الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. التجديد الديني والفقهي .. مسؤولية الفقهاء والعلماء

رأي الوطن .. التجديد الديني والفقهي .. مسؤولية الفقهاء والعلماء

يمثل الفقه الإسلامي علامة بارزة وواضحة ودليلًا على حيوية الدين الإسلامي واستمراره وقدرته على مواكبة كل القضايا المستجدة في كل عصر ومصر، وكذلك لكون أن طبيعة البشر متطورة متجددة وليست جامدة، وكون هذا الدين كرسالة خاتمة وخالدة فمن مقتضيات خلود الرسالة أن تستوعب كل الأحوال التي تعتري حياة أتباعها، ومن سمات الفقه الإسلامي كركن لا يمكن الاستغناء عنه وتتوقف عليه وتنتظم وفقه الحياة الإنسانية، التجدد، وكما هو معلوم أن الفقه عبارة عن أحكام شرعية يتم استنباطها من أدلتها التفصيلية وهي الكتاب والسنة، وقد نشأ منذ صدر الإسلام عندما كان الصحابة رضوان الله عليهم يرجعون في كل ما يشكل عليهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعد انقطاع الوحي اجتهدوا رأيهم فيما يستجد من مسائل، حيث كانوا يرجعون إلى كتاب الله وإن لم يجدوا فيه رجعوا إلى سنة رسول الله، وإن لم يجدوا فيها قاسوا الأشياء بأشباهها، واستمر الحال إلى أن وصل إلينا بهذا الكم والكيف.
وما هو معلوم أن الأحكام التي جاءت في كتاب الله منها ما هو مجمل ومنها ما هو مفصل، كما أن السنة النبوية جاءت بأحكام وفصلت أحكامًا في القرآن الكريم وشرحتها، ومن حكمة الإسلام أن أعطى العقل مساحة واسعة من الحرية والتفكير فيما يستجد من مسائل وقضايا، أو فيما يتطور ويتغير بتغير الزمان والمكان، لاختيار الناس ما يؤدي إلى تحقيق مصالحهم في الدنيا ويحققون به في الوقت ذاته رضا ربهم، كما أن إعطاء الإسلام للعقل فرصة لأن يفكر ويبدع ويجدد لهو أبلغ دليل على احترامه العقل الذي يتميز به الإنسان عن سائر المخلوقات وينال به شرف التفوق عليها.
وتعتبر ندوة تطور العلوم الفقهية في دورتها الرابعة عشرة التي بدأت صباح أمس الأول بفندق جراند حياة مسقط تحت عنوان (فقه العصر: مناهج التجديد الديني والفقهي)، من أهم المعالم الدالة على الاهتمام الكبير الذي توليه السلطنة بقضايا الفقه المستجدة، وضرورة تأطيرها هي وما يناسبها من أحكام شرعية في إطار صحيح وملائم يسهل الوصول إليه عند الحاجة، كما تنم عن مدى الاهتمام الذي تبديه السلطنة في هذا المجال من منطلق خدمة هذا الدين وأهمية تعريف السواد الأعظم بما يدور حولهم من نوازل ورؤية الشرع فيها، بالإضافة إلى إبراز الجهود العظيمة للعلماء العمانيين في الاهتمام بهذا الدين بالفهم والشرح والتفسير والاستنباط والبحث والدراسة والدعوة والنشر والتأليف والتحقيق، انطلاقًا من قبول الإنسان حمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، ولا تقل تلك الجهود عن جهود غيرهم من المسلمين الذين خدموا الإسلام، كما أن هذه الندوة تأتي كرافد من روافد الفكر لخدمة الإسلام تعنى في جانب من جوانبها برعاية الأحوال الشخصية بما يحفظ الحقوق ويصون العلاقة بين الأفراد، ويحقق الأمن والاستقرار لاستمرار الحياة وإقامة شرائع الله وعباداته، وتدخل ضمن الاهتمام الكبير الذي يبديه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في هذا المجال.
إن هناك مجالات عديدة بحاجة إلى التجديد الفقهي والتقنين، في ضوء ما تفرزه الحياة المعاصرة من أساليب وطرائق عيش ومخترعات وابتكارات في كل مجالات الحياة، منها ما يتوافق مع الدين ومنها ما يتعارض معه، ومن المهم أن يعرف أبناء الإسلام موقف دينهم منها، كوسيلة تنظم علاقتهم مع بعضهم بعضًا وغيرهم من المخلوقات، وتعرفهم ما لهم وما عليهم من حقوق وواجبات، لتأتي تصرفاتهم وسلوكياتهم مضبوطة بضوابط الدين، ويكونوا على بينة من أمرهم، ومن الأمور التي يجب أن يطولها التجديد، الابتعاد عن التقليد وترديد ما قاله العلماء السابقون لأن كثيرًا مما قالوه يناسب ما عايشوه من قضايا، والذي قد لا يناسب قضايا اليوم، لأنهم عاشوا في أزمنة محصورة واطلعوا على مشكلات محصورة، كذلك ضرورة الابتعاد عن الأساليب التي فيها إطناب والابتعاد عن الألفاظ المبهمة أو الغامضة وأن يكون الحكم الشرعي مقرونًا بدليله الصحيح الثابت.
على أن هناك مسؤولية كبيرة باتت تقع على عاتق الفقهاء والعلماء في عصرنا الحاضر الذي تلطخه دماء المسلمين المراقة في كل حدب وصوب، وتلبد سماءه الفتن الطائفية والمذهبية، جراء الجهل بالدين وعدم الفهم لمقاصده، وتحريف الفتاوى وإخضاع رقابها لأهداف سياسية ولنزوات شخصية وشهوات حيوانية لا تمت لا للدين ولا للبشرية بصلة، والذي تفوح فيه مراجل الكراهية والأحقاد والدسائس والمؤامرات، فهؤلاء الفقهاء والعلماء العارفون بمقاصد التشريع وأحكامه، والعالمون بما يصلح أحوال أمة الإسلام، معنيون قبل غيرهم بنقل هذه الأمة إلى الوفاق والألفة والمحبة والتراحم والتآخي وقبول الآخر، وأن أبناء هذه الأمة إنما يعبدون ربًّا واحدًا ويدينون بدين الإسلام، ويصلون الصلوات الخمس ويصومون شهرًا واحدًا وهو شهر رمضان، ويؤدون فريضة زكاة واحدة، وما الاختلاف الفقهي في الجزئيات إلا رحمة من الله بأبناء هذه الأمة لييسر لهم دينهم مراعاة لأوضاعهم المختلفة.
كما أن توعية المسلمين بالقوانين والأحكام الشرعية المستجدة على ضوء القضايا المستجدة، أمر مطلوب حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، وهناك وسائل وطرق كثيرة لنشر هذه التوعية.

إلى الأعلى