السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / القول بذكورية اللغة العربية وانحيازها للرجل إتهام باطل

القول بذكورية اللغة العربية وانحيازها للرجل إتهام باطل

القول بأن اللغة العربية لغة “ذكورية” وبأنها “منحازة” للرجل يعني، على الأقل ضمنا، أنها لغة “غير منصفة” للمرأة، ولو كانت كذلك لما كان من المنطقي أن تكون الوعاء اللفظي الذي نزل فيه القرآن الكريم الذي يخاطب الرجل والمرأة معا بآيات تنص على حقوقهما وواجباتهما، حيث يقول الله تعالى “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”. ولذلك كان لا بد لهذه اللغة أن تكون منصفة للرجال و النساء حتى يستطيعوا فهمها والتجاوب مع ما نزل فيها من أحكام. وقد أخبرنا الله تعالى في حديث قدسي بأنه حرم الظلم على نفسه وجعله بيننا نحن البشر محرما حين قال “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، …”. بالطبع يمكن أن يقول الكثيرون أن هذا الخطاب فيه من “المثالية” العالية ما يبعده عن “الواقعية” التي نراها في عالم اليوم المليء بالتناقضات وبإثارة الخلافات. فيما سيأتي سوف نحاول الرد على الادعاء بذكورية اللغة العربية من خلال تقديم ثلاثة أدلة على بطلان هذا الادعاء مبنية على تركيب الكلمات في اللغة العربية و على فهمنا لآيات القرآن الكريم.
أولا، وكما يوضح التحليل التركيبي لأسماء اللغة العربية في الجدول رقم 1، فإن أسماء اللغة العربية تخلو من علامة تذكير، بل وإنها تحتوي على علامة للتأنيث، وهي “تاء التأنيث”، موضحة بالخط العريض (boldfaced). لتوضيح تركيب الكلمات سوف نكتبها برموز جمعية الصوتيات الدولية.

الجدول رقم 1: التحليل التركيبي للاسم في اللغة العربية بجميع علاماته الصرفية

كذلك وكما يوضح التحليل التركيبي للفعل الماضي والفعل المضارع، في الجدول رقم 2، فإن أفعال اللغة العربية لا تحتوي على علامة للتذكير، بل أنها تحتوي على علامات للتأنيث، وهي “تاء التأنيث” و”نون النسوة” و”يا المخاطبة المؤنثة”، موضحة بالخط العريض ((boldfaced، كما في رقم 4 و رقم 8 و رقم 10 و رقم 12 و رقم 14.

الجدول رقم 2: التحليل التركيبي للفعل الماضي والفعل المضارع بجميع علاماتهما الصرفية.

يجدر بالذكر أن جميع الدراسات اللغوية الحديثة (Noyer 1992، Harley 1994، Ritter 1997، Bejar 1998، Harley and Ritter 2002، Cowper 2005، Al-Balushi 2013) تتفق على أن معظم لغات العالم إن لم يكن كلها تخلو من علامات للتذكير و تحتوي على علامات للتأنيث. وهذا يدل على أن اللفظ “المذكر” لفظ “محايد” أو “لفظ يخلو من أي دلالة على جنس الفاعل – “genderlessبمعنى أنه يصح للذكر والأنثى.
ثانيا، وكما توضح الآيات الكريمة التالية، فإن ألفاظا كالاسم الموصول “الذين” ليست مذكرة، بل هي محايدة، وإلا لفهمت هذه الآيات على أنها أوامر وأحكام تخص رجال المسلمين ولا تخص نسائهم، وهذا فهم خاطئ لأن صيام رمضان وطاعة الله والرسول وأولي الأمر والتوبة إلى الله واجبة على جميع المسلمين، ذكورا وإناثا.
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”.
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ “.
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا”.
وإذا فإن هذه الألفاظ العربية ليست مذكرة ولا تعامل المرأة بانحياز ودونية، وإنما هي محايدة والدليل هو معاني الآيات السابقة و مثلها الكثير في كتاب الله.
ثالثا، وكما تؤكد الآيات الكريمة التالية من أن الفاعل المؤنث يتفق مع الفعل الذي يبدو مذكرا لأن هذا الفعل في حقيقة الأمر محايد، ولو كان مذكرا لما اتفق مع الفاعل المؤنث.
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ…”.
” وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي”.
” فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ”.
وكما تبين الآيات الكريمة التالية فإن الفاعل المؤنث (الضَّلَالَةُ) يتفق مع الفعل المؤنث في الآية الأولى ومع نفس الفعل “محايدا من حيث الدلالة على جنس الفاعل” في الآية الثانية، وتدل الآية الأولى هنا بما لا يدع مجالا للشك أنه كان لا بد من تأنيث الأفعال في الآيات الثلاث السابقة (جَاءَكُمُ، ذَهَبَ، جَاءَكُم) لو كانت فعلا مذكرة لتتفق و الفواعل المؤنثة (الْمُؤْمِنَاتُ، السَّيِّئَاتُ، بَيِّنَةٌ)، ولكن ذلك لم يحدث لأن الأفعال محايدة (و ذلك لأن كتاب الله، أو بالأحرى كلامه عز وجل، نزل في أكمل التراكيب و الصور النحوية والصرفية). وكذلك تبين الآية الثالثة اتفاق اسم إنّ المؤنث مع خبرها المحايد.
“فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ”.
“فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ”.
“إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ”.
ونلاحظ هذا النمط النحوي و الصرفي في جمل اللغة العربية أيضا من خارج القرآن الكريم، مثل ” حضرت النساء” و “حضر النساء”، و “سافرت البنات” و سافر البنات”. وهذا الرأي يشرح حقيقة أن كلمة “زوج” كلمة محايدة تصح للرجل والمرأة، كما توضح الآيتين الكريمتين التاليتين، على التوالي، وأن كلمة “زوجة” مؤنثة لاحتوائها على تاء التأنيث.
“قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا”.
“فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ”.
ومن وجهة نظر البعض فإن كلمة “وزير” مذكرة وكلمة “وزيرة” مؤنثة، ومن وجهة نظر أخرى (إذا آمنا باحترام الرأي الآخر) فإن كلمة “وزير” محايدة من حيث الجنس وكلمة “وزيرة” مؤنثة، و لذلك يصح أن نطلق كلمة “وزير” على الرجل والمرأة، ولكن لا يصح أن نقرن أسم رجل بلفظة “وزيرة”. ومن قبيل ذلك ألفاظ مثل “مدير عام” و”ضابط مدني” و”معلم أول” التي تطلق على الرجال والنساء. ويقابل هذا النمط الشائع في القرآن الكريم (من حيث أن الألفاظ المحايدة تصح للرجال والنساء) النمط الآخر، والذي توضحه الآية الكريمة التالية، حيث يحذر الله تعالى من السخرية من الآخرين تارة للناس جميعا (قوم) رجالا و نساء، و ليس للرجال فقط، وتارة للنساء فقط.
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ”.
يعيد الله تعالى التحذير من السخرية ل “النساء” في هذه الآية الكريمة ليؤكد التحذير للنساء لميل كثير منهن إلى التفاخر والسخرية من الآخرين خاصة وأنهن أكثر عرضة إلى النقاشات الاجتماعية.
يقول ألبرت أينشتاين (وهو غني عن التعريف) “إذا لم تتفق النظرية مع الحقائق، فغيروا الحقائق”. شخصيا، لا أعتقد أن شخصا مثل أينشتاين يوصي بتغيير الحقائق و ذلك لأنه يعلم مثل ما نعلم جميعا أن الحقائق لا يمكن تغييرها، ولو تظاهرنا بإمكانية تغييرها فإننا نخدع أنفسنا، و لكن ما كان أينشتاين يقصده، حسب فهمنا، هو دعوة لتغيير “فهمنا للحقائق” (و عدم التسرع في رفض النظرية) وذلك إما بمحاولة فهم الحقائق بطريقة أخرى أو بإعطائها لغيرنا لنرى إن كان بإمكانهم أن يفهموها بطريقة أخرى.
من خلال تقديم فهم آخر لحقيقة ألفاظ اللغة العربية، حاولنا في ما تقدم توضيح اللبس في ألفاظها التي تبدو مذكرة في ظاهرها، و قلنا أنها ليست مذكرة بل محايدة من حيث الجنس والدليل على ذلك هو خلوها من علامة للتذكير (بخلاف مرادفاتها المؤنثة). ونأمل أن نكون قد أثبتنا براءة اللغة العربية من ظلم المرأة، وأثبتنا أن اللغة العربية لم ترسخ لدونية المرأة و أنها لم تنتج خطابا ذكوريا طائفيا ضد المرأة كما يدعي البعض. طبعا لا يعني هذا أن اللغة العربية تخلو من ألفاظ تصح للرجال، و لا تصح النساء، كالضمائر “هو” و”أنتَ”. أما بالنسبة للألفاظ التي يعتبرها الكثيرون مذكرة رغم خلوها من علامات التذكير فقد اصطلح على “ذكورتيها” عبر القرون نتيجة لوجود ألفاظ مؤنثة (بها علامات تأنيث) مقابلة لها تستخدم للإناث. و إن كان هناك من تفسير آخر للحقائق التي سبق ذكرها في هذا المقال فهو أن اللغة العربية كرمت المرأة من خلال منحها ألفاظا تخصها ولا تصح لغيرها. فهل في ذلك تقليل من شأن المرأة؟

المراجع
Al-Balushi، Rashid. 2013. Verbal and Nominal Case Suffixes in Standard Arabic: A Unified Account. Brill’s Annual of Afroasiatic Languages and Linguistics، 5(1):35-82.
Bejar، Susana. 1998. Markedness and Morphosyntactic Representation: A Study of Verbal Inflection in the Imperfective Conjugation of Standard Arabic. M.A. Thesis، University of Toronto.
Cowper، Elizabeth. 2005. The Geometry of Interpretable Features: Infl in English and Spanish. Language، 81، 1:10-46.
Harley، Heidi. 1994. Hug a Tree: Deriving the Morphosyntactic Feature Hierarchy. In Andrew Carnie and Heidi Harley (eds.)، Papers on Phonology and Morphology، 275-288، Cambridge.
Harley، Heidi، and Elizabeth Ritter. 2002. Person and number in pronouns: a feature-geometric analysis. Language، 78:482-526.
Ritter، Elizabeth. 1997. Agreement in the Arabic Prefix Conjugation: Evidence for a Non-linear Approach to Person، Number، and Gender Features. In Proceedings of the 1997 Annual Conference of the Canadian Linguistics Association. University of Calgary: Department of Linguistics.
Noyer، Rolf. 1992. Features، Positions، and Affixes in Autonomous Morphological Structures. Doctoral Dissertation، MIT.

د. راشد بن علي البلوشي
أستاذ اللغويات المساعد ـ جامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى