الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “المنزع النّقدي في شعر محمود درويش” لـ جاسم الطّارشي

“المنزع النّقدي في شعر محمود درويش” لـ جاسم الطّارشي

الوعي النّقدي مقوّم كلّ تجربة شعريّة

كتب المؤلّف على الصّفحة الأولى وهو يهديني الكتاب: “شكرا لكلّ ما حدث بيننا”، كلمة قصيرة معلّقة كحبل غسيل في شرفة الكتاب، ومدخل قراءة محيّر، إذ أنّ نهر المحبّات العميق المتدفّق بيننا والمبني أساسا على معاشرة النّصوص كان شديد التدفّق. بقيت كلمة “ما حدث” معلّقة في ذاكرتي، فقرّرت أن أبحث في معانيها، فوجدت دائرة من المعاني المتراسلة التّي يضجّ بها الجذر (ح، د، ث)، ومن هذه المعاني:
- “نقيض القديم ونقيض القدمة”، وشعر محمود درويش بهذا المعنى هو نوع من القطيعة مع القدامة والقدمة، رغم الخيوط الواضحة من شعريّة القديم التّي تتسرّب كحبّات الرّمل من بين كلماته.
- وهي أيضا “الأفكار قديمها وحديثها”، وشعر محمود درويش يحفل بتاريخ الألفاظ المؤلم ويروي سيرتها وما حملته من هموم الإنسان في تغريبته منذ أنكيدو إلى اليوم.
- ومن معانيها “الحدوث”، وهو كون شيء لم يكن، وأحدثه اللّه، فحدث. وهذا المعنى متأكّد في شعر الشّاعر أشكالا ومضامين ووعيا نقديّا عميقا يفارق السّائد، ويغري بالبحث والمساءلة. ومحمود درويش بهذا المعنى مبتدع على غير سنّة في الكثير من إنتاجه وآت بما ليس بمعتاد ولا معروف قبله.
- وهو أيضا بمعنى ما “يستحدث”، أي يخلق نوعه بدءا منه، أو يحاول ذلك. فشعره في الكثير من الأحيان يحيل على الشّعر في أوّله وابتدائه، وهو في أحيان أخرى يحيل على الجديد الحادث، وشعره يصوّر بقوّة “حدثان الدّهر” أي نوبه ونوازله وما يحدث فيه، يصوّرها مستعرضا تاريخه الخاص وتاريخ فلسطين كلّها، ليس فلسطين المقطوعة عن التّاريخ والحضارة والكون، بل فلسطين الأخرى الحيّة غير القابلة لدود الموت ورماد النسيان. تتحوّل القصيدة عنده إلى معلّقة تعرض جوهر الكائن الفلسطيني، وتجعله يتماسّ مع المطلقات والأديان والأساطير، وترتفع بها من مجرّد اسم على الخارطة إلى خارطة مواجع وآلام ومحبّات ورؤى لا تنسى.
- وهي أيضا “الأمطار الحادثة في أوّل السنة”، وشعر محمود درويش يتضمّن في جزء كبير منه ذلك النّوح والتّأسّي العميق الباكي الذّي تحنّ له النّفس وتطرب فتحضن بماء دموعها الوجود كلّه. وتنطرح في شعر محمود درويش قوائم الأزهار كلّها وقوائم الطّير وتحضر أسماء النّباتات والشّهداء.. ونرى من خلال الأبيات وفي نسيجها الشّفيف كيانا مهدّدا بالفقد، وهويّة محقونة بداء النّسيان القاتل، فتنزع إلى لغتها الممطرة لتسقي بها يبس الأرض وعنف الواقع. كلّ زهرة وطن، وكلّ قطرة فضاء حرّية. ضمن “بوح يؤصّل الكيان”، كما يقول محمّد الهادي الطرابلسي.
