الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المشهد السياسي العربي: الهروب من المستقبل

المشهد السياسي العربي: الهروب من المستقبل

كاظم الموسوي

”واضح ما انتهت إليه القمة من فشل صريح، لا سيما في التعبير عن الملفات الحاسمة في المشهد السياسي، بل تحول اغلب ما صدر منها وعنها، وما بذل من جهود وامكانات، يصب في خدمة المشروع الصهيو غربي المعادي للأمة العربية. وما قدم في هذه القمة يعكس استمرار خيبة الأمل بمن يَحضَر او يُحضّر لما يسمى بالقمم العربية منذ انطلاقها والى اليوم.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يسجل المشهد السياسي العربي هذه الأيام حالة مركبة ومربكة من التعقيد والفشل تبلغ حدودا لا تحسد عليها الشعوب العربية، وقد تعرّضها هي والوطن العربي الى مخاطر جدية وقضايا مصيرية. قدمت الحكومات او من يعبر باسمها صورة لا ترضي اغلب المواطنين، من كل الاتجاهات او الانتماءات، برداءة استخدام السلطة او ادارة الدولة او التنمية او العلاقات بين الحكام والمحكومين وحقوق الانسان في العالم العربي والتنافس في التخادم والتوظيف لما هو بالضد من المصالح العربية والآمال والأهداف المنشودة لمستقبل عربي له حضوره التاريخي والراهن والمستقبل. وقد تكون مناسبة انعقاد دورة جديدة سنوية عادية لما يسمى بالقمة العربية أوضح شاهد، ووقوفها الكامل وبرمجتها لتوجه محدد، ابرز دليل على خطورة الممارسات ودجل التصريحات السياسية والتسابق في تكريس الانقسام والاستقطاب. كما ان اوضاع ما يسمى بجامعة الدول العربية ومؤتمرات أمينها العام ورؤساء دوراتها تقدم الانعكاس الكامل لما سجله المشهد السياسي العربي.
واضح ما انتهت إليه القمة من فشل صريح، لا سيما في التعبير عن الملفات الحاسمة في المشهد السياسي، بل تحول اغلب ما صدر منها وعنها، وما بذل من جهود وامكانات، يصب في خدمة المشروع الصهيو غربي المعادي للامة العربية. وما قدم في هذه القمة يعكس استمرار خيبة الأمل بمن يَحضَر او يُحضّر لما يسمى بالقمم العربية منذ انطلاقها وإلى اليوم. فالقضية المركزية لها والتي يتكرر ذكرها او الإشارة لها في بياناتها الختامية ومؤتمراتها تحولت إلى قضية ثانوية في الدورات الأخيرة. وما حصل في الأخيرة يكشف الكثير من الأمور. حيث تؤشر توجهات القمة ومن حضرها إلى مساعي التخلص من القضية وصداعها عليهم وتركها لمن يعمل من سنوات على تصفيتها ارضاء الى أعداء الأمة والتهرب من المسؤولية القومية والإنسانية منها، بل والعمل على خلط الأوراق فيها والانتهاء من العدو فيها وقبول التطبيع معه والتوجه الى ما انشغلت الدورة الأخيرة فيه.
كما ان المفارقات الصارخة فضحت الدورة الأخيرة بالذات، كما عرت دور الأمين العام لها، ومحاولات تسويق مشاريع تنطق باسم مخططات العدو الصهيو غربي للشعوب والأوطان. وهو ما يخجل فعلا تسميتها مثل الأمين العام للجامعة باسم الأمة وصفتها الحضارية. حيث بلغ بكثير من خطبائها إلى تصديق الاضاليل التي وجهت إليه، والخداع الذي بنيت عليه العلاقات الصهيو غربية والعالم العربي. ومما يثير العجب التوصيفات الكثيرة التي كررها بعض الخطباء لأصدقاء الشعوب العربية وداعميها في العالم والرأي العام الدولي، وشمولها او تخصصها في