الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الراعي والمِرْياع والرعية

الراعي والمِرْياع والرعية

علي عقلة عرسان

القتل يستحر، والدماء تسيل، والأحقاد تنمو.. في بلدان من وطننا العربي.. سوريا والعراق واليمن ساحات معارك، ودمار إثر دمار.. وعرب ومسلمون آخرون يدخلون الحرب، أو يستعدون لدخولها، وهي تتمدد وتأخذ أبعادًا مذهبية يومًا بعد يوم.. الفتنة التي نبّهنا إلى مخاطرها وخشيناها وصرخنا في وجه مشعليها، منذ بداية ما سُمي “ربيعًا عربيًّا، هو ربيع الكارثة والأنفس والسنين العجاف، وربما ربيع الدمار والعار، للأسف والحزن الشديدين؟!”.. الفتنة تنبعث فتيَّة خضراء العود مزيَّنة معطَّرة محنَّاة، تنهض من دِمَن التاريخ لتحتل دِمن الأنفس وتنمو فيها وتستولي عليها..!! ومن يقول إن حروب العرب والعجم المشتعلة اليوم في أقطار أشرنا إليها وتعسّ نارها في أخرى.. هي حروب محدودة معزولة عن الأقطار والبلدان العربية والإسلامية الأخرى، إنما يتجرع وهمًا، ويغطي الشمس بغربال، ويخفي قامته خلف أصبعه، ولا يريد أن يرى أشباحًا تنبعث من الجحيم.. ولكن هيهات؟! ومن يدعي أنها، في هذه الأوقات على الأقل وبعد كل ما جرى، حرب من أجل الحق والعدل والحرية والديمقراطية والدولة المدنية.. و.. و.. إلى آخر الشعارات التي غدت “ماركات” ولافتات تجارية، وأنها من أجل الأوطان والإنسان، والقيم والأديان، والشرعية والسيادة والقيادة.. فهو بعيد عن الواقع أو لا يريد أن يواجهه.. ولا يجرؤ حتى على مواجهة نفسه بالحقيقة المرة.. إنه يريد أن يهرب من الواقع الصادم بكل المقاييس، لغاية في نفس يعقوب أخفاها؟!.. لكن الحقيقة المؤلمة التي تفجعنا وتنحرنا هي أن الحرب غدت فتنة مذهبية تتدثر بالسياسات، وتستعدي أعداء العروبة والإسلام على العرب والمسلمين.. وأنها وبال على معظم الأهداف التي رفعتها وتجمَّلت بها، بصرف النظر عمن أوصلنا إليها وكيف.. وأنها تؤسس لكراهية وأحقاد وثارات، وحروب صغيرة وكبيرة، في مدى السنوات أو العقود القادمة، وتعيد حروبًا، كنا نريدها موءودة، تعيدها حية جذَعة.. إلا.. إلا.. إلا إذا حدثت معجزات.. وأصبح للعقل والإيمان والإسلام السمح دور وتأثير وحاكمية، بفهم سليم للغايات البعيدة.
وإذا كان هناك اختلاط يُرى في صفوف يمنية يخترق الاصطفافات المذهبية ويُظهر جوانب أساسية للصراع السياسي من أجل الحكم والشرعية وسيادة الدولة وسلامة مؤسساتها، فإن دخان المذهبية المتصاعد من مواقع هناك يحجب الرؤية عن عيون وترى من خلاله عيون وتقرأ ما قد يكون.. فاليمن بلد زرقاء اليمامة فيما علمنا ونعلم. أمّا في العراق وسوريا وحتى في لبنان المترجح بين كفتي ذلك الميزان، فالأمر أوضح من أن يُفسَّر أو يُشرَح.. فالقتل على الهوية، والمعارك والاصطفافات المذهبية، وما يعتمل في هذا الموقع أو ذاك، ليس خافيًا ولا يريد أن يتخفّى. مؤلم غاية الإيلام ما نحن فيه، ومخيف حتى حدّ رعب الإرهاب والتوحش ما ينتظرنا.. جراء تفاعلات ما يحدث وما يمكن أن تؤدي إليه الحرب ـ الفتنة من تطورات.
