الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تجليات الرؤية السامية .. في “تطوير العلوم الفقهية”

تجليات الرؤية السامية .. في “تطوير العلوم الفقهية”

محمد عبد الصادق

” “العدل أساس الملك” .. مبدأ ونبراس يهتدي بهديه كل من يعيش على أرض عمان الطيبة, شجرة وارفة أرسى دعائمها جلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ فجر النهضة المباركة, فالجميع أمام القانون سواء, والقضاء مستقل يفصل بين المتقاضين وفقاً للشرع ونصوص القانون, وما يمليه ضمير القاضي, دون تدخل من أي جهة كانت ,”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عندما شرع جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في بناء الدولة العمانية العصرية, لم يكتف بالبناء المادي لأركانها, وإنما امتدت رؤية جلالته السامية للبناء الروحي للإنسان العماني, وانتهاج سياسات تصون القيم و تراعي الأخلاق وتقوي الوازع الديني لدى الأجيال الناشئة, وتحافظ على المبادئ الإنسانية السامية والموروثات الاجتماعية الأصيلة التي تميز الإنسان العماني على مر العصور.
واعتمدت الرؤية السامية للبناء الروحي للإنسان العماني على ثلاث ركائز هي: الحرية والعدل والمساواة؛ حرية ممارسة العبادة للجميع وفق النظم والقواعد التي حددها القانون, ففي عمان لا يوجد أي نوع من التضييق على ممارسة الشعائر الدينية لكافة المواطنين, بل والمقيمين أيضاً؛ حتى إن لي أصدقاء أقباطا مصريين أسروا لي بأنهم يمارسون شعائرهم الدينية على أرض السلطنة بحرية أكثر مما هو متاح لهم في مسقط رأسهم بصعيد مصر, وأماكن العبادة مصانة وتفتح أبوابها لممارسة الشعائر للجميع وفقاً للقانون .
“العدل أساس الملك” .. مبدأ ونبراس يهتدي بهديه كل من يعيش على أرض عمان الطيبة, شجرة وارفة أرسى دعائمها جلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ فجر النهضة المباركة , فالجميع أمام القانون سواء, والقضاء مستقل يفصل بين المتقاضين وفقاً للشرع ونصوص القانون, وما يمليه ضمير القاضي, دون تدخل من أي جهة كانت, وحرية التقاضي وطلب الحقوق؛ متاحُ للجميع: مواطنين ووافدين, والحقوق المدنية والدستورية مكفولة لكل من يعيش على أرض السلطنة دون انتقاص أو تمييز.
والركيزة الأخيرة هي المساواة بين المواطنين, فالجميع يتمتع بحق المواطنة دون النظر لجنسه, أو دينه أو مذهبه أو عرقه, والفرص متاحة أمام الجميع لا تمايز ولا محاباة, ولا فضل ولا تزكية إلاّ للكفاءة والإخلاص في العمل وبذل الجهد والتفوق العلمي, ولا حماية لفاسد أو حصانة لمخطئ, وقد رسخ جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ هذا المبدأ عندما قال أعزه الله :” إننا نؤكد من هذا المقام على عدم السماح بأي شكل من أشكال الفساد ونكلف حكومتنا باتخاذ كافة التدابير التي تحول دون حدوثه وعلى الجهات الرقابية أن تقوم بواجبها في هذا الشأن بعزيمة لا تلين تحت مظلة القانون ” .
وتنبهت الرؤية السامية لجلالته منذ وقت مبكر لخطورة التجمد الفكري, والتوقف عن الإسهام الحضاري والتطوير لشتى مناحي الحياة؛ بما فيها العلوم الدينية, عندما قال ـ حفظه الله ورعاه ـ “إن التطوير سنة من سنن الحياة لا يمكن إيقاف عجلته, وعلينا جميعاً العمل بجد واجتهاد من أجل رفد عجلة التطور بالمزيد من عوامل التقدم, وتكريس النموذج العماني في التجديد الحضاري, والذي يواكب العصر في نهج متدرج لتحقيق التطوير المستدام”
وثمن جلالته قيمة العلم وأكد على أنه السلاح القادر على مواجهة تحديات المستقبل عندما قال أعزه الله :”إننا نعيش عصر العلم ونشهد تقدمه المتلاحق في جميع المجالات, وأن ذلك ليزيدنا يقيناً بأن العلم والعمل الجاد هما وسيلتنا لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء نهضة قوية ومزدهرة على أساس من قيمنا الإسلامية والحضارية”, وأعطى جلالته الضوء الأخضر لعلماء الدين ليطرقوا باب التطوير والاجتهاد لمواكبة التغيرات المتسارعة في المجالات الاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية, في ظل عالم يموج بالقضايا والحوادث المتلاحقة التي لا سبيل لمواكبتها ومسايرتها من قبل المسلمين وعلمائهم ومفكريهم إلا بفتح باب الاجتهاد الفقهي وتجديد الخطاب الديني ليستوعب هذا الواقع الجديد ويتعاطى مع مفرداته”
