الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاتفاق ..إيران وكلمات حق تُقال!

الاتفاق ..إيران وكلمات حق تُقال!

د. فايز رشيد

” إسرائيل وبدلاً من الاعتراف بوجود ترسانة نووية إسرائيلية كبيرة إضافة إلى مخزون كبير من أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيماوية، تود لفت الأنظار دوما إلى البرنامج النووي الإيراني المكرس لاستعمال الطاقة للأغراض السلمية, وتود تحريض دول العالم على توجيه ضربة عسكرية لهذا البرنامج!”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مثلما كان متوقعاً, تم الاتفاق بين إيران ومجموعة دول 5+1 على الموضوع النووي الإيراني. الاتفاق هو خطوة كبيرة بكل المعاني والدلالات. للعلم: ايران منذ البداية أعلنت بكل الوضوح انها لا تريد إنتاج القنبلة النووية وأن برنامجها مكرّس لاستعمال الطاقة النووية في الأغراض السلمية. من جانبه أفتى المرشد الروحي سماحة الإمام آية الله الخومنئي بتحريم إنتاج القنبلة النووية. بموجب الاتفاق ستخفض إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة تقل عن 4% , في المقابل سيجري إلغاء العقوبات تدريجيا عليها, وسيكون هناك مراقبة على برنامجها .. لا ضير في كل الذي تم.
حاسدو إيران والمروجون لأقاويل وإشاعات كاذبة من نمط:” امبراطورية الفرس” و”مدّ النفوذ الإيراني في الوطن العربي” و “التدخل الفارسي” و” الأحلام الإيرانية في التوسع” و” الصراع بين السنة والشيعة ” و” الدعم الإيراني للشيعة ” وإلى آخر هذه الأسطوانة الزائفة والبعيدة كل البعد عن الحقيقة, هؤلاء المروجون بدأوا منذ ليلة البارحة
( مباشرة بعد توقيع الاتفاق!) في التضليل, من خلال الادعاء : بأن ايران رضخت للغرب وتخلّت عن إنتاج القنبلة النووية! أقسم: لو أن إيران أنتجتها.. لروّجوا أكذوبة جديدة, ستكون من نمط “إيران أنتجت القنبلة بمساعدة واشنطن وتل أبيب”!. ايران كانت واضحة كل الوضوح حول هذه القضية.
من جانب ثان: لم يتفوه هؤلاء المروجون بكلمة عن ايران إبّان دكتاتورية وقمع وعمالة الشاه محمد رضا بهلوي لواشنطن والكيان والغرب عموما! من التاريخ: ايران جعلت من مستعمرة السفارة الإيرانية, مكانا للسفارة الفلسطينية في طهران. ايران تدعو بكل الوضوح إلى إزالة الكيان الصهيوني. ايران قاتلت الكوماندوز الاميركي الذين أرسلهم كارتر لإنجاز مهمة قذرة في أراضيها تحت غطاء ” تحرير الرهائن الاميركيين”. لو اختارت إيران مغازلة واشنطن مثل العديد من العواصم العربية لاعترفت بالكيان!. رغم كل الصعوبات, ظل الموقف الإيراني من الكيان واضحا لا غمامة عليه ولا لبس فيه. ايران تساعد كافة تنظيمات المقاومة الفلسطينية وحتى اليسارية منها ( وليس كمثلما يقولون عن مساعدتها لـ حزب الله, فقط لأنه “حزبا للشيعة!”) تساعدها تسليحا ومعونات مادية, وبخاصة بعد الأوامر الأميركية ـ الصهيونية: بتجفيف المساعدات لتنظيمات المقاومة. في فلسطين لا يوجد شيعة! رغم ذلك تساعدنا ايران. بالنسبة لوقوف إيران مع سوريا في معركتها العادلة نقول: جلبوا الإرهابيين من كل دول العالم! دول عربية وإقليمية وغربية كثيرة دخلت لمساعدة القتلة وما يسمى
بـ “المعارضة السورية”.. لم يستفزهم كل ذلك!؟ الذي استفزهم فقط هو مساعدة حزب الله لسوريا!؟ واضح ما هي الأهداف وراء الأضاليل: النيل من الحزب الذي يقول عنه الصهيانة: أنه مرّغ أنف دولتهم في التراب, والصهاينة ينتظرون سماع خطابات أمينه العام حسن نصر الله الذي يثقون في أقواله أكثر مما يثقون فيما يدّعيه قادتهم!. بمساعدة سوريا تم إدخال كل أسلحة الحزب التي استعملها ليس لهدف لبناني بحت هو: الصمود في وجه الكيان, وإنما للدفاع عن الوطن العربي برمته, والدفاع عن الكرامة العربية, والدفاع عن كل العرب وعن الإنسانية في وجه الهمجية والفاشية الصهيونية. فكيف بالحزب لا يقف مع هذه الدولة! الحزب استجاب وامتثل عن طوع لواجبه الأخلاقي والوطني والقومي العربي وتدخل في سوريا من أجل الحفاظ عليها في وجه مخططات القتلة والإرهابيين الذين يعالجون جرحاهم في المستشفيات الصهيونية وقد زارهم نتنياهو ووزير صحته أكثر من مرة!.
