمثلوا مجتمعا ابيض واحدا فبعض البيض محافظون وبعضهم ليبراليون وآخرون فاشيون جدد وبعضهم شيوعيون . وبعضهم لا يربط مصلحته بلون البشرة .فالأبيض المسيحي قد يكون لديه الكثير من القواسم المشتركة مع المسيحي الاسود بالمقارنة مع العلمانيين البيض ويكمن قول الشيء نفسه مع الأشتراكي الأبيض والبنغالي الأشتراكي بالمقارنة مع الأبيض المحافظ . وهنا يكمن الخلل الأساسي في التعددية الثقافية.
///سياسة الاندماج الاجتماعي في فرنسا:
تعتبر سياسة الاستيعاب او الاندماج الفرنسية نقيضا للتعددية الثقافية، التي رفضها الساسة الفرنسيون. وخلافا لبقية الدول الأوروبية يصر اولئك الساسة على أن فرنسا تعامل الجميع كمواطنين وليسوا افرادا في مجاميع عرقية أو إثنية أو ثقافية معينة. الا ان الواقع يشير الى أن فرنسا مقسمة اجتماعيا كما هي ألمانيا أو بريطانيا وبالطريقة ذاتها . في يناير الماضي أثيرت العديد من الأسئلة المتعلقة بالسياسة الاجتماعية الفرنسية والتقسيمات الاجتماعية للبلاد ، عندما قتل مسلحون اسلاميون 12 شخصا في مكاتب المجلة الساخرة شارلي ابدو وأربعة من اليهود في سوبر ماركت. حمل الساسة الفرنسيون التعددية الثقافية دائما المسئولية في دعم المتطرفين في بريطانيا .. وعليهم الأن تقديم الاجابة لما حدث في فرنسا البلد الذي يؤمن باستيعاب الأجانب.
يقال أن هناك نحو خمسة ملايين مسلم في فرنسا، ويمثلون أكبر جالية مسلمة في أوروبا الغربية. في الواقع، أن الفرنسيين الذين ينحدرون من أصول شمال أفريقية لا يمكن الحديث عنهم كمجموعة واحدة لأنهم كانوا دوما علمانيين ، وأحيانا اتخذوا مواقف غير دينية. جاء في تقرير لمركز بيو للأبحاث عام 2006 أن 42 في المئة من المسلمين في فرنسا عرفوا أنفسهم بأنهم مواطنون فرنسيون أولا ، الرقم أعلى مما هو في ألمانيا، وإسبانيا، وبريطانيا . الا أن السنوات الأخيرة أظهرت زيادة اعداد المهتمين بالإسلام. ومع ذلك ووفقا لدراسة أجرتها مؤسسة أيفوب عام 2011 فإن 40 في المئة فقط يعتبرون أنفسهم مسلمين ملتزمين، و 25 في المئة منهم يؤدون صلاة الجمعة.
علاوة على ذلك فإن الفرنسيين من أصول شمال أفريقية كثيرا ما يوصفون على أنهم مهاجرون . في الواقع، فإن اغلبية هؤلاء هم الجيل الثاني من المواطنين الفرنسيين، ولدوا في فرنسا مثل بقية الفرنسيين ومثل جميع مناصري الجبهة الوطنية. ان إطلاق صفتي “مسلم” و”مهاجر” على مواطنين فرنسيين من أصول شمال أفريقية ليس بمحض الصدفة ،انما هو جزء من عملية تقوم بها الدولة لعزل هؤلاء عن المجتمع الفرنسي.
كما هو الحال في بريطانيا، فان الجيل الاول من المهاجرين الذين حطوا الرحال في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية واجهوا عنصرية كبيرة، الا ان الجيل الثاني لم يكن مستعدا لقبول التمييز الاجتماعي، والبطالة، ووحشية الشرطة. نظموا من خلال منظمات معظمها علماني تظاهرات تميزت احيانا بالعنف . إن أعمال الشغب التي اجتاحت المدن الفرنسية في خريف عام 2005 كشفت العديد من عورات المجتمع الفرنسي ، مثلما حدث في المدن البريطانية قبل عقدين من الزمن.
