الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية “158″ : أثر القرآن الكريم في اللغة العربية وأصواتها (3/3)

نافذة لغوية “158″ : أثر القرآن الكريم في اللغة العربية وأصواتها (3/3)

التناسق الصوتي على مستوى اللفظ والصوت المفرد والتركيب في القرآن الكريم:
أول ما يلفت الانتباه هو خلوّ القرآن الكريم من التنافر في بنية كلماته، فأصواته كلها قامت على الائتلاف، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد سجّلت كلمات القرآن الكريم قمة التناسق بين أصواتها والمعاني المرادة لها، وهذا هو الجديد في الصوت القرآني : أن يوظف الصوت المفرد داخل الكلمة لخدمة المعنى المقصود، وإليك هذه الأمثلة.
(1) التناسب بين صفات الصوت ومعنى الكلمة:
من ذلك التشديد بعد قلب التاء من جنس ما بعدها ليدل على التردّي الجماعي، أو المبالغة في التثاقل، أو الاستعصاء على الهدى، من ذلك قوله تعالى:  قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ  الأعراف/38.
أصل الفعل ( تداركوا) وقلبت التاء دالاً وأدغمت في الدال، فلما سكنت جيء بهمزة الوصل، والتشديد يوحي هنا بتداعيهم في النار متزاحمين بغير نظام، بل إن اشتمال التشديد على سكون فحركة يدل على أن تزاحمهم في النار جعل بعضهم يعوق بعضاً قبل أن يتردوا فيها، فكأن النقطة التي تداعوا عندها كانت كعنق زجاجة. ويشبه هذا إيحاء التكرار في قوله تعالى:  فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ الشعراء/94.
ومن هذا أيضاً قوله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  التوبة/38.
أيضاً ما يوحيه التفخيم من الإحساس بالمبالغة في الحدث أو الصفة، من ذلك قوله تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ  فاطر/37 .
فكأن ارتفاع الصوت بالصراخ ومشاركتهم جميعاً فيه وتكرار ذلك منهم لا يكفي أن يعبر عنه بالفعل المجرد ( يصرخون )، فجاءت تاء الافتعال لتدل على المبالغة، وقصد لها أن تجاور الصاد المطبقة فتتحول بالمجاورة إلى ا لتفخيم (تصبح طاء) ليكون في تفخيمها فضل مبالغة في الفعل .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:  تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى  النجم/22. و( ضيزى ) تعني : جائرة ظالمة، لكن لفظ ( ضيزى ) جاء هنا ليحقّق غرضين هما: رعاية الفاصلة التي غلبت فيها الألف المقصورة، والثاني: الإيحاء ـ بماء في الضاد من تفخيم ـ إلى أن الجور في هذه القسمة لا مزيد عليه.
ومنه قوله تعالى :  أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ  البقرة/19. والصَّيِّب : النزول الذي له وقع وتأثير، ويطلق على المطر والسحاب، وتنكيره لما أنه أريد به نوع شديد هائل، كما أن الصاد المستعلية(المفخمة) والياء المشددة والباء الشديدة تدل على القوة والتدفق وشدة الانسكاب.
(2) التناسب بين إيحاء الصوت ومعنى الكلمة:
ومن التناسب بين إيحاء الصوت والدلالة المقصودة للكلمة قوله تعالى : عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً الإنسان/18، حيث يوحي لفظ السلسبيل بالسلاسة والسهولة ويسر الاستساغة، وذلك لما بين اللفظين (سلسبيل/سلاسة) من شراكة في بعض الحروف. هذا في مقابل الإيحاء في جهة الضد للمعنى السابق، كما في قوله تعالى: إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً النبأ/25، حيث أن مادة (غسق) في القرآن الكريم منها ( الغسق والغاسق والغسّاق) توحي أن القسط المشترك بين هذه المشتقات الدلالة على أمور كريهة، فالغسق :الظلمة، والغاسق: الليل الشديد الظلمة، والغسّاق : شيء كريه لا يشرب، وفسّروه بالصديد، وتستفاد هذه الدلالة لغوياً من إيحاء الغين والقاف هنا. ومثله في التفسير قوله تعالى : كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ المطفيين/7 ، وقوله تعالى : لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ الغاشية /6 والضريع نبات شوكي. وإيحاء لفظ (ضريع ) في الطعام يفيد ذلاً يؤدي إلى تضرع كل منهم وسؤال الله العفو عن ذلك.
يقابله في المعنى على الجهة الأخرى قوله تعالى : كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (المطففين/18) .

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى