الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الحمراء تزدان في يوم الشعر العالمي.. وتتجمل في أبيات القصيد

الحمراء تزدان في يوم الشعر العالمي.. وتتجمل في أبيات القصيد

على موعد مع يوم الشعر العالمي، وعلى دون قصد ارتباط بهذه المناسبة، التقى لفيف من الشعراء والأدباء في ولاية الحمراء، تلبية لدعوة من الشعراء غصن بن هلال العبري والدكتور علي بن هلال العبري والشاعر أحمد بن هلال العبري وإخوانهم وأبناء عمومتهم، وهو اللقاء بث الفرح والسرور في قلب كل من حضره، لحسن تنظيم البرنامج، وللتنوع فيه، وجمالية اختيار المكان الذي حط الشعراء رحالهم فيه، وايضا لمجمل ما قيل في جلسة شعرية، ازدانت بجمال الطبيعة المحيطة، والطقس الفريد الذي تميز به في تلك الساعات، التي مضت سراعا.
اللقاء الذي أعد له منذ أسابيع ليست قليلة، وحضر له منذ أشهر، كانت سانحة أولا لالتقاء بين بعض الشعراء والأدباء وتعارفهم، وهم الذين يعرفون أسمائهم دون ملامحهم، كما كان سانحة لفكرة اقامة مجلس شعري كبير ينتظم بين الحين والآخر، ولو بشكل سنوي، وفي مناسبة كهذه، مناسبة يوم الشعر العالمي.
بداية برنامج الشعراء كان جولة أولية أخذتهم في ربوع ولاية الحمراء، ارتشفوا من رحيق تاريخها وحضارتها، ومن معين بهجتها وفرحها بقدومهم، كانوا يعبرون في دروب الولاية، ويطالعون الصورة الماثلة أمامهم هنا عن شاهد تاريخي، أو معلم حضاري، أو للصورة المتأنقة هناك، حيث تبدو الحمراء خضراء بحلتها الطبيعية، وواحات أشجار النخيل ومزارع المانجو والليمون والعنب المحيطة بها.
يأبى القائمون على ضيافة الجمع، إلا أن يكون اللقاء في سفح جبل هاط، هناك يكتمل المشهد البهيج، وهناك ستكون حاجة الشعراء أكثر لارتواء الروح، حيث الأنفس تحلق في المكان، وهي تتنسم الهواء البارد الذي يهب عليها بين جبل شمس والجبل الأخضر.
في استراحة الهوتة كان المجلس يحلو، والنفوس تصفو في حضرته، وتحلق الوجوه وهي تقرأ البشر والسرور في ملامح بعضها البعض، ويضحك قلب رجل فتفضحه عيناه، ثم ينطلق يردد مع نفسه قصيدة، يصدح بها بعد حين على الملأ.
لم يكن يوم السبت 21 مارس 2015م، يوما عاديا في ولاية الحمراء، فقد كانت تتأهب منذ الصباح كما قد استعدت لهذا اليوم منذ أيام وأسابيع، وحين أتوها من كل فج عميق، ازدانت بالبشر والسرور، وتجملت بالفرح الذي نبض على حاراتها وطرقاتها العتيقة، وعلى سوامقها، وشوامخها، وعند أوديتها وفجاجها.
كانت لسان حال الحمراء في ذلك اليوم ينطق كما وصفها شاعر:
فرشت لكم يا معشر الشعراء ورودا نمت في روضة الحمراء
فأهلا بمن أشواقه قبل جسمه تجلت لنا في سائر الأرجاء.
فيا رب وفق أهل سهلي وذروتي لإكرام من جاءوا من الأمراء
وكان أبناء هلال بن محمد بن سالم العبري وأبناء عمومتهم، أصحاب الدعوة الكريمة، وهم يستقبلون الشعراء والأدباء والمهتمين، يتقاسمون الفرح ويأسرون الحضور بكرمهم، وحرصهم راحة ضيوفهم، واطلاعهم على معالم الحمراء وجمالياتها.
كان الاستقبال أول مرة في طوي المنيزف، قريبا من مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري التي أوقفها لأجيال العلم والمعرفة في ولاية الحمراء.
تحوي المكتبة ما بين 3500 إلى 4000 عنوان في شتى العلوم، من علوم القرآن وتفسيره والحديث الشريف والفقه والعقيدة واللغة والأدب والمعاجم والدواوين الشعرية وكذلك التاريخ والسير والموسوعات والكتب والصحف والمجلات والمطبوعات المنوعة، وبعض المخطوطات.
