السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “الناي السحري” لموتسارت ..أوبرا تفاعلية ورحلة روحية تناسب جميع الأعمار
“الناي السحري” لموتسارت ..أوبرا تفاعلية ورحلة روحية تناسب جميع الأعمار

“الناي السحري” لموتسارت ..أوبرا تفاعلية ورحلة روحية تناسب جميع الأعمار

تحتضن دار الأوبرا السلطانية مسقط هذا الأسبوع، وعلى مدى ثلاثة ايام، أول أوبرا تفاعلية مخصصة للأطفال والأسرة. لقد آثرنا اختيار الناي السحري كمسرحية مغناة والتي ألفها موتسارت عام 1791 في آخر عام من حياته، وذلك نظراً لملاءمتها لجميع الأعمار حيث إن العمل هو بمثابة رحلة روحية سعيًا وراء التنوير، والحقيقة، والنقاء، وطلب المعرفة. وبالنسبة للأطفال، فهي إلى جانب ذلك أيضاً، حكاية خيالية عن السحر وعن انتصار الخير على الشر والتسامح على الكراهية والعفو على الانتقام.
والأوبرا عبارة عن حكاية رمزية لا ترتبط أحداثها بأي مكان أو فترة تاريخية حقيقية، غير أنها تستحضر مصر القديمة من خلال شخصية “ساراسترو” الحكيم، ومعابده الثلاثة. وأوبرا الناي السحري لموتسارت هي قصة مليئة بالإثارة والتصورات والحكايات الخيالية. وبالتأكيد، فإن السحر ليس موضوعاً غريبًا على الأوبرا فأعمال الأوبرا الأولى التي تم تأليفها في إيطاليا من قبل “جاكوبو بيري” و”كلاوديو مونتيفيردي” على سبيل المثال، كانت جميعها تقوم على القوة السحرية التي تتميز بها الآلة الموسيقية لـ “أورفيوس” ، ألا وهي القيثارة. وعلى نحو مماثل في الناي السحري، فإن عزف “تامينو” على الناي يمكنه من ترويض الوحوش المتوحشة بفضل عذوبة ألحانه ويسهل عليه رحلته.

الدلالات الرمزية للأوبرا
وبوصفها حكاية خيالية، فإن الأوبرا ترتكز على قطبين متضادين؛ وهما الخير في مواجهة الشر، والنور مقابل الظلام، والحقيقة مقابل الخيال، والجانب الروحي مقابل الدنيوي. كما أن الشخصيات هي خليط غريب من خلفيات متنوعة. فمثلاً “باباجينو” هو “صياد طيور” لا يهمّه سوى الطعام والشراب، حيث يصطاد الطيور لملكة الليل، وبالتالي فهو يبدو على النقيض تماماً من الأصل النبيل لـ “تامينو”، الأمير الآسيوي. وكذلك الأمر، فإن “ساراسترو” الحكيم هو كاهن الشمس ويمثل النقيض من ملكة الليل الشريرة. ولكن ورغم أن الملكة تمثل مصدر الشرور، إلا أن ابنتها “بامينا” هي عكسها تماماً، فهي أعظم قوة للخير على نحو مكمّل للبطل النبيل “تامينو”. ورغم عدم وصولهما لمرحلة التنوير، فإن “باباجينو” ورفيقته “باباجينا” يقنعان بالملذات الحسية للطعام والشراب، وبخلاف “تامينو” و”بامينا”، فإنهما لا يطمحان إلى أي قيم عليا مثل الحكمة والحقيقة والروحانية.
وكعادته، يعطي موتسارت أهمية قصوى لشخصياته النسائية. فهي غالبًا ما تكون القوة التي توجه الحدث، كما تلعب الحكمة الأنثوية دوراً لا غنى عنه في الإرشاد والتوجيه خلال الرحلة الروحية. ولهذا السبب بالذات، فإن “تامينو” و”باباجينو” لا يكتملان من دون “بامينا” و”باباجينا” ، وفقط عندما تكون هاتان إلى جوارهما، فإنهما يهتديان إلى وجهتهما الروحية الحقيقية. وباتحادهما معًا، فإنهما يمثلان الصورة الكاملة التي أبدعها الخالق عز وجل. وفي الغناء الثنائي بين “باباجينو” و”بامينا” (“عند الرجال، أي حب”) نسمع كلمات “الزوج والزوجة، والزوجة والزوج يتوصلان للمعنى الإلهي.” والثنائية تلخص قصة الأوبرا الأخلاقية المتعلقة بالحب، والذي هو ثمرة النضوج والتجربة والحكمة. إنها علامة على وجود علاقة حميمية متبادلة واندماج حياتين في حياة واحدة.
تم تأليف موسيقى موتسارت خصيصًا لاستقطاب جميع الأعمار، ولكن طبقاتها المعقدة من الرمزية ودلالات الأعداد يمكن لها أن توفر نفس المتعة على قدم المساواة لكل من الهواة والمتخصصين على حد سواء. حيث تلعب الرمزية ودلالة الأعداد دورًا محورياً في الناي السحري من خلال تركيزها على اهمية الرقم ثلاثة فالأوبرا تضم 3 سيدات و3 ارواح، و3 تجارب؛ و 3 معابد (الطبيعة، والعقل، والحكمة). وبالمثل، ترتكز الموسيقى على سلالم ذات ثلاث علامات بيمول (مقام دو الصغير، ومي بيمول الكبير) كما تبدأ الافتتاحية بعزف مهيب لثلاث نغمات تآلفية مهيبة.