لقد استغلّ المروجون من قبل, اعتراف إيران بالهولوكوست, والذي جاء على لسان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف, وكذلك تهنئة روحاني لليهود بمناسبة أعيادهم الدينية, مثلما استغلوا حالة الانفراج التي أظهرتها إيران تجاه الغرب، للتشكيك بمصداقية طهران والدعاء بأنها تغازل أميركا والكيان!.
في سوريا قدّر لي أن أكون طبيبا في عيادة مخيم ” السيدة زينب” لسنوات طويلة , بعد ترحيلنا من لبنان. كنت موظفا مع الهلال الأحمر الفلسطيني. امتدّت الخِيم التي هاجر إليها فلسطينيون ولبنانيون ( بشكل أكثر) على مساحة واسعة من الأرض. للعلم بنايات المخيم يسكنها فلسطينيون وسوريون, ذلك قبل العدوان الصهيوني على لبنان عام 1982. رأيت بأم عيني المساعدات الإيرانية الدائمة( فقد تم اختياري مساعدا للجنة مشرفة على توزيع المساعدات) للاجئين بكل اثنياتهم: لم يسأولوا عن سني أو شيعي, لم يسألوا عن لبناني او فلسطيني أو سوري أو سكناجي! كان يتم التوزيع على الجميع!.
ورغم إعلان “حزب الله” بأن سلاحه من أجل مقاومة للكيان.. يطالبون بسحب سلاحه من لبنان بالرغم من الدور الأساسي للحزب في إجبار الكيان على الانصراف قسرا من الأراضي اللبنانية في عتم الليل عام 2000 ورغم الهزيمة التي أذاقتها مقاومته للكيان في عدوانه عام 2006, باعتراف الإسرائيليين, ورغم صموده الأسطوري في وجه العدوان الصهيوني الدائم على لبنان ( ولولا الرعب الصهيوني من ردود الحزب لاجتاح لبنان مرات ومرات!) وإفشاله للمخطط الصهيوني داخل لبنان. حزب الله يساعد هو الآخر المقاومة الفلسطينية بكل انتماءاتها الفكرية والأيديولوجية ,لم يشترط تقديم المساعدة “بأن تكون إسلامية التوجه”!.
للعلم أيضا: خصصّ لنا ( لي ولزوجتي) الصديق العزيز بلال شرارة وهو مساعد زعيم حركة أمل الأستاذ نبيه بري, سيارة طافت بنا كل أرجاء الجنوب اللبناني وصولا لرأس الناقورة, جولة استهلكت 10 ساعات, لم نر قطعة سلاح واحدة ولا مقاتلا واحدا للحزب! أذهلني الوضع فعلا, لأنني كنت أقارنه بما كان من قبل أثناء جولاتي في الجنوب. اجتهدت بعدها في كتابة البحث الذي نشرته في جريدة “السفير” حينها على ثلاث حلقات, وكان موضوعه “المقاومة الوطنية اللبنانية” التجربة.. السمات .. والاستفادة من أخطاء المقاومة الفلسطينية. البحث موجود للمهتم في كتابي بعنوان “قضايا حوارية.. فلسطينية وعربية”. لا اتزلف لا لحزب الله ولا لايران ولا لأي أحد كان .. أحاول كما كنت دوما في كتاباتي : أن أقول الحقائق وقناعاتي .. ولا لشيء غيرها.