ومن المكتبة، تم أخذ الشعراء في جولة إلى ساحة وسبلة السحمة حيث كانت في استقبالهم فرقة الفنون الشعبية بالولاية قدمت فن الرزحة متبوعا بفن العازي.
وتمثل سبلة السحمة ملتقى أهل الحمراء عموما، وآل العبري خصوصا سيما في الأعياد والمناسبات، وفيها تؤدى الفنون الشعبية، كما تعالج الخلافات والمشاكل التي قد تنشب بين أبناء القبيلة، وتؤدى الحقوق، وأيضا كانت مدرسة للقيم والأخلاق النبيلة.
عبر بساتين النخيل الوارفة الظلال، أنتقل الجمع إلى حارة الحمراء القديمة، حيث يسكن هناك بيت الصفاه ببنيانه الشامخ وهندسته المعمارية الجميلة، الذي تحول بجهود خاصة إلى متحف مصغر للمنزل العماني التقليدي، والمحتويات التي كانت تزين حجراته.
سمي البيت بهذا الاسم لأنه بني على صخرة مستوية ملساء كقاعدة له، وقد اشتهر بيت الصفاه منذ مئات السنين فقد بني الجانب الشرقي منه منذ أكثر من أربعمائة سنة وقد تم اختيار الجانب الغربي الذي يسمى بيت الصفاه الغربي ليكون مزارا سياحيا تقصده الوفود السياحية من مختلف دول العالم فإلى جانب ما يتمتع به من الأهمية التاريخية يقوم القائمين عليه كمشروع سياحي بممارسة بعض العادات والتقاليد العمانية العريقة والفعاليات التراثية الحية وممارسة عدد من المهن والحرف التي كانت تمارس في الماضي من الغزل والنسيج واستخراج بعض الزيوت المحلية كالشوع والقفص وغيرها من الزيوت التي تستخرج محليا وكذلك صناعة ماء الورد.
ومن بيت الصفاه، توجهت القافلة الشعرية إلى بلدة مسفاة العبريين وكان في استقبالهم أهالي البلدة حيث تناول الضيوف القهوة في مجلس البلدة حيث لمسوا حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال ثم توجهوا في جولة سياحية للبلدة شاهدوا المدرجات الزراعية الخضراء وحارة البلدة القديمة وجمال فنها المعماري.
ومن مسفاة العبريين، إلى الجبل الشرقي من ولاية الحمراء، حيث حط رحال القافلة الشعرية في استراحة الهوتة، حيث الأجواء الجميلة والطقس البديع الذي تميزت به جبال الحمراء كانت باعثا على إطلاق العنان للقصيد، وتسابق قرائح الشعراء لتقول ما يختلج في النفوس، وما يعتلج الأفئدة، من مشاعر وأحاسيس جهة الولاية الجميلة، ومناظرها البهيجة كيما ينثر القصيد أريجه على الحضور.
بهجة القصيدة، كانت في تقديم الشاعر أحمد بن هلال العبري للشعراء، وترحيبهم بهم على سفح الهوتة، وفي استراحتها الجميلة، حيث غمر هو وأخوانه وأبناء عمومته الجميع بكرمهم، وجودهم، واحتفائهم، وبحسن تنظيم الرحلة.
ثم أطلق الشيخ الشاعر هلال بن سالم السيابي بلسان الشاعر غصن بن هلال العبري، قصيدة هزت الحضور ولامست شغاف قلوبهم، يقول الشاعر الشيخ هلال السيابي في مطلع قصيدته:
سلام كما هب الصبا وتضوعا وزغرد وسمي الربيع فابدعا
وصافح من عالي المجرة ذروة ولامس بالحمراء مغنى ومربعا
فاضحك زهر الروض من بسماته وأبكى عرانين الجبال وروعا
وفضض من أرجائها كل ربوة وذهب اطلالا لديها واربعا
فلست ترى إلا الجمال مكللا ولست ترى إلا الجلال الممنعا
سقاها الحيا الفياض غيثا فامرعت كما كان فيها صيب المجد ممرعا
وﻻح عليها العلم والفضل والهدى شمائل كالبيض الصوارم لمعا
تأذن فيها المجد يوما فأسرعت إليه ونادى القوم فيها فاسمعا.
وهي قصيدة طويلة، وددت لو سنحت السطور هنا لكتابتها كاملة، أما الشاعر الدكتور عبدالله بن مبارك العبري، فقد حيا الحضور بقصيدة ألهب فيها الحماس بحسن إلقائه، وجزالة اختياره للمفردات، وحسن تنميقه للمعاني، مستذكرا في قصيدته المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ محسن بن زهران العبري، يقول العبري في قصيدته “وفد الشعراء لبلدة الحمراء”..