اتخذت السلطات الفرنسية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات موقفا لينا نسبيا من التعددية الثقافية، موقفا متسامحا مع الاختلافات الثقافية والدينية في وقت تحدث عدد قليل من أفراد تلك الأقليات عن هوياتهم بلغة ثقافية أو دينية ، يومها طرح الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران شعاره الشهير (الحق في الاختلاف). وعندما تكشفت التوترات داخل أقليات شمال أفريقيا ومع ظهور الجبهة الوطنية كقوة سياسية، تخلت باريس عن ذلك النهج واصبحت اكثر تشددا . وجاءت الأضطرابات في عام 2005، والسخط الذي رافقها ليكثر الحديث عن التهديد المتنامي للإسلام في فرنسا. من حيث المبدأ، رفضت السلطات الفرنسية النهج البريطاني للتعددية الثقافية . الا أنها عاملت من الناحية العملية مهاجري شمال أفريقيا وذريتهم بطريقة “التعددية الثقافية ” ، جميعهم ينتمون الى الجالية المسلمة. عكست المخاوف من الإسلام قلقا أكبر حول أزمة القيم والهوية التي تعصف الآن فرنسا.
طبقا لاستطلاع الرأي الذي أجرته في العام 2013 مجموعة ايبسوس البحثية الفرنسية ومركز البحوث السياسية التابع لمعهد الدراسات السياسية في باريس فأن 50 في المئة من السكان الفرنسيين يعتقدون أن التراجع الاقتصادي والثقافي لبلادهم كان “لا مفر منه”. في حين أن 30 في المئة منهم اعتقدوا أن الديمقراطية في فرنسا ما زالت بخير وقال 62 في المئة ان اغلبية السياسييين فاسدون . وقدم التقرير وصفا لفرنسا مقسمة لا تثق بساستها و أضاف التقرير أن الخوف يسيطر على المجتمع الفرنسي .
في بريطانيا كانت سياسات التعددية الثقافية اعترافا بمحتمع مجزأ وفي الوقت نفسه كان المجتمع هو مصدر لتلك التعددية الثقافية. وقد أدت سياسات الأستيعاب في فرنسا الى النتيجة ذاتها. حاول السياسيون وهم يواجهون جمهورا لا يثق بهم التأكيد على الهوية الفرنسية المشتركة. ولكنهم و بسبب عدم قدرتهم على تحديد الافكار والقيم التي تميز البلاد، زرعوا العداء لرموز الغرباء ، مثلا حظر البرقع في عام 2010.
بدلا من اعتبار مهاجري شمال أفريقيا مواطنين كاملين، تجاهلت السياسة الفرنسية العنصرية والتمييز التين يعانوا منهما . يعتقد الكثير في فرنسا أن مواطنيها من ذوي الأصول الشمال أفريقية ليسوا فرنسيين أنما عرب أو مسلمين . ولكن الجيل الثاني من مهاجري شمال أفريقيا هم أكثر بعدا من ثقافات وأعراف آباءهم وكذلك عن المجتمع الفرنسي . وهذا الجيل لم يتيه بين ثقافتين كما حاول البعض ان يقول عنهم ذلك أنما هم جيل بلا ثقافة . ونتيجة لذلك، تحول بعضهم صوب الأسلاموية وبعض منهم تبنى الفكر العنيف.
في الوقت نفسه، زادت سياسات الاستيعاب الفرنسية إلى تفاقم الشعور بالتهميش الذي تشعر الطبقة العاملة التقليدية. صاغ كريستوف جويليي عبارة “فرنسا الهامشية” لوصف هؤلاء الناس الذين تعرضوا للأقصاء بسبب تراجع النشاط الصناعي و تحديث المناطق الحضرية والذين يعيشون بعيدا عن المراكز الاقتصادية ومراكز صنع القرار، في حالة من الغربة الاجتماعية وينتابهم الشعور بأنهم مستبعدون. لقد برزت فرنسا الهامشية بشكل رئيسي نتيجة للتطورات الاقتصادية والسياسية. ولكن على غرار الكثير من الجاليات ذات الأصول الشمال أفريقية في فرنسا، فإن فرنسا المهمشة نظرت الى تهميشها عبر عدسة ثقافية وعرقية .وفقا لأستطلاع معهد ايبسوس عام 2013، يعتقد سبعة من أصل عشرة أشخاص أن هناك “الكثير من الأجانب في فرنسا”، واعتبر 74 في المئة من المستطلعين الأسلام غير متوافق مع المجتمع الفرنسي. أن اعتبار الإسلام تهديدا للقيم الفرنسية أدى الى تعزيز الدور السياسي للثقافة و الى تعزيز روح الأستياء الشعبي من السياسة السائدة.
