الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف: دمار كل شيء في العراق

اصداف: دمار كل شيء في العراق

وليد الزبيدي

خلال ايام القصف الأميركي عام 1991 سمع البغداديون دويا هائلا في احد الايام، وبسبب الضربات التي تعرضت لها الاتصالات حيث تم تدمير جميع البدالات في بغداد وغالبية المدن العراقية الأخرى، ولم يكن باستطاعة احد معرفة نتيجة ذلك القصف وما هي الأهداف الاستثنائية التي تم استهدافها بتلك الضربات الشديدة، لكن يتناقل البغداديون الأخبار، وتبين بعد ساعات أن الضربة القوية قد استهدفت الجسر المعلق ببغداد، وهو ليس جسرا يربط جانبي الرصافة والكرخ في منطقة الكرادة فوق نهر دجلة فحسب، بل معلما حضاريا ومعماريا جميلا من معالم العاصمة العراقية، ويتميز بارتفاع أعمدته الساندة ويمكن مشاهدتها في المدينة المعروفة ببنائها الأفقي وليس العمودي كما هو الحال في اكثر مدن العالم، ولم يكن سهلا معرفة الأضرار التي لحقت بالجسر، إلا لمن يستطيع الوصول إليه، فليس هناك بث ولا يتمكن الناس من التقاط التلفاز، كما أن محطات الطاقة الكهربائية قد تم استهدافها بالقصف ودمرت، لكن تناقل البغداديون صورة الجسر الذبيح استنادا إلى شهادات من الذين تمكنوا من الوصول إلى مكانه وتفحص مواقع القتل التي تعرض لها بالصواريخ الأميركية.
الحقيقة لم ارغب باستعراض قصة ذبح جسر وسط الدمار والخراب الهائل الذي طاول الكثير من المواقع في العراق، لكن تحدثت عن الجسر المعلق لما يرمز إليه من علاقة بين المكان واهل البلد وابناء المدينة، ففي اليوم التالي لتدمير الجسر، قرر احد الضباط العراقيين وهو مهندس معماري الذهاب مشيا لمشاهدة جسر بغداد الجميل بعد أن سمع بما تعرض له من قصف، ويبدو أن الفضول دفعه لزيارة المكان، ومن الطبيعي أن يرسم صورة له وهو مدمر قبل أن يراه، لأن الخبر يعطي صورة شبه كاملة عن الواقعة وما تعنيه، فهو جسر وتم استهدافه وأن الدمار قد اصابه وتحول إلى اشلاء كونكريتية متناثرة، وتوقفت حركة المركبات والسابلة عليه.
بعد دقائق من وصوله المكان ومشاهدة ما جرى للجسر البغدادي اصيب العميد المهندس بنوبة قلبية وهو ما زال بعز شبابه، وسارعوا إلى نقله للمستشفى، لكنه ما زال يبكي ويتحشرج، حتى لفظ انفاسه الاخيرة بعد أن شاهد الجسر الذبيح وقد تحول إلى خراب ودمار.
لا اعرف قصص الذين ذرفوا الدموع على جسر الشهداء الذي اخترقه احد الصواريخ واحدث فتحة بأحد جوانبه، وربما اصيب البعض بنوبة قلبية، ولكن بالتأكيد ثمة الكثير من العراقيين الذين تأثروا لما شاهدوه من دمار للمصانع والمعامل والمنشآت العراقية بفعل القصف الجوي والصاروخي الذي طالها إبان حرب الخليج الثانية.
فكانت بداية التدمير الممنهج للعراق بناء وناسا. وإذا استطاع العراقيون اعادة بناء العديد من المنشآت الخدمية مثل الكهرباء والماء والمستشفيات وحتى اعمار جسر الشهداء والجسر المعلق فإن جرح الإنسان الآخر يصعب اعماره.

إلى الأعلى