جاءت تنمق زهر الطيب ألوانا عودا وفلا وكافورا وريحانا
بين البساتين والأطيار تصحبها بنغمة البشر تغريدا وألحانا
من نفحة الطين والماء الزلال بها يجري بجدولنا كم هز أغصانا
من الغنيمة نحو الخور مندفعا يروي الفيافي وكرما بات ظمئانا
ما راح محسنه الزاكي لجنته إلا وخلف للأسباب شجعانا
ولوحة البذل في حمرائنا همم تعطيك للجد والإخلاص ميزانا.
وكان للشيخ محمد بن عبدالله بن علي الخليلي، أيضا قصيدة فاضت بحب الحمراء، ورياضها، وأهلها، متتبعا خطى والده الشاعر الشيخ عبدالله بن علي الخليلي في التصوير البديع للمكان وأهله.
الشاعر محمد بن علي الشعيلي، قدم هو الآخر قصيدة بديعة، قال في مطلعها:
سرى بي الطيف نحو الشم من كدم وحدثتني نفسي السير للقمم
ونازعتني إذ أزمعت متكلا على الكريم إله العرش والنسم
فقلت ﻻ بد من خوض العراك وإن كانت لدرك المعالي ميتتي ودم
فإن حييت فقد سطرت ملحمة أحيا بها مع كرام من بني حكم
وإن تقاصرت عن إدراك من سمقوا فقد ترديت نحو القعر والقتم
وما استطعت علوا ما بقيت ولم أدرك لحاقا بمد السيف والقلم.
ومن كيرلا في جمهورية الهند، بعث الشاعر يحيى بن حمود الحسيني قصيدة بديعة المعاني، تفيض عذوبة الأحاسيس، وأسف البعد عن الوطن والديار، وعن المشاركة في جمع الشعراء، ذلك اليوم.. يقول الحسيني في قصيدته:
ألا ليتني أغدو بصحبة من يغدوا فما كادني وعر كئود ولا نجد
ولكنها الأقدار والله عالم وهل لضعيف الحال من حاله بد
طريح بـ (كيرلا) الهنود وصحبتي إلى روضة الحمراء في سيرهم جدوا
ترى كيف تبدو اليوم في أي زينة ومن أي لون طرز الدرع والبرد
وما لون حناها الذي خضبت به وأي سوار فوق معصمها يبدو.
موسى بن قسور العامري، وصف تجوال الشعراء في ولاية الحمراء، وتنقلهم من مكان إلى آخر، ثم في استراحة الهوتة، بقصيدة جميلة المعاني والإلقاء، قال فيها:
قوافلُ الحبِ سارتْ في ترنُمِها تجوبُ كلَ البراري نحوَ معتَصَمِ
وراثَ ينضحُنا بالبشر مغتبطاً بين الأقنةِ والقيعانِ والقممِ
وبيننا جبلُ (المسفات)ِ شاهِقُهُ سناهُ من شرفٍ بالنور مرتسمِ
وغردَ البلبلُ الصداحُ من طربٍ يزيّنُ الصوتَ بالإنشادِ والنغمِ
وبالحداءِ تجلى الشعرُ متشحاً عِمامةَ الحبِ يا أنوار مبتسمِ.
وكانت هناك مشاركات أخرى، لمجموعة من شعراء الولاية ومن الشعراء الذين قدموا من ولايات أخرى، بعضهم شارك بقصيدته، والآخر قرأ قصيدة شاعر آخر، فيما انبرى الشيخ ناصر بن محمد الزيدي لقراءة قصيدة غزلية، ليعيد الألق إلى المجلس، ويبث الروح فيه من جديد حتى يواصل الشعراء ابداعاتهم، ويجودوا باحاسيسهم ومشاعرهم، فيما الألسن تفيض شكرا للذين كانوا سببا في هذا الجمع، وفي تقديم الدعوة الكريمة لهم.
وهو ما دفع الشيخ الخطاب بن أحمد الكندي، لارتجال كلمة أشار فيها إلى دور المجالس الأدبية في تحفيز قرائح الشعراء، وصنع القصائد البديعة، ضاربا المثال بالمجالس الأدبية التي أشتهرت في ولاية سمائل على سبيل المثال، وكيف خرج من هذه الولاية العديد من الشعراء، مطالبا باعادة احياء هذه المجالس، وبعثها من جديد، وأيضا توثيق ما قدم من قصائد ونصوص في مجلس الحمراء، وتجديد اقامته بين الحين والآخر.