- وهي أيضا “الحدثان”: وهو الفأس والفأس التّي لها رأس واحدة. ومهما كانت فإنّها القطع والزرع أيضا، وهنا المفارقة، وبينهما دوائر دلالات تترى، وعوالم تقام. وهنا تتنزّل أطروحة كتاب الباحث جاسم جميل الطّارشي وهي أنّ لمحمود درويش وعيا نقديّا، وأنّ هذا الوعي النّقدي يؤسّس عقدا شعريا من المفروض أن يقطع مع تصوّر ما للشّعر ويؤسّس تصوّرا مناقضا له. والكتاب لا يجيب مباشرة عن هذا السؤال، بل يستقرئ في فصوله أزمات الإبداع وماهية الشّعر والتلقّي ويمعن في الخوض في وجع النصّ لينتهي إلى نتيجة شديدة الأهمّية، وهي أنّ لمحمود درويش منزعا نقديّا تتنازعه وظيفتان نقديّة وإبداعية.
- ومن معانيه “محادثة السّيف، أي جلاؤه”، ومحمود درويش في خطابه جليّ حادّ قاطع، لكنّه أيضا مخيّل. لا تردّد بين الحالين عنده، ولا مراحل. ففي الشعر الملتزم فقرات ترتفع فيها الشّعريّة إلى آفاق شديدة التّخييل، وفي النّصوص المرميّة برماد التّخييل ونيرانه نجد مقاطع شديدة الارتباط بظروفها الاجتماعية.
- ومن معانيه أيضا “أحدث الرّجل، وأحدثت المرأة”. والإحداث، باعتباره حدثا يقع على الجسد وبه وفيه، يطرح مسألة حضور الجسد في الخطاب، إذ أنّه “القاع الذّي تنبت فيه كلّ العلامات الأخرى المساهمة في الشّعريّة”. فهو يحضر بوصفه “عربات صورتجرّها خيول الرّغبة وتمضي بها بعيدا، فيكون الجسد حلبة للموت بأنواعه والحبّ بأنواعه”، ويعكس تصوّرا للوجود آلته الجسد المسيّج بسلطات كثيرة منها الدّين والدّولة والتّراث والأخلاق واللغة والفكر التقليدي ببناه المترسّخة والرّاغبة في تطويعه ومراقبته واخضاعه، هذا الإحداث أي التعالق الجسدي العنيف ليس غير كناية عن التفاعل الذّي يحتويه شعر الشّاعر ويبدو مفتونا به أو ضحيّة له. فالتوتّر والقهر والقمع والعجز والانحراف والقلق والتوجّس والعنف والإقصاء والإخصاء والنّفي والسّجن والتعذيب والإبعاد والألم والإلغاء والمحو والتّهديد ومحو الخصوصيّة.. هي صور لهذه العلاقة التّي تعكس تصوّرا لما يقترحه محمود درويش من تدنيس لبنى القدامة الشّعريّة ومجالاتها، عبر فعل لغويّ تثويري يتحرّك داخل دوائر الممنوع ذاتها، هادما تارة ورافضا تارة أخرى. وبهذا المعنى شعر محمود درويش ليس فقط شهادة “عمّا حدث”، رغم أهمّية دوره كشاهد، بل موقف جماليّ ولغويّ ونقديّ من الشّعر والثّقافة العربيّة والفكر، وهذا ما يحاول جاسم جميل الطّارشي تبيّنه في كتابه المعنون “بالمنزع النّقدي في شعر محمود درويش”، والصّادر عن دار بيت الغشّام للنّشر والترجمة، في طبعة متوسطة الحجم في 135 صفحة، بغلاف ملوّن تتوسطه لوحة تشكيليّة من الفنّ الحديث، والكتاب صادر بدعم من المنتدى الأدبي في سنة 2015، بالسلطنة.