///مستقبل التعددية الثقافية في أوروبا الغربية:
في الماضي، كان السخط داخل اوساط مهاجري شمال أفريقيا أو الطبقة العاملة البيضاء، كثيرا ما يتحول الى عمل سياسي مباشر، أما اليوم، فإن الفريقين يعبران عن ذلك السخط من خلال سياسات الهوية. أن الشعوبية العنصرية والإسلاموية الراديكالية، كل على طريقته، هي اشكال متشابهة من التهميش الأجتماعي في عصر سياسات الهوية. أن التعددية الثقافية والاستيعاب هي استجابات سياسة مختلفة لنفس المشكلة، الا وهي انقسام المجتمع. الا ان كلا من التعددية الثقافية والاستيعاب أو الأندماج جعلا من الأمور اسوء من ذي قبل . لقد حان الوقت لتجاوز المناقشة العقيمة بين النهجين. وهذا يتطلب تميز ثلاثة أمور. أولا، ينبغي على أوروبا أن تفصل التنوع باعتباره تجربة معاشة عن التعددية الثقافية بوصفها عملية سياسية. يجب الترحيب بتجربة العيش في مجتمع متنوع بسبب كثرة المهاجرين. يجب وقف محاولات إضفاء الطابع المؤسسي على هذا التنوع من خلال الأختلاف الثقافي .ثانيا، ينبغي على أوروبا أن تميز بين عمى الألوان العنصري وبين العمي العنصري. أن أصحاب سياسة الأستيعاب عازمون على اعتبار الجميع مواطنون بدلا من النظر لهم وكانهم حملة لواء و تاريخ ثقافة مختلفة وهو شيء مهم. ولكن هذا لا يعني أن الدولة يجب أن تتجاهل التمييز ضد مجموعات معينة. المواطنة ليس له معنى إذا تم التعامل مع فئات مختلفة من المواطنين بشكل مختلف، سواء بسبب سياسات التعددية الثقافية أو بسبب العنصرية.
وأخيرا، ينبغي على أوروبا أن تفرق بين الشعوب والقيم. ويجادل أنصار التعددية الثقافية أن التنوع المجتمعي يضعف إمكانية أيجاد القيم المشتركة. وبالمثل، فأن دعاة الاستيعاب او التعايش يقولون أن هذه القيم ممكنة فقط في مجتمع متجانس عرقيا وثقافيا. يرى الفريقان أن الأقليات مجتمعات متجانسة، ترتبط بمجموعة معينة من السمات الثقافية والأديان والمعتقدات، والقيم،و ليست أجزاء من ديمقراطية حديثة.
يجب أن لا يكون الجدل الحقيقي بين التعددية الثقافية والاستيعاب وانما بين شكلين من الاول وشكلين من الثاني . من شأن السياسة المثلى ان تزاوج بين احتضان التعددية الثقافية للتنوع الفعلي، بدلا من ميلها إلى إضفاء الطابع المؤسسي على الاختلافات، وان تزاوج بين عزم الاستيعابية في النظر بقدم المساواة الى جميع المواطنين ، بدلا من ميلها الى بناء الهوية الوطنية من خلال اعتبار بعض الجماعات غريبة على الامة . في الممارسة العملية، فعلت الدول الأوروبية العكس. فقد طبقت سياسات التعددية الثقافية التي وضعت الجاليات في صناديق ضيقة او انها طبقت سياسات الاستيعاب التي ابعدت الجاليات عن المجتمع.
وحتى تمضي اوروبا قدما، يتعين عليها اعادة البحث عن قيم عالمية، وهو أمر تخلى عنه ليبراليو القارة. بعض اليساريين جمعوا النسبوية الثقافي والتعددية الثقافية، بحجة أن فكرة القيم العالمية هي في جانب منها عنصرية . من جهة أخرى، هناك دعاة الأستيعابية الفرنسية ، مثل الفيلسوف برنار هنري ليفي، الذين يصرون على التمسك بالقيم التقليدية للتنوير ولكنهم يفعلون ذلك بطريقة القبلي الذي يفترض صراع الحضارات.علاوة على وجود الأفتراض عبر أوربا بأن الهجرة والاندماج يجب أن تدار من خلال سياسات ومؤسسات الدولة. الا أن التكامل الحقيقي، سواء للمهاجرين أو لجماعات السكان الأصليين، نادرا ما يحدث من اجراءات الدولة و انما في المقام الاول من قبل المجتمع المدني، من خلال العلاقات الفردية التي تربط الناس بعضهم بالبعض الاخر ، ومن خلال المنظمات التي ينشاها الافراد لتنمية المصالح السياسية والاجتماعية المشتركة. أن تآكل هذه العلاقات والمؤسسات أصبحت مشكلة التي تربط فشل سياسة الاستيعاب بسياسة التعددية الثقافية وهذا يفسر لماذا أصبح التهميش الاجتماعي صفة لجاليات المهاجرين والمجتمع ككل .من اجل إصلاح الأضرار التي سببها التهميش ومن أجل إحياء الكونية التقدمية على اوروبا تجديد مجتمعاتها المدنية لا تغير سياساتها الحكومية الرسمية.

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي

إلى الأعلى