هذه الكلمة ذاتها التي أكد عليها الأستاذ الأديب أحمد الفلاحي، الذي عبر عن شكره للقائمين على دعوة هذا الجمع البهيج، معتبرا أنها فرصة للالتقاء بين الشعراء والأدباء والمهتمين بالفكر والأدب ليتحاورا ويتناقشوا ويتعرف بعضهم أكثر على بعض، خاصة وأن الكثير منهم نقرأ لهم ولم نلتقِ بهم من قبل.
وقال الأستاذ الأديب أحمد الفلاحي، أنا أؤكد على ما قاله الشيخ الخطاب الكندي من أن المجالس الأدبية قامت بدور مهم في تفعيل الحراك الثقافي والادبي، وتنشيط النقد بين المثقف والمتلقي، مؤكدا هو الآخر على أهمية انتظام مجلس الحمراء بأي اسم، وكيفية، المهم أن يكون هذا اللقاء متواصلا.
وكان خاتمة القول للدكتور علي بن هلال العبري، الذي خاطب الشعراء والحضور بجملة وجيزة قال فيها : أعطيناكم ما يبلى، وأعطيتمونا ما يبقى، فجزاكم الله عنا كل خير. نافلة القول في هذا المجلس، الإشادة به وبمن قام على الفكرة، وفي قائمتهم الشاعر غصن بن هلال العبري والدكتور علي بن هلال العبري والشاعر أحمد بن هلال العبري وجميع أبناء قبيلة العبري في ولاية الحمراء الذين قاموا بواجب الضيافة وزيادة، وهو ما حفز بعض الشعراء لقول قصائد توالت بعدئذ في مديح هذا الصنيع.
وفيما الشمس تأخذ طريقها للمغيب خلف الجبال، وقوافل الشعراء تغادر الحمراء، كانت رسالة تقدير من الشاعر أحمد بن هلال العبري تعانق شاشات الهاتف، مما قال فيها: لقد عاشت الحمراء يوما استثنائيا باستقبال أربعين شاعرا ( بل أكثر) مع جملة من إخوانهم وأصدقائهم وأبنائهم. فاستقبلتهم الحمراء جماعات ووحدانا بأهازيج الفرح. وكان كلما وصل أحدهم تتهلل الوجوه فرحا بتحقق هذه الزيارة الأخوية الأدبية. منبعها الشوق وسواقيها المحبة وأريجها أريحية وصفاء لمسناه من الضيوف الكرام.
حقا لقد كتب الشعراء لوحة إجلال للحمراء ببشاشة وجوههم وصفاء قلوبهم ولطف وقع خطاهم وهم يتجولون بين بساتين الحمراء والمسفاة وحارتها. لم تستقبل الحمراء مثل هذا الالق الشعري الذي اجتمع في سبلة السحمة ثم في سبلة الصلف ولم أتخيل أن أرى زوارا بهذا البهاء في بيت الصفاة وفي مزرعة المنيزف.
ومهما قدمنا ومهما قلنا ولو أطال العازي أو تفنن شعراء الحمراء في الترحيب فلا يعادل مفارقة الشعراء أهلهم منذ طلوع الشمس إلى غروبها لأجل الأخوة والشعر ولا يعادل قصيدة واحدة من القصائد التي سبقت وصولهم أو تشكلت وهم تحت نخيلها ثم تجلت في الجلية الأدبية التي احتضنتها استراحة الهوتة في ثلاث ساعات شعرية خالدة.
كان حال ولاية الحمراء بعد أن غادرها الشعراء، متجسدا في القصيدة التي نظما الشاعر غصن بن هلال العبري، وفيها يقول:
واستيقظت من نومها لتقول هل كان حلما ؟ كيف ذا؟ معقول؟!
بالأمس كنت أرى شموسا بينكم كيف اعتراها – غصن – عنك افول
يا مهجتي انكات جرحا إنهم قد اوحدوني ههنا متبول
كل الأماكن أقفرت من بعدهم حتى الطيور أصابهن ذهول
يا ليت قالت ، قلت ليت من المنى أترى الأماني حبلهن يطول
لو كان لي يقف الزمان مطاوعا لطلبت منه عن الأفول يحول
فلتحفظي عيني دمعكما فلا جدوى لدمع ليس فيه وصول
يا بلدتي الحمراء حسبك شربة كالظبي ليس يعود حيث يؤول.

كان معهم : خلفان الزيدي @khalfan74

إلى الأعلى