حملة سافرة ضد قوى المقاومة العربية التي هي العمود الأساس لبقاء الدول العربية واسمها ومكانها في المشهد السياسي العالمي. إذ بدونها لأصبحت المنطقة العربية مرتعا خصبا لأوهام القوى الاستعمارية ومن رغب الحماية منها، او تواطأ معها وتورط بها، وتنكر لإرادة الشعوب وقدراتها الوطنية. يضاف إلى تلك المفارقات الغريبة العجيبة في الرؤى والأفكار والوعي السياسي لما هو مهم وحيوي ومصيري في المشهد السياسي العربي والأمة والوطن، هو ترديد مفردات متناقضة عن العمل العسكري والعدوان والحرب وتبريرها بمطابقتها بمعاهدة التعاون العسكري التي وضعت في قرارات وميثاق الجامعة قبل أكثر من ستة عقود. بل والأكثر سخرية في هذه المفارقات هو تصريحات الأمين العام للجامعة حولها وهو الذي صمت عليها سنوات خدمته ومن سبقه أيضا، وإسنادها قانونيا وتبريرها سياسيا، وهو كما يدعي رجل قانون وأستاذ سابق للقانون الدولي. لقد كشف في هذه القضية وحدها كم هو بعيد عن القانون والعمل العربي وميثاق المنظمة التي يديرها وهزال المواقف المباعة سلفا. (ماذا سيكتب التاريخ؟)، كما حدث مع سلفه الذي جاء خلفا له في كل ما اساء لمواقفه ودوره واسم منصبه في الجامعة التي تسمى بأسماء من يدعمها ويغير قواعدها. وهذا الأمر يلح بالمطالبة بإجراء إصلاحات واسعة في جامعة الدول العربية، كمؤسسة إقليمية، وإعادة العمل من جديد بدورها العربي الذي يجمع ويدافع عن اسمها ومصالح الشعوب والأوطان التي تتسمى بها. إضافة الى التفكير الجدي في تجديد ميثاقها وآلياتها ومعاهداتها وعلاقاتها الإقليمية ومكانتها العالمية.
هذه الصور المحرجة والمخجلة لمن حاول الظهور في واجهة المشهد السياسي العربي تكشف البؤس الذي بلغه والفضائح التي تمارس فيه. حيث تكرس عمليا إدارة المشهد بقوى لا تمثل مصالح الشعوب العربية ولا مطامحها في مستقبل امن متقدم ومتطور. فكأن من يقوم بذلك يعمل للتهرب من المستقبل والـتشبث في أوهام مزينة له واستخدام وظيفي مضلل، لم يستفد من دروس التاريخ وأساليب الاستعمار الصهيو غربي ومخططاته التي رسمها للوطن العربي، وعنونها بالتفتيت والتقسيم وإثارة النعرات والفتنة الطائفية والعرقية، واستثمر فيها ثروات الشعوب العربية وعمل على تدمير الوحدة الوطنية والاستقلال السياسي وتخريب الدور الحضاري والإنساني للأمة والمكانة الاستراتيجية للوطن العربي.
يعبر المشهد السياسي العربي مرات أخرى عن أخطاء جسيمة في الوعي السياسي لمن يقرر فيه او من له الإمكانيات الوفيرة في القرارات فيه، مباشرة او مراوغة، ويبين كم هو بعيد الفرق بين ما يحدث في الواقع وما يجب ان يكون عليه؟. وتشير الوقائع إلى مدى الانحدار والهبوط في الممارسات السياسية الرسمية على مختلف الصعد والاتجاهات، ومدى التأثيرات الخارجية والضغوط الأجنبية على سير تلك الوقائع ومآلاتها. ان ما حصل ويحصل في المشهد السياسي العربي لا يسر أي عربي يعتز باسمه وبتاريخه وبوطنه العربي الكبير. ويتطلب اثارتها علنا والإضاءة فيها بشفافية وموضوعية وإخلاص حقيقي، بل أصبحت ضرورة ملحة اليوم قبل الغد. وان حاضر الأمة والعالم العربي في خطر حقيقي ولا بد من الانتباه له، والاستمرار صوب التطور والتقدم، والعمل على إيقاف التهرب من المستقبل.

إلى الأعلى