إننا نمسي ونصبح في مناقع من دمنا، وفي مستنقعات من بؤسنا، وفي ذهول من هول ما نحن فيه وما ينتظرنا.. نمشي كالمنوّمين نحو مصائر لا ترسمها بصائرنا، وتهلكة نراها خلاصًا لنا وما هي بخلاص، ونحو فَناء نراه بقاء؟! نُذبَح أو نَذبَح من دون أن يكون لنا خيار خارج حدود ذلك، أو قرار واعٍ بالخروج من دوائره الجهنمية.. كل شيء يتزلزل تحت أقدامنا، والوطن بمعانيه السامية الراقية الأصيلة وبقيمه الخلاقة.. يتسرب من بين أصابعنا كالماء.. نخسر هنا ونربح هناك وكل ما نخسره وما نربحه في الوطن ومن أجله هو خسارة للوطن على نحو ما، إذ إننا نهدم بناه الحية بأيدينا ونؤسس لضعفه إلى مدى غير منظور، ونجعل علاقتنا به وعلاقاتنا داخله واهية وربما منخورة بالأحقاد وبما يُضعف ويمزق ويشتت ويفرق.. فالوطن نحن كلنا، المختلف منا والمؤتلف.. لكن ذلك بعض ما كان لنا وما زال حلمًا وأملًا.. نسير في هذه المفازات المرعبة، ويُطلب إلينا، أو نطلب من أنفسنا.. أن نصمد ونتشجع ونضحي ليغلب بعضنا بعضًا ويقهره؟! وفي ذلك كله إقبال على المحرقة، كفراش يقتحم لهب المصباح ليرى النور أو ليرى في النور، لكنه يحترق من دون أن يرى النور أو يرى على هديه؟! أليس هذا غاية العبث والجهل وتعطيل الروح والعقل ومفاهيم الإيمان وقيم الإنسان؟! أليس فيه تبديد وتخريب وتعطيل لكل ما وهبه الله لنا من نعم التفكير والتدبير والفهم والعلم والمعرفة وتعاليم الأخلاق ورسالات الأديان؟! أليس ذلك هو إفلاس العقل بل وإفلاس الإنسان؟!
بلادي، أنهكت قلبي بلادي أنادي، والصدى في كل وادي
“لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي”.
في السياسات والحروب، وفي كثير من العقائد والأيديولوجيات، وفي ما قد تنطبق عليه تسمية تنظيمات يسميها البعض، مع التحفظ على التسمية، “أحزاب الغنم”، ينفخون أشخاصًا نفخ البوالين، ويصفّحونهم تصفيح الدبابات بما يحول دون اختراق الرصاص لصفيحهم، ويحيطونهم بما يجعل قلوبهم وعقولهم من أقسى من حجر الصوان.. ويفعلون ويفعلون ويفعلون.. لكي يحافظوا على منظومة التبعية المعمّاة وعتمة الموالاة، وانقياد الآخرين.. بتعطيل منهجي للعقول والإرادات أو شلها بالتجويع والتخويف والتقريب والتهميش والإغراء، أو بالسجن والتعذيب والتغييب والقتل عند اللزوم.. ليكون في الجائع والمقهور والمسجون والمغيَّب والمقتول، عبرة لمن يعتبر.. فتسود بذلك الصيغ شبه الأبدية وترسخ، صيغ: “راعٍ ورعية”، قائد وأتباع، فقراء وأغنياء، أبطال وضفادع، طغاة ومقهورون، جياع ومتخمون.. إلخ، ويرون أن هذه المنظومة هي التي تسيّر العالم بنجاح؟!.. وهي منظومة لا تتوقف عند حدود جماعات وشعوب ودول، بل تتعداها إلى صيغ مماثلة لكنها أوسع وأشمل، صيغ على مستوى منظومات دول.
وفي هذا السياق يبدو أن الطبيعة البشرية، منذ أن سكن الإنسان الكهوف والغابات، وأخذ بالرعي والزرع، واستقر في الحواضر، واكتشف النار، وبدأ التقدم.. إلى أن سكن ناطحات السحاب ووصل إلى المريخ وعسكَرَ الفضاء.. لم تتغير جوهره كثيرًا.. فهناك استعداد وربما رغبة في القطعانية، وهناك سدنة لها، وترويض يهدف إلى استمرارها.. وهناك أيضًا مثل ذلك من الاستعداد والرغبة في حشد الغنم وراء المِرْياع، بينما يتكفل الراعي وكلابه بالباقي.. تحديد الهدف والطريق والوسيلة والاستثمار و..؟! والمِرْياع، لمن لا يعرف المِرْياع، هو خروف يفطمه صاحبه منذ الولادة، ويربيه، ويخصيه، ويعطيه اسمًا، ويقربه إليه، ويطعمه الخبز، ويراعيه حتى ينمو ويكبر على يديه ويآلفه ولا يألف سواه.. ويضع في عنقه جرسًا ويُزيِّنه بالودع وغيره، ويضع في أعلى رأسه، بين قرنيه الحادين الطويلين، مرآة صغيرة تدل صاحبه عليه وهو في هجمة أو هجعة بين الغنم.. فهو زعيم بزينة ونياشين. يسير المرياع في مقدمة القطيع خلف حمار الراعي مباشرة، والجرس الذي في عنقه يتحرك ويصدر صوتًا تعتاده الأغنام فتتبعه ولا تحيد عن ذلك.