وصف الكتاب وعرض نتائجه: ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول يسبقها تقديمان، سنحاول فيما يلي أن نعرض محتواهما:
أ‌) تقديم أ. د. محمد الهادي الطرابلسي:
يرى الطرابلسي “أنّ الوعي النّقدي مقوّم كلّ تجربة شعريّة” ، ويقرّر الفكرة التالية: “الشعر ابن التوأمين، نفحة الشّعرولفحة النّقد، طرب وتطريب، هزّة نفسيّة قبل أن يصير لبنه نصّية” ، وللوعي حسب رأيه تصاريف شتّى عرضها باختزال، وبيّن ما سمّاه معارضها وتاراتها بدقّة العالم المتمكّن، وهي “المساءلة” و”التحيّر” حول مواضيع هي من جوهر عمليّة الإنشاء الشّعري مثل الفنّ ومفهوم الشّعر ووظيفة الشّاعر ومنزلته في المجتمع.. وغيرها من الأفكار التّي يحسن العود إليها في موضعها من الكتاب وأهمّها في رأيه مسألة الإيقاع، أمّا النّقد، أي ما يسمّيه جاسم جميل الطّارشي المنزع النّقدي فليس له حسب الطّرابلسي شكل محدّد، بل له أشكال وألوان، إلاّ أنّ “أثره لا يكاد يغيب من قصيدة”، فهو “عنصر قارّ في كلّ تجربة شعريّة، مؤصّل لكيان الشّعر في تراث البشريّة”.
أطروحة الكتاب كما يراها الطّرابلسي واضحة في الشّاهد السّابق، وجاسم الطّارشي في مؤلّفه مقتنع بها، متمثّل لحقيقتها، مستعدّ علميّا ومنهجيّا لإثباتها، من خلال عمل تطبيقيّ على شعر محمود درويش. ما يسمّيه جاسم بالمنزع النّقدي هو عند الطرابلسي “يمثّل أهمّ أركان العقد الشّعري”، فمحمود درويش “من أكثر الشّعراء الذّين احتفوا بمساءلة الشّعر، مساءلة كشفت عن وعي حاد بها لديه”.
ينتهي الطرابلسي إلى عرض محتوى الكتاب في فقرة تأليفيّة انتخبها المؤلّف لتكون على الغلاف الخارجي للكتاب، وهي على قدرتها الاختزالية العميقة تربط بين أمرين هما مدار النصّ الدّرويشي وهما ما يسمّيه “هاجس النّقد، ودواعي الإبداع”. ولا نفلت هنا الإشارة إلى رأي الطرابلسي بالباحث جاسم جميل الطّارشي، فهو عنده “باحث واعد، طريف مضيف، في علم الشّعر ومنهج الدّرس وفي طبيعة الموضوع وسياسة الاستشهاد”، أمّا بحثه فيرى أنّه “بحث علمي رصين، حرّر بلغة دقيقة، قريبة المأخذ، رقيقة، واضح التخطيط والرّؤية، رغم دقّة المسألة وتشعّب جوانبها”. والأستاذ الطّرابلسي حين يصرّح بحكم كهذا على ما نعرفه فيه من دقّة وشدّة في العلم، فإنّ لرأيه، عدا الشهادة للباحث، تعتبر تكليفا وتوجيها. خصوصا ونحن لا نكاد نعرف للأستاذ الطّرابلسي رأيا صريحا واضحا في مؤلّف وكتاب مثل رأيه الواضح الصّريح بكتاب المنزع النّقدي وصاحبه جاسم جميل الطارشي.
ب‌) مقدمة المؤلّف:
الهاجس الذّي الّف فيه الكتاب ليس هاجسا جديدا في النّقد، إذ يخبرنا المؤلّف أنّ هذه الظاهرة حظيت بدراسات مهمّة في النّقد القديم والحديث، وضمنها نجد أعمالا مهمّة مثل “لحظة المكاشفة الشعرية” وهو كتاب معروف للناقد محمد لطفي اليوسفي، ودراسة الطاهر الهمّامي “الشّعر على الشّعر”، ودراسة محمد الغزّي “الخطاب الواصف في الشعر العربي الحديث”، ودراسة محمد الهادي الطرابلسي “شعر على شعر: معارضات شوقي بمنهجيّة الأسلوبيّة المقارنة”. إذن الموضوع مطروق، ولكنّ صاحب المنزع النّقدي يتفطّن إلى أنّ هذه الأعمال تتضمّن نتائج يمكن أن يستضيء بها بحثه، وهي وإن انشغلت بالموضوع فإنّها بدت في أكثر الأحيان منشغلة بالقديم أو عامة. ويأتي عمل جاسم جميل الطارشي ليدقّق المسألة ويجريها في تجربة ممتدّة في الزمن وراسخة في الكتابة ومؤثّرة في السياق الثقافي العام.
في تبسيط كبير نقول أنّ الطارشي انشغل بشعر الشّاعر متتبّعا النّاقد الحاضر فيه حضورا واضحا أو خبيئا، تصريحا أو تلميحا، فعلا أو قولا، باحثا عن التصوّرات والبنى التّي تحكم الخطاب بقصد الكشف عن وعي الشّاعر بآلته الشّعريّة ويوضّح انغراس النصّ الدّرويشي في تربة تطبيقيّة ونظريّة في نفس الآن. تخبر القصائد عن ولادتها وعن إيقاعها ولغتها ومفهومها للشعر وعلاقتها بالمتلقي. وتقول في تضاعيف في تضاعيف فقراتها أنّ هذا الوعي بدأ يظهر مع المجاميع الأولى لدى محمود درويش، ثم بدأ يحضر بإلحاح في كتبه المتأخرة ثم تضخّم حضوره في آخر كتبه، بل إنّ أعماله الأخيرة مثل “أثر الفراشة” و”لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، تسيطر عليهما نزعة نقديّة جليّة، تكشف عن أزمة كتابيّة ونقدية أصيلة احتاجت إلى التّفسير والتّوضيح.
يقول محمود درويش: “إنّ الشّعر يقول عن الشّعر أكثر ممّا تقول النّظريّة عن الشعر”. والطّارشي يعتقد أنّ الكشف عن هذه النّظريّة “قد يساهم في تقديم مداخل لقراءة نتاجه الإبداعي ويقف على أسرار تطوّر تجربتهالإبداعيّة”.
يعتمد الباحث على التحليل ويستنطق النّصوص بمنهجه الأسلوبي كاشفا عن أزمتين تحكمان الخطاب أزمة نفسية وأزمة كتابة وهو لا يفعل إلاّ ما يقتضيه البحث، يتتبّع أبرز مظاهرهما في الإيقاع واللغة، وينتقل إلى إبراز ما يسمّيه أزمة ماهية الشعر حيث يوضّح علاقتها بالشعرية ويتتبّع أهمّ أسبابها ويكشف تجلّياتها في شعر محمود درويش، ثمّ يناقش قضيّة تحولّ وظيفة الشاعر وتغيّر دوره، وأثر ذلك التحوّل على تلقّي القارئ ودوره في عمليّة التفاعل الشّعري، ثمّ ينتهي إلى نقاش قضية اجتماع الممارسة الإبداعية والنّقدية في نصوص المدوّنة وأثر كلّ واحدة منها على الأخرى، وختم بحثه بتلخيص أبرز نتائجه.
وضوح في المنهج ووضوح في المنطلقات وعدّة معرفية كافية جدا اعتمدت على مراجع متنوعة قديمة وحديثة نجد فيها ثبتا يتجاوز الصفحات الأربع في آخر الكتاب وهي كتب ودراسات متعدّدة اعتمدت على ما نشر باللغة العربية دون غيره، وكان من الممكن إثراؤها بألسنة أخرى، لكنّها مع ذلك سيّجت بحثه بسياج معرفي علمي دقيق. على أنّ ميزة البحث الأولى هي دراسة النصّ الدّرويشي دراسة معاشرة، والبدء منه والانتهاء إليه، لا وجود في البحث لفكرة إلاّ ولها شاهد أو أكثر من شاهد، ولا تحاليل مسقطة أو مقتطعة في غير سياقها، بل هو عمل تحليليّ استقرائي متمهّل، بني على أساس متين من التّكوين والتأسّس المعرفي، ممّا ارتقي ببعض أجزائه إلى درجة كبيرة من الصفاء والوضوح والدقّة.
نتائج البحث وأسئلته:
في حوار مع الشّاعر قال لي: “إنّ ظاهرة الوعي النّقدي تتعاظم في شعر درويش وتكبر من عمل لآخر”، المسألة في رأي الباحث متعلّقة بهاجس وجودي كبير تبحث فيه الذّات الشّاعرة عن وجودها الممكن في الشّعر. وأضاف: متحدّثا عن الدوافع التّي أدّت به إلى القيام بهذا العمل: “من الواضح أنّ لدرويش رغبة في تكوين سلطة شعريّة خاصة به، كان يراودني شعور، وأنا منشغل بفكرة البحث، بأنّ درويش لديه إحساس، رغم هيمنة تجربته على المتلقّي، بأنّ سلطته الشّعريّة مهدّدة بالانحسار خصوصا مع تعاظم خطاب قصيدة النّثر ورأي بعض روّادها في شعره. ناهيك عن حبس المتلقّي وتنميط شعريّته في الغرض الوطني وفي شعر القضيّة. لذلك نجده قد انشغل بقضيّة الشّعر، إذن يمكننا القول أنّ حضور تلك النّزعة في شعره كان لها محرّكان هما القلق الوجودي والفنّي”. هذا ما قاله المؤلّف، أمّا كتابه فإنّه ينتهي إلى نتائج مهمّة سنحاول أن نلخّصها دون أن نسهب في عرضها لأنّ غرض المقال هنا هو الدّعوة إلى قراءة الكتاب، ولست أريد إلاّ الترغيب في اقتنائه بعرض خطته ونتائجه وسوق بعض الملاحظات خلال ذلك، ويمكن توضيح نتائج البحث كما يلي:
الفصل الأوّل: أثبت الطّارشي وجود ما سمّاه أزمة الإبداع على المستويين النّفسي والنصّي، إذ تتجلّى الذّات الشّاعرة متأرجحة بين حضور وغياب يتسربل بالغموض والإيماء لكنّ ملامحه تغيب وحيرته تنعكس على النّصوص في قلق وانتظار وترقّب ولهفة، فتنكشف للمتابع أزمته النّفسية وأبعادها العميقة الخفيّة. هذه الأزمة النّفسيّة تقود إلى أزمة إبداعيّة تنكشف هي أيضا عبر الإيقاع الذّي ظلّ عنصرا رئيسيّا في إنتاج كلام الشاعر، الذّي بدا عاجزا عن تطويع اللّغة لحاجات تعبيره.
الفصل الثاني: وضّح الباحث ما سمّاه أزمة مفهوم الشّعر وماهيته، إذا بدا له أنّ الشّعر تأبّى وتعالى على التّحديد. فالشّعر “لا يحدّد، وإنّما يظلّ مفتوحا على إمكانيات تعبيريّة متجدّدة بها يجدّد مفهومه”. وهنا يبرز الباحث أنّ هذه الأزمة ترتبط بأبرز قضايا تجديد الشعرية، ويعدّد لنا الباحث بعض مظاهرها مثل حواريّة الشعر والنثر، والجمع بين الكتابة والكلام، وتجدّد مفهوم الشّعر وقضيّة التناص.. أزمة شعرية هي في الأصل أعمق لحظات الشعر، حيث يسائل بديهياته ويعمّق أسئلته ويطوّر وسائله في اتّجاه التّغاير مع إرثه أو التماهي معه كلّيا أو جزئيا. والشاعر العربي ظلّ منشغلا في الغالب بما يقال أي بالمضامين دون البنى والمفاهيم والماهيات، إلا محمود درويش فإنّه تمكّن من تحقيق غايتين: الأولى تجديد وسائله وتغيير “علبه الأدوات” الشّعريّة. والثانية توضيح ماهية الشعر باعتباره “طريقا”، إذ أنّ المعنى لا نهائيّ، وباعتباره “ريحا” أي بحثا مستمرّا عن أفق الشّعر والوجود. ينتهي الطّارشي في تحاليله القيّمة إلى ما يشبه الحدس الصّوفي إذ يرى أنّ “أفق الشّعر المتجدّد لا وجهة له إلاّ الحركة أو قدر التّيه اللاّمتناهي”. أو بعبارة محمّد لطفي اليوسفي “المتاهات والتلاشي”. في هذا الفصل يمتعنا المؤلّف بهدوء قراءته وتأنّيها ويبنيها على شواهد متنوّعة لتبدو قريبة المأخذ مستساغة ومقنعة.
الفصل الثّالث: ينتهي الباحث إلى أنّ الشّاعر له وظيفة إيديولوجية، حيث يصبح صوت الجماعة ولسانها، وهي ما يعرف بالالتزام، وله وظيفة أخرى هي ما يسمّها الوظيفة الفنّية والإنسانية للشّاعر، حيث يكون دوره أكثر عمقا في مقاومة تحجّر الشّعر وموته. وهنا ينهض الشّاعر بتجديد آفاق الشعر وكشوفاته.
لقد أصغى الباحث للنّصوص التّي بين يديه، فأدرك أنّ تغيّر وظيفة الشّاعر لم تلغ دوره في احتضان قضاياه الكبرى وتبنّي طموحات شعبه، كما أثبت أنّ تمثيله لأمّته وقضاياها مستمرّ وإن غيّر من طرائقه وخرج من التّمثيل التّقليدي للجماعة إلى نوع من التّمثيل الجمالي المغاير.
الفصل الرّابع: من أهمّ نتائج البحث أنّ نصوص محمود درويش تجمع بين وظيفتين الوظيفة الإبداعية والوظيفة النّقدية، وهما، حسب رأيه، حاضرتان في أغلب النّصوص. وهذه الثنائية عكست ثنائية أخرى هي الإخبار والجمالية، إذ غلب الإخبار في نصوص معينة فبدت بسيطة منشغلة بالقضيّة، وغلبت الجمالية في نصوص أخرى فخفت الإخبار وغاب في طبقات اللغة وبدت النصوص غامضة تنبض بسرّ ماهيتها الدّفين.
ولقد تفاعلت الوظيفتان الاخبارية والجمالية في نصوص أخرى فعكستا حديث عن عن تبدّل وظيفة الشّعر والشّاعر مع قديمهما ووضحتا عزم محمود درويش الواعي على ضرورة تغيير اللغة وتجويد الشعر.
هذا الملخّص لا يغني في كلّ الأحوال عن قراءة الكتاب بل يحاول أن يغري به ويدفع إليه. وأسئلته التّي أجاب عنها كثيرة لعلّ أكثرها وضوحا أنّ هذا المنزع النّقدي قاد الشّاعر إلى تغيير ممارسته للشعر، فهو يدفع في عروق الشّعر دما نثريّا جديدا في تعانق متوهّج يضيف للنصّ حيويّة ومرونة، وهو يقترح توظيفا للإيقاع غير معهود عند غيره، لا يخرج ع الشعر الحر، لكنّه يطوّره ويعمّقه، وهو يعمد إلى التّناص ليجدّد الممارسة الشّعريّة ويوسّع ماهية الشّعر عبر الوعي بأنّه ليس فنّا جامدا، بل ماهية متغيّرة.
إنّ كتاب المنزع النّقدي ليس كتابا يجمع ما قيل ويلخّص، بل كتاب يفكّر، وهو بحث في موضوع صعب مستعص، لعدم وجود كتاب في موضوعه حول شعر درويش، فهو الأوّل في بابه بهذا القدر من الجدّية النّقدية. وآلته فيه معاشرة النّصوص واستنطاقها. ولعلّ ما ساعده على إدراك مبتغاه جملته التّي تنزع إلى الدقّة والإيجاز ونظرته التي تزن الفكرة قبل كتابتها، فيعدّل ويشذّب ويأتي بالشّاهد الدّقيق.
ولقد أملت في خاتمة بحثه لو أثبت ذلك الشّعر الذّي يتبدّى فيه المنزع النّقدي صريحا أو غامضا لدى درويش في قصائده كلّها، فجعله ملحقا مكمّلا لكتابه، نجد فيه نحن محبّو الأدب فرصة لنرتاد فكره النّقدي ونستأنس بطرائقه الفريدة في صياغة النّقد شعرا.

نصر سامي
كاتب تونسي

إلى الأعلى