الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. الاتفاق الإطاري: إيران قادمة والعرب إلى أين؟

شراع .. الاتفاق الإطاري: إيران قادمة والعرب إلى أين؟

خميس التوبي

يبدو أن الغرب المسكون بهواجس الصهيونية العالمية وعملائها والمتبني لخططها التآمرية وصل إلى قناعة تامة بأن حروب الحصار والمقاطعة كما الحروب العسكرية المدمرة، هي خيار أثبتت وقائعه وأحداثه وتجاربه أنه ليس بذي جدوى إلا مع الضعفاء فقط، وفي مقدمتهم العرب، لكنها مع القوى الموحدة والمعتزة بهويتها والمدافعة عن سيادتها وكرامتها واستقلالها لا يزيدها هذا النوع من الحروب والوسائل إلا قوةً وصمودًا وقدرةً على الابتكار والإبداع للوسائل البديلة لإفشال حروب الأعداء.
اليوم في العصر الحديث تقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية شهادة استحقاقها على المسرح السياسي العالمي بأنها من الدول التي نجحت في فرض إرادتها على الخصوم، وإثبات هويتها والتأكيد على استقلاليتها وسيادتها، وإفهامهم بأن هناك بونًا شاسعًا بين مؤسسات تقود دولةً وشعبًا إلى مراتب إلى العلا والتقدم والتطور والسيادة والاستقلال، وبين أفراد حولهم شلة من المرتزقة والمراهقين يقودون دولةً وشعبًا إلى مهالك الجهل والرجعية والتخلف وسيطرة أفكار الجاهلية، وأن لا مساومة على الثوابت الوطنية والقومية، وأنها مستعدة في الدفاع عن ذلك حتى آخر قطرة دم، ولهذا استطاعت إيران أن تفرض احترامها ونديتها أمام خصومها، فلم تقبل التفاوض معهم حول ملف برنامجها النووي من وراء حجاب أو عبر وسيط، بل على طاولة واحدة ووجهًا لوجه، رغم الضغوط الهائلة التي مورست على الغرب لمنعه من التفاوض، ورغم محاولات التحريض لتوريطه في حماقة جديدة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ويمكن القول إن الاتفاق الإطاري الذي توصلت إليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع المجموعة السداسية (5+1) حول البرنامج النووي الإيراني قد صب ماءً باردًا على الرؤوس الحامية لأولئك النافخين في كير المؤامرات والكراهية والأحقاد والفتن ما ظهر منها وما بطن، والمتاجرين بالحروب وحقوق الإنسان، وحوَّل بحار الأحلام والأمنيات والتحريض على الحروب والعداء، إلى طوفان أخذ معه تلك الخرسانات والجدران الإسمنتية المسلحة التي أقامها كيان الاحتلال الصهيوني وحلفاؤه وعملاؤه القدامى والجدد لتكون حائلًا بين طهران والغرب الساعي إلى وضع نهاية لحالة المواجهة التي دامت عقودًا.
وحسب المعايير الأساسية التي تضمنها اتفاق الإطار والمعلنة في البيان المشترك بأن تخفض إيران بمقدار الثلثين عدد أجهزة الطرد المركزي المستخدمة لتخصيب اليورانيوم، وأن لا تقوم خلال 15 عامًا على الأقل بتخصيب اليورانيوم بنسبة أكبر من 3.67%. وبقاء البرنامج النووي الإيراني تحت المراقبة عشر سنوات، وغيرها، فإنه وبشيء من القراءة الموضوعية وبعيدًا عن النظرة الضيقة والاصطفافات الطائفية وحتى السياسية حول الاتفاق الإطاري والمعايير الأساسية التي تضمنها والتي ستكون الأرضية نحو توقيع الاتفاق النهائي في الثلاثين من يونيو المقبل، يمكن الاستنتاج إلى ما يلي:
أولًا: إن نجاح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في انتزاع الاعتراف بحقها في امتلاك التكنولوجيا النووية واستخدامها السلمي يؤكد أن الغرب لا يعترف إلا بالأقوياء، ولا يركع إلا أمام الإرادات الصلبة وقوة الثبات على المبدأ، فالإيرانيون صحيح أنهم انكفأوا داخليًّا جراء العقوبات إلا أنهم تمكنوا من الاستفادة من الحصار الاقتصادي والسياسي والعزلة التي فرضها عليهم الغرب مدفوعًا برغبة كيان الاحتلال الصهيوني واللوبي الصهيوني المؤيد والداعم له، في الاعتماد على أنفسهم ووظفوا إمكاناتهم وقدراتهم الذاتية، واتجهوا إلى بناء الإنسان الإيراني فكرًا وعلمًا وثقافةً، مستفيدين من التجربة اليابانية، وغيرها من الشعوب التي مرت بمثل هذه السيناريوهات، واستطاعوا الاستفادة من الخبرات النووية والتكنولوجية السوفيتية بُعيْد انهيار الاتحاد السوفيتي واستقطاب العلماء الروس وغيرهم ضمن منظومة الاتحاد السوفيتي، كما استقطبوا بعض العلماء العراقيين الذين نجوا من المقتلة الصهيو ـ أميركية أثناء الغزو الأنجلو ـ أميركي وبُعيْده.