وفي أبرز الصور والمشاهد الوقائع التاريخية والتحركات الجماعية.. نجد نماذج متواترة من حضور الراعي والرعية والمِرْياع المؤيَّد بكلاب الراعي.. فالرعاة يقودون القطعان ويعزفون لها أحيانًا، وكلابهم ترافق وتراقب وتتابع.. وكم من راعٍ في مجالات السياسة والقيادة والطغيان والحروب هم رعيان شعوب يحولونها إلى قطعان، ولهم من يزيِّن لهم أفعالهم، ويفكر لهم، ويهوش باسمهم، ويسوغ كل ما يقولونه ويقومون به، ويرفعهم فوق البشر، وربما رفع بعضهم آلهة تُعبَد: فرعون، وآشور بانيبال، وشين الأول ملك الصين، وهانيبال، وداريوس، والاسكندر، والقياصرة والأباطرة والسلاطين، وقادة الصليبيين ونظراؤهم المسلمون، وهولاكو، وتيمور لنك..و.. إلى أن تمر بنابليون ونظرائه الروس، وتُكحّل عينيك برؤية شاربي هتلر ونظيره ستالين، وبتشرشل وأيزنهاور وغيرهم وغيرهم من ذوي الأوسمة العسكرية والنياشين.. وحين تترجل من قطار الماضي وعربات التاريخ التي تنقلك من العصر الحجري، لتحل في زماننا وتشهد وقائعه المذهلة.. يجبهك القطيع تلو القطيع، والمِرْياع بعد المِرْياع، والراعي بعد الراعي.. والقاتل بعد القاتل.. ويبقى القتل هو القتل سواء أتم خنقًا أو حرقًا، بخوصة أو بمثقاب جدران، أو بأشعة ليزرية.. القتل هو القتل، مهما راوغ المنطق، وتغير الكلام، وتنوعت الأسباب.. القتل هو القتل، ليس في ذلك مسٌّ بالطبيعة الوحشية التي كانت لإنسان الكهوف والغابات وتستقر في أعماق القتلة من البشر الذين رافقوا الوحوش وتغلبوا على الكثير منها وفاقوها بكثير، وحشية وافتراسًا مجانيًّا عبثيًّا لا لإشباع جوع بل لمجرد ممارسة القتل؟!.. القتل هو القتل، والراعي يذبح من قطيعه ما يشاء.. ويمتد “طقس” القتل والقتل.. من الجرائم البدائية إلى الجرائم النووية، ومن الممارسات العنصرية إلى كوارث الحروب العالمية.. وتستمر ثنائية: الراعي وكلابه، والمِرْياع والقطيع، التبعية والإلغاء، الظلم والذبح.. إلخ، ويستمر تدفق سيل الدم البشري المريع.. يا الله، يا الله.. كأنما لم يتغير شيء في الجوهر، كأن لم يخرج الإنسان من الغابة، ولم يتعلم شيئًا من دروسها؟! كأن الله سبحانه لم يرسل رسله بتعاليم الدين رحمة للعالمين، ولم ينزل كتبه هداية للناس، ولم يهب العقل نعمة والإيمان طاقة روحية منقذة.. كأن هابيل لم يقل لأخيه قابيل: (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) المائدة (28)؟! ليحث على تجنب القتل ويقدم قدوة حسنة، وكأنه سبحانه لم يقل في كتابه الكريم: “.. مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ.. الآية(32) من سورة المائدة؟! وكأننا، في أعماقنا البعيدة، لم نتقدم خطوة حقيقة على طريق نمو الروح على حساب المادة، والأخلاق على حساب انعدامها؟!
عالم غابة، يتمسك سكانه بوحشيتهم العزيزة عليهم، المتأصلة فيهم.. يموهونها بالأزياء العصرية وبأنواع الطلاء وبالشعارات البراقة والكلمات المحملة بأنواع المكر، ويدعمونها أو يعززونها بالتنظيمات والمجاملات الديبلوماسية.. لكن يبقى التوحش هو الأصل، مع تغيير الأساليب والوسائل والأدوات والمسوِّغات.. ويبقى الدم البشري يسيل على أيدي المتقدمين والمتأخرين.. يجري هذا ويستمر بتواتر مذهل، على الرغم من الديانات الإلهية والأنبياء والمصلحين والمفكرين الإنسانيين والكتب الدينية، السماوية وغير السماوية، وعلى الرغم من العقائد الإلهية، والأيديولوجيات البشرية المفزعة المروعة التي تضع أقنعة إنسانية على الوجوه وسكاكين تحت الآباط.. وتذبح، تذبح باليسار وغيرها يذبح باليمين، وتمضي في مضاهاة شقياتها أو تفوقهن بالشعارات والادعاءات والتطرف وممارسة الفِتَن، كل أنواع الفِتن، وتتفوق عليهن في أشياء أخرى.. تفعل بلا رادع من أي نوع.. وبعَصَبيّات تنظيرية وعُصابيات تنظيمية، مشكلة “مذهبية” تفوق العنصريات العرقية، والطائفيات والمذهبيات الدينية.. تفعل ويفعلن ولا من يردع أو يرتدع؟!
عالم غابة .. لا تعرف كيف تعيش فيه ولا كيف تخرج منه..
————-
الجنة والنار ضدان ومستقر يوعد بإحداهما الإنسان في الآخرة، من دون أن يرجح لديه مآل لأن ذلك مرتبط بالأعمال وبتقدير العلي القدير، وكل ما يتصل بذلك الشأن يخرج عن الإرادة البشرية والتقدير.
في الدنيا التي هي دار ممر وليس نهاية المستقر يعيش المرء في جحيم أو في جنة مع الآخرين.

إلى الأعلى