الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : سوريا .. حين يصبح القلق وظيفة الأمم المتحدة

شراع : سوريا .. حين يصبح القلق وظيفة الأمم المتحدة

خميس التوبي

من النكات التي يتم تداولها حديثًا على مواقع التواصل