وكانت ندوات “تطور العلوم الفقهية”, التي بدأت أولى دوراتها عام 2001م, وتقام الآن فعاليات دورتها الرابعة عشرة بعنوان “فقه العصر: مناهج التجديد الديني والفقهي”, استلهاماً لرؤية جلالته بضرورة فتح باب الاجتهاد لتطوير الخطاب الديني وتحديث العلوم الفقهية؛ عندما قال جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ في خطابه بمناسبة العيد الوطني الرابع والعشرين المجيد:” لقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن بالحكمة والبيان، وضَمـَّنه المبادئ العامة والقواعد الكلية للأحكام الشرعية، ولم يتطرق فيه إلى جزئيات المسائل التي يمكن أن تختلف باختلاف الزمان والمكان، وذلك ليتيح للمسلمين الاجتهاد في مجال المعرفة والفهم الديني، واستنباط الأحكام لما يستجد من وقائع وفقا لبيئاتهم وللعصر الذي يعيشون فيه، مع الالتزام الدقيق في هذا الاستنباط بتلك المبادئ العامة والقواعد الكلية، وعندما انتشر الإسلام خلال العصور التالية للعهد النبوي ظهرت مسائل جديدة، احتاج المسلمون إلى معرفة حكم الشرع فيها، فماذا صنعوا؟ لجأوا إلى الاجتهاد واستنبطوا الأحكام المناسبة، وكان من نتيجة ذلك هذا التراث الفقهي الثري المتنوع، الذي نفخر به اليوم لقد أثبتوا أن الشريعة قادرة على مواجهة مختلف الظروف في مختلف البيئات”.
تناولت الندوة على مدار دوراتها الماضية قضايا وملفات دينية وفكرية مهمة؛ منها نشأة القواعد الفقهية وأهم المؤلفات التي صدرت في علوم الفقه وأهميتها في ضبط الفقه والفتوى, كما عرضت لجهود العلماء العمانيين وإسهاماتهم في تطوير الفقه الإسلامي, وناقشت مؤلفاتهم وآراءهم وقواعد وضوابط علومهم الفقهية, كما تناولت الندوة في إحدى دوراتها التأليف الموسوعي والفقه المقارن واستعرضت نشأة الموسوعات الفقهية في العالم الإسلامي وطبيعة تأليفها ومقاصد العلماء من وراء إصدارها, كما تم دراسة ومناقشة الأفكار والآراء التي وردت في بعض الموسوعات العمانية ومقارنتها بالآراء المخالفة, في إطار دراسة الفقه المقارن.
وكانت مقاصد الشريعة الإسلامية ودور العمانيين في الاعتناء بها على مر التاريخ عنواناً لإحدى الندوات التي تناولت أهم معالم الحياة الفقهية وتطورها من القرن السابع إلى العاشر الهجري, وكان فقه النوازل وتجديد الفتوى عنواناً لندوة نوقش فيها دور الفتوى ومكانتها وأهميتها والضوابط التي يجب مراعاتها في الإفتاء , والمراحل التي مرت بها الفتوى والمشكلات التي تواجه الإفتاء في العالم الإسلامي في الوقت الحاضر, وكيفية مواكبة الفتوى للتطور العلمي, كما استعرضت الأمور التي ينبغي الانتباه لها عند وقوع الكوارث والنوازل والمستجدات التي تطرأ في الحياة وكيفية معالجتها.
“التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي” كان عنواناً لندوة ناقشت ضوابط الاجتهاد ودعت لضرورة استمراره، وتجديد الفتوى لتتناسب مع اختلاف بيئات العالم الإسلامي وتجددها وتغيرها بتطور العلوم التطبيقية، كما ناقشت تقنين الفقه الإسلامي ومزاياه ومشكلاته, والجهود المبذولة لتطويره وتفعيله في صورة قوانين يستخدمها القضاء, كما طرحت ضوابط تجديد الفقه الإسلامي.
وتناولت ندوة أخرى الفقه الحضاري “فقه العمران” , وناقشت جوانب مهمة من التراث العلمي لدى المسلمين في مختلف علوم الدين , وما جادت به قرائح علماء المسلمين في مجالات البيئة والفقه العمراني, وفقه الأسواق, والموارد البشرية والمنشآت والمرافق والكون والكائنات, والحقوق المتبادلة, والنقد (العملة), وآداب الطريق وغيرها من الأمور الحياتية التي اجتهد فيها علماء المسلمين.
لم تقتصر إسهامات جلالته الحضارية على خدمة قضايا العالم الإسلامي المتعلقة بتطوير الخطاب الديني, وتحديث العلوم الفقهية, بل امتدت لتشمل تعزيز الحوار بين الحضارات والشعوب على مستوى العالم, والدعوة لقبول الآخر, وحث المجتمع الدولي على نبذ العنف والتسامح من أجل القضاء على التوترات الدينية والطائفية التي تعكر صفو العلاقات بين الأفراد داخل الدولة الواحدة, وبين الدول بعضها ببعض كما نراه اليوم في أماكن كثيرة من العالم.

إلى الأعلى