إيران بالاتفاق كسبت الاعتراف الغربي بحقها النووي نتيجة لإصرارها اللامحدود على حقها في ذلك. الولايات المتحدة وحلفاؤها اضطروا للاعتراف بهذا الحق، وبذلك استطاعت إيران فرض سياسة الأمر الواقع, تماماً مثل السابقة الكورية, التي انتهت بدخول كوريا الشمالية إلى النادي النووي. في هذه القضية تحديداً يمكن أخذ النموذجين: الكوري والإيراني كمثلين يُحتذى بهما لدول نامية عديدة, ليس في المجال النووي فحسب وإنما أيضاً بالنسبة للسياسات الأخرى.
بالمقابل … لن تجد احداً في العالم منزعج من الاتفاق, مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهوالمكلّف, وهو أجاب أوباما عندما اتصل به الأخير لإعلامه بتوقيع الاتفاق, أجاب ” بان الاتفاق يحمل بذور الفناء لإسرائيل”!. بالمناسبة لولا رعب نتنياهو من ردود الفعل الإيرانية وكذلك ردود حزب الله .. لقام بضرب هذا المشروع منذ زمن طويل! ( هذه الاسباب ستكون موضوع مقالتي القادمة لـ ” الوطن” العزيزة في الخميس القادم بإذن الله).. إبّان فترة الرئيس محمود احمدي نجاد ومنذ مجئ الرئيس حسن روحاني إلى السلطة فإن نتنياهو وضع نصب عينيه: التحريض على ايران .. نتنياهو جُنّ من زيارة روحاني الى الأمم المتحدة وتصريحاته المعتدلة ولقاءاته مع زعماء غربيين كثيرين. القشة التي قصمت ظهر البعير: هي المكالمة الهاتفية التي أجراها أوباما مع الرئيس الإيراني، والتي جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي يصل الى حالة مشتعلة من الغضب. وجعلته يصر بالمزيد على تفكيك برنامج ايران النووي, والتهديد مرارا بأن لم تفعل فإن إسرائيل وحدها ستقوم بتوجيه ضربة عسكرية لهذا المشروع! نتحداه أن يفعلها!؟.
إسرائيل وبدلاً من الاعتراف بوجود ترسانة نووية إسرائيلية كبيرة إضافة إلى مخزون كبير من أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيماوية، تود لفت الأنظار دوما إلى البرنامج النووي الإيراني المكرس لاستعمال الطاقة للأغراض السلمية, وتود تحريض دول العالم على توجيه ضربة عسكرية لهذا البرنامج! نتنياهو وبعد فوز حزبه بالانتخابات التشريعية الأخيرة، وبعيد تكليفه بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة (الحالية) ومن على منابركثيرة أعلن ويعلن: أن التحدي الأول بالنسبة لإسرائيل هو البرنامج النووي الإيراني. هكذا هم أصحاب الرؤوس الحامية في الكيان.
بالنسبة للقلق العربي من إيران النووية, فبإمكان دول عربية كثيرة: البدء في إنشاء مفاعلاتها النووية للأغراض السلمية. بالطبع فإن إسرائيل ستمانع أن تقوم مثل هذه المفاعلات في أية دولة عربية تتخذ مواقف تقدمية من الصراع مع الكيان, والدليل على ذلك ما قامت به إسرائيل من ضربة للمفاعل النووي العراقي. تبديد المخاوف من إيران يكون بامتلاك ما تمتلكه من وسائل, هذا من جهة. من جهة أخرى فقد أكدّ الرئيس الإيراني روحاني على حرص طهران على علاقاتها مع الدول العربية, وبخاصة مع الدول الخليجية.
إن أحد الدروس المستفادة من التجربة الإيرانية أيضا هو: القدرة العالية على تطبيق قانون تفاوضي, يمزج ما بين الصلابة والمرونة, فحتى في عهد الرئيس أحمدي نجاد المشهور عنه بأنه: غاية في التشدد, فإن شعرة معاوية بين إيران والدول الغربية, لم تنقطع بكافة المعاني. صحيح أنه كان هناك حصار غربي لإيران ومع توقيع الاتفاق سينتهي تدريجيا, لكنها صمدت أمام هذا الحصار. من ناحية ثانية فإن الاتفاق الأخير يؤسس لمرحلة جديدة من اتفاقيات عديدة قد تكون مستقبلاً حول البرنامج النووي الإيراني.
يبقى القول: نعم مضى زمن تجاهل إيران كلاعب إقليمي وحتى دولي كبير … والدليل هو الاتفاق الذي جرى توقيعه.

إلى الأعلى