مشروع تربوي
تم تصميم هذا الإنتاج من قبل مسرح “تياترو سوشيالي دي كومو” الايطالي بشكل خاص للعائلة والأطفال. وقد تم اختصار الأوبرا على نحو يتناسب مع مدى تركيز الطفل وعلى نحو وثيق الصلة مع هاجس الطفل وشغفه بألعاب الفيديو. فبطل الأوبرا هو صبي يتوجب عليه أيضاً مواجهة وحوشه الخاصة في مخيلته. وفي هذا العمل، سيقوم طلابنا وأبناؤنا بالغناء بصحبة “تامينو” في رحلته نحو النور.
كما تتميز الأوبرا بالتفاعلية في نواح كثيرة، وكجزء من مهمتنا التعليمية والتوعوية في دار الأوبرا السلطانية مسقط، فإننا نتعاون مع العديد من المدارس الحكومية والخاصة، وعملنا على مدى الشهور الخمسة الماضية مع المئات من الطلاب والطالبات وأساتذتهم لاطلاعهم على تفاصيل القصة الدرامية والموسيقى في الأوبرا. وخلال أدائهم، سيتفاعلون مع الشخصيات ويغنون ويشاركون بفعالية في الأحداث. ونحن في غاية السرور لاستضافة أكثر من 2400 طالب وطالبة في 3 من عروضنا الصباحية التي لا تظهر في برنامجنا المنشور، جنبًا إلى جنب مع طلاب الجامعات ومختلف المنظمات والمؤسسات غير الربحية التي تعني بالطفل. فمشاركتهم لن تقتصر على الحضور فحسب، وإنما ستتجاوز ذلك إلى المشاركة الايجابية في الأداء.
وخلال العام، عملنا مع الطلاب لإعداد “حقيبة أدوات” خاصة تضم مصباحاً، ولوحة، وزوجاً من القفازات التي سوف يستخدمونها في لحظات خاصة اثناء العرض عندما تستدعي أحداث الأوبرا منهم ذلك. وفي العروض المسائية، ستقوم مجموعة من الطلبة المنتقاة بهذا الدور التفاعلي. وفي إضافة نادرة، سيقدم اثنان من الممثلين العُمانيين الموهوبين الحوار المنطوق لكافة الشخصيات في الأوبرا باللغة العربية.

رسالة سلام
من صميم اعتقادي بأن الموسيقى تحمل رسالة نبيلة للسلام والتسامح والتعايش وهي القوة الثقافية الإبداعية والخلاقة الأقوى التي تتخطى الحدود الجغرافية والاختلافات العرقية وتحتفي بتراثنا الانساني المشترك. والليلة، ستقوم شركة إيطالية بأداء أوبرا من النمسا في عُمان باللغات العربية، والإيطالية، والإنجليزية، وهذا دليل كافٍ على هدفنا المتمثل في التقريب بين الناس من خلال الموسيقى والفنون. هذه القيم العالمية المشتركة تتجلى في نهاية المطاف في هذا العمل الرفيع لموتسارت حين تتمكن قوى النور من تشتيت قوى الظلام، ويحقق الخير انتصاره على الشر. فأوبرا الناي السحري لموتسارت تدور في فلك الحكمة والانتصار وتوق النفس البشرية، بكل مكوناتها، للوصول إلى المعرفة والحقيقة والمحبة. وفقط في عالم موتسارت يمكن للسحر والحكايات الخيالية والمثل العليا للتنوير أن تتجسد في أبسط وأنقى وأعمق صورها.

ناصر الطائي
مستشار مجلس الإدارة للتعليم والتواصل المجتمعي

إلى الأعلى