ثانيًا: إن هذا الاتفاق يمثل فتحًا سياسيًّا إيرانيًّا حيث بموجبه ستنفتح الجمهورية الإسلامية الإيرانية على العالم اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياحيًّا وقد دخلت النادي النووي من أوسع أبوابه، بعد سنوات من العزلة، ما يمكنها من استعادة وضعها كقوة إقليمية ودولية وكقوة نووية وعسكرية وعلمية واقتصادية، وذلك من خلال عودة رؤوس أموالها المجمدة في البنوك الأوروبية والأميركية والمقدرة بعشرات مليارات الدولارات، واستثماراتها النفطية ومعاودة دخول السوق النفطية، فضلًا عن الدور المركزي في التنمية العلمية والاقتصادية في مجالات الكهرباء والطب والزراعة والطاقة وغيرها والذي ستلعبه البرامج النووية؛ أي تحول إيران إلى قطب اقتصادي وثقل سياسي كبير في المنطقة والعالم.
ثالثًا: بينما اتجهت إيران إلى بناء الإنسان الإيراني والاعتماد على الذات وتوظيف ما لديها من إمكانات مادية وعلوم وفكر لمواجهة ما تراه حربًا كونية تستهدف وجودها، ولتصل إلى ما وصلت إليه من غزو الفضاء وبناء ترسانة عسكرية قوية، ولتفرض إرادتها على أعدائها، كان العرب على النقيض، حيث اتجهوا ـ ويا للخيبة والأسف الشديد ـ إلى بناء الحجر والمباهاة به، وإلى دُور القمار ومزاحمة المقامرين وإلى شراء الأندية الأوروبية وإلى تكديس الأسلحة ليس بهدف الدفاع عن أمنهم، وإنما من أجل تدوير تروس اقتصاد الأميركي والأوروبي ـ اللذين لا يزالون يتوهمون أنهما حليفان لهم ـ خوفًا من أن ينهار أو يصاب بالتباطؤ، تجاهلًا أو غباءً أن الأميركي والأوروبي اللذين يتحركان بأوامر الإسرائيلي إنما يريدان أن يعيدا العرب إلى عصر الخيمة والناقة ورعي الأغنام، منعًا من الانتفاع بثرواتهم النفطية وغير النفطية الهائلة، فيما راح الأميركي والأوروبي والإسرائيلي ـ ولا يزال ـ يبحث عن كل مؤامرة تطحن تروسها ثروات العرب وتهدرها ليستفيد هو من ورائها. كما اتجه العرب في آخر صرعات حماقاتهم إلى التآمر على أنفسهم وتخريب بيوتهم بأيديهم، ممتشقين سيف الطائفية والمذهبية من “حليفهم وصديقهم” الأميركي ـ الأوروبي ـ الصهيوني الذي صنعه لهم، ليبرروا نحر بعضهم بعضًا. وإمعانًا في ذلك ووفاء “للحليف والصديق” صدوا الإيراني بالنكران والتشكيك والتحريض حين عرض عليهم نقل تجاربه وخبراته النووية ليستفيدوا منها؛ فأي مبرر بعد ذلك للنحيب الذي تثعب مآقي العيون دموع الحسرةً والاتهام “للحليف والصديق” الأميركي والأوروبي ومن روائهما الصهيوني.
رابعًا: على الرغم من إصرار الجانبين الإيراني والأوروبي والأميركي على إكمال أشواط التفاوض حتى أمتاره الأخيرة وتوقيع الاتفاق النهائي، فإن الأمور تبقى مفتوحة لكل الاحتمالات ومرشحة للتصعيد وارتفاع وتيرة الصراع الطائفي، وبقاء الحالة الشاذة؛ اصطفاف عربي ـ صهيوني ضد إيران ووضعها الجديد، ويبدو أن الأميركي والأوروبي يخططان خلال السنوات العشر للرقابة على البرنامج النووي الإيراني والسنوات الخمس عشرة المتفق عليها لخفض نسبة التخصيب لاستغلال الانفتاح مع طهران استخباراتيًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا لزعزعة إيران من الداخل، وتصدير الثورات ودعم المعارضات والطوائف الأخرى وتحريضها، إذ إن السؤال الذي يبحث عن الإجابة هو: وماذا بعد المدة المحددة لتبطئة عمل البرنامج النووي؟ لأن بعد هذه المدة يفترض أن جميع المواقع النووية الإيرانية ستعمل بكامل طاقتها. وما يعزز هذه الشكوك، هو عدم رغبة إدارة أوباما طلب مجرم الحرب بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني تضمين الاتفاق النهائي اعتراف طهران بحق كيان الاحتلال في الوجود.
خامسًا: إن السياسة الهادئة والمتزنة والعميقة الثوابت للسلطنة، كان لها أثرها الفاعل في كل ما وصلت إليه الأمور والذي كان الاتفاق الإطاري ثمرة ناجحة من ثمرات تلك السياسة، ومثلما هو أمل السلطنة بإرساء دعائم الاستقرار العالمي، فإنها وجدت نفسها أمام دور اختارته بنفسها تحقيقًا لشغفها بمبادئ السلام والطمأنينة لكل شعوب الأرض قاطبة.

إلى الأعلى