الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / يوم الأرض ورفض ضياع الوطن الوجود والهوية

يوم الأرض ورفض ضياع الوطن الوجود والهوية

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

قبل أيام أحيا الفلسطينيون داخلًا وشتاتًا، ووحدهم، يوم الأرض العربية الفلسطينية. والأرض، تعني للمحتفين بيومها الوطن ووجوب تحريره والعودة إليه. والوطن، يعني لسوادهم كل فلسطينهم التاريخية والجغرافية، وإضافة الهوية إليهما، أو بكل ببساطة هو ما تلخصه مقولتهم الخالدة “من نهرها إلى بحرها”. والعودة لا تستقيم إلا إذا كانت لكامل قراهم التي مسحها الغزاة الصهاينة من على وجه الأرض، أو التي ما زالت إطلالًا، وكل مدنهم التي استوطنها المستعمرون وغيَّروا أو حرَّفوا أسماءها أو أبقوها كما كانت. بمعنى تتساوى عند المحتفين بيوم أرضهم شجرة زيتون في الجليل بشجرة جميز على شاطئ عسقلان أو شجيرة سدر في قلب النقب، وهاته وتلك بمأذنة مسجد الجزار في عكا.
هذا الكلام البدهي، ومن أسف، بات في مثل هذا الراهن العربي المخجل، والفلسطيني المخزي، والعالمي المشين، يبدو وكأنما هو طوباوي، لكنما هو كان وسوف يظل لحمة وسداة الحقيقة الفلسطينية الخالدة، والتي لن تطفئ جذوتها الأبدية متكاثر الأفواه المعوجة لناعقي مراحل الانحدار وحقب العار التي أُكرهت على المرور بها أمة مقهورة طال تغييبها ولن تطول غيبوبتها. إنه ليس إلا المعادل لعميق الوجع الفلسطيني المبتكر لاسطورية العناد النضالي الفلسطيني المعمَّد بالتضحيات المافوق بشرية والمادام هناك فلسطيني واحد على وجه هذه البسيطة. وإذ هو كذلك، فإن أول ما يعنيه إحياء يوم الأرض هو رفض العرب الفلسطينيين، داخلًا وشتاتًا، التسليم بضياع الأرض الوطن والوطن الوجود والهوية، وبالتالي رفض الوجود الاستعماري الصهيوني الغازي الغاصب لفلسطين من نهرها إلى بحرها جملةً وتفصيلًا، بمعنى رفض كافة تجليات النكبة الفلسطينية المستمرة التي تعيشها فلسطين الوطن والإنسان، بل وكل الأمة، منذ 66 عامًا. والرفض لا من ترجمة حقيقية له إلا المقاومة، وهذا يعني بدوره رفضًا للراهن العربي المخجل والفلسطيني المخزي، وهذان تجسدا مؤخرًا أيما تجسيد في سلطة “أوسلوستان” وجامعة الأنظمة العربية، التي تصادف مع الاحتفاء بيوم الأرض العربية المغتصبة احتفالها بمرور سبعين عامًا أعجف على تأسيسها، وانعقاد الدورة العادية الـ26 لقمتها الأخيرة في شرم الشيخ، أو المدينة التي لسوء طالعها من بين كل المدن العربية أن مؤتمراتها كافةً لم تقترن يومًا بخير بالنسبة للقضية الفلسطينية.
بالنسبة لسلطة “أوسلوستان” فقد تصادف مرور ذكرى يوم الأرض هذه المرة مع بدء تنفيذ قبول عضوية فلسطين في محكمة الجنايات الدولية، وهاتان المناسبتان، مع تسريب صهيوني، لم يأتِ بمحض الصدفة ولم يجرؤ أوسلوي بعد على نفيه، يكشف عن “تفاهم هادئ” بينها ومحتليها يقضي بمقايضة الإفراج عن أموال ضرائبها المجمَّدة مقابل تجميدها اللجوء لهذه المحكمة، وطبعًا مع مواصلة تنسيقها الأمني المصون والمفروغ منه في خدمة أمن الاحتلال. أما ثالثة أثافيها التي لاقت بها مثل هذه المناسبة الوطنية، فكانت دعوة مستشار رئيسها وقاضي قضاتها الحالي ووزير أوقافها وشؤونها الدينية السابق، محمود الهبَّاش، المباشرة، بعد أن كان رئيس السلطة قد دعا مواربةً في خطابه في القمة لإنهاء ما يعرف بـ”الانقسام” جوًّا، بمعنى إعادة غزة المقاومة رغم أنفها إلى “شرعية” بيت الطاعة الأوسلوية، ليشملها التنسيق الأمني مع سائر بركاته التي تنعم بها الضفة!
أما في قمة جامعة أنظمة السبعين حولًا أجدب، الجاثمة على صدر أمة مغيَّبة ولن تطول غيبوبتها، وعلى مرمى حجر من غزة المحاصرة عربيًّا وصهيونيًّا، أو كما يقول بدو سيناء على مبعد “مقرط العصا”، غابت فلسطين مع غزتها تمامًا، اللهم إلا من معهود عبارات التأكيد على ما كان يتكرر تأكيده على مدار ما سبق من قمم ولم ينفَّذ… في راهن الأمة الحالك اختلط الحابل بالنابل، غامت المصطلحات وتشوهت المفاهيم وانقلبت المعايير، فالعدو لم يعد عدوًّا، بل ويكاد في ظل البحث عن بديل له أن يصبح حليفًا، وفي ظل قرع طبول المذهبية تتم محاولة استبداله بآخر لعل من المفترض، بل والطبيعي، وحتى أبسط ما تقتضيه مصلحةً الطرفين، ناهيك عن التاريخ والجغرافيا والمشترك الحضاري والثقافي، إنه الظهير والنصير لا العدو لأمتنا. وإذ اختلط ما اختلط، ها هم بعد طول تجاهل لميثاق الدفاع العربي المشترك، وبعد طول لترجمة مقولة التضامن والعمل العربي المشترك إلى فرقةً وشرذمةً وخنوعًا، يتحدثون عن قوة عربية مشتركة لن تكون مهمتها وفق ما يقتضيه واقع الحال سوى الدفاع عن الأنظمة لا مجابهة أعداء شعوبها… هالني سماعي لأحد “المحللين الاستراتيجيين” المتحمسين للمقتلة العربية، وهم الكثر في هذه الأيام في الفضائيات العربية، يدعو لتشكيل “ناتو عربي”، هكذا وحرفيًّا، ولقتال من؟! ليس الصهاينة قطعًا، وإنما حصرًا “الإرهاب”، هذا الممنوع عمدًا من التعريف، وبعضه الممول، ويا للمفارقة، عربيًّا!!!
…يرمز إحياء يوم الأرض العربية الفلسطينية إلى إيمان أهلها بأن الصراع هو صراع وجود وضرورة بقاء، وأن لا من خيار لهم سوى استعادتها بتحريرها والعودة إليها، وبإحيائه يذكِّرون أمتهم من محيطها إلى خليجها، بأن فلسطينها تظل بوصلتها، ولا من عدو لها إلا الغرب مختصرًا في الأميركان ومتجسدًا في الصهاينة، وعليه، لا وطنية ولا قومية ولا وحدة ولا نهضة ولا تقدم ولا سلام، ولا حتى ما يضمن وجودًا أو يبقي على هوية، دون مجابهة هذا العدو مختصرًا ومجسدًا…

إلى الأعلى