الإثنين 21 أغسطس 2017 م - ٢٨ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس : مسؤولية مجلس الإدارة تجاه الغير في شركات المساهمة العامة

القانون والناس : مسؤولية مجلس الإدارة تجاه الغير في شركات المساهمة العامة

نستكمل حديثنا في أحكام الشركات المساهمة العامة، وفقا لقانون الشركات التجارية العماني ونختم موضوعنا هذا بالحديث عن مسؤولية مجلس الادارة تجاه الغير. فقد يتجاوز الضرر الناشئ عن الأعمال والقرارات الصادرة من هذا المجلس الشركة والمساهمين فيها، ويصيب أشخاصا غير مساهمين في الشركة، يطلق عليهم “الغير”… وتخضع هذه المسؤولية في أحكامها للقواعد العامة في المسؤولية وبالتالي لا تتأثر بما يرد في النظام الداخلي للشركة أو حتى في قرارات الجمعية العامة من قيود إذ أنها تتعلق بأشخاص لا علاقة لهم بالشركة… وقبل الحديث عن طبيعة هذه المسؤولية نوضح للقارئ المقصود بالغير. فالغير جميع الأشخاص الذين يتعاملون مع الشركة من الخارج، أي غير المساهمين في الشركة، ومن ثم يدخل في مفهوم الغير الدائنون، وحملة سندات ديون الشركة وغيرهم من المقرضين والمتعاملين مع الشركة سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أم أشخاصا معنويين كالشركات الأخرى والبنوك… وبطبيعة الحال أشارت المادة (109) من قانون الشركات على مسؤولية أعضاء المجلس تجاه الغير مسؤولية تقصيرية باعتبار هذا الغير ليست له بحسب الأصل أية علاقة عقدية مع أعضاء مجلس الادارة. والجدير بالذكر أن مسؤولية أعضاء المجلس تجاه الغير تتحقق عندما يتصرف أعضاء المجلس بشكل مخالف لأحكام القوانين أو للنظام الأساسي للشركة… وتفسير ذلك أنه قد يتصرف مجلس الادارة بالمخالفة للقوانين والأنظمة الداخلية للشركة، ويترتب على ذلك أضرار تصيب الغير- وفي هذه الحالة يجوز للغير المضرور رفع دعوى التعويض على أعضاء المجلس مباشرة دون الرجوع على الشركة ذاتها، لأن الشركة غير ملزمة بتصرفات أعضاء المجلس المخالفة لأحكام القانون والأنظمة الداخلية أو التي تكون خارج حدود اختصاصاتهم… ومن أمثلة تلك الحالات التي تقوم فيها مسؤولية أعضاء مجلس الادارة في هذا الفرض حالة الغش والخداع التي يتعرض لها الغير كما في حالة اغفالهم أثناء التعاقد لبعض المبادئ القانونية أو إهمالهم أو تجاوزهم لصلاحياتهم أثناء التعاقد وتتحقق المسؤولية أيضا عند قيام مجلس الادارة بتقديم معلومات كاذبة عن مركز الشركة المالي فينخدع الغير بها مما يدفعه للتعاقد… ومن هذه الحالات أيضا، الحالات التي يتصرف فيها الأعضاء خارج سلطاتهم واختصاصاتهم… وفي هذا الصدد قد يثور تساؤل عن مدى مسؤولية أعضاء المجلس والشركة عن الضرر المترتب الذي يصيب الغير نتيجة قيام أعضاء المجلس بعمل أو تصرف مطابق لأحكام القانون والنظام الداخلي للشركة وفي حدود سلطاتهم واختصاصاتهم… في الحقيقة القارئ لقانون الشركات التجارية يجد أن المادة (104) منه أجابت على هذا التساؤل بالايجاب بقولها “تلتزم الشركة المساهمة بجميع الأعمال التي يقوم بها مجلس ادارتها ورئيس مجلس ادارتها ومديرها وسائر المشرفين على ادارتها إن وجدوا متى كانوا يعملون باسم الشركة وضمن حدود صلاحياتهم. يحق للغير حسن النية أن يقترض أي عمل يقوم به مجلس الادارة أو رئيس مجلس الادارة أو مديرو الشركة في سياق مزاولة الشركة أعمالها، هو ضمن الصلاحيات المخولة الى هؤلاء الأشخاص وهو يلزم الشركة، ما لم يكن الحد من صلاحياتهم مسجلا في السجل التجاري.”… ويفهم من النص أن الشركة تعتبر مسؤولة تجاه الغير عن التصرفات التي يقوم بها مجلس إدارتها أو رئيس المجلس إذا كانت هذه الأعمال قد جرت باسم الشركة وفي حدود صلاحيات واختصاصات من قام بها. ومن ثم يجب أن تعوض الشركة الغير عن أية أضرار تصيبهم من جزاء هذه التصرفات… ويحمد على المشرع أنه قد سهل على الغير عندما أقام قرينة لصالحه مفادها أن كل الأعمال التي تصدر من أعضاء المجلس ورئيسه تكون في حدود اختصاصاتهم، تكون الشركة مسؤولة عنها تجاه هذا الغير ما لم تكن هذه الحدود والصلاحيات مسجلة في السجل التجاري، حيث عندها يكون من السهل على الغير الإطلاع عليها ومعرفة حدود هذه الصلاحيات… وإذا أردنا معرفة أنواع الدعاوى التي يمكن للغير ممارستها يرفعها ضد أعضاء مجلس الادارة أو على الشركة والمجلس معا. فلم يتضمن قانون الشركات التجارية ولا تعديلاته اللاحقة نصا يحدد أنواع هذه الدعاوى والأمر هو ذاته في التعاميم والقرارات الصادرة من الهيئة العامة لسوق المال… وإزاء هذا الوضع فليس أمامنا الا الرجوع الى الفقه حيث حدد الدعاوى المتاحة للغير ضد أعضاء المجلس والشركة إذا توافرت حالة من حالات المسؤولية يمكن إيرادها في الآتي:
(1) الدعوى المباشرة: وهي بطبيعتها دعوى مسؤولية تخضع للقواعد يرفعها الغير بصورة مباشرة ضد أعصاء المجلس، وهي دعوى مسؤولية تقصيرية تماثل دعوى المساهمين الفردية التي يرفعونها على أعضاء المجلس ويشترط لقبولها توافر ركن الخطأ من جانب أعضاء مجلس الادارة، ووقوع ضرر من جراء هذا الخطأ وعلاقة السببية بين الخطأ ووقوع الضرر، وبالتالي يحصل الغير بمقتضى رفع هذه الدعوى على تعويض عن الأضرار التي أصابته من جراء أفعال وتصرفات أعضاء المجلس.
(2) دعوى الغير على الشركة “وهي دعوى مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعية” وترفع هذه الدعوى من الغير ضد الشركة بوصفها متبوعا عن أعمال المجلس أو أحد أعضائه بوصفهم تابعين للشركة. وترفع الدعوى عن الأفعال التي يرتكبها أعضاء المجلس أثناء تأدية وظيفتهم… ويجوز للشركة بعد ذلك الرجوع على العضو المسبب للخطأ… ويشترط لقبول هذه الدعوى- بطبيعة الحال وجود علاقة تبعية بين الشركة وأعضاء المجلس، ووقوع خطأ من جانب أعضاء المجلس باعتبارهم تابعين للشركة.
(3) الدعاوا المشتركة “وهذه الدعاوى يرفعها الغير على الشركة والمجلس معا وذلك حينما يقوم الغير بإثبات تواطؤ الشركة مع المجلس بقصد الاضرار به… بهذه المقالة نختم موضوع أحكام الشركات المساهمة العامة. ولمزيد من الايضاح نوصي القارئ الرجوع الى قانون الشركات التجارية، والقوانين المكملة له، والقرارات والتعاميم ذات الصلة…

سالم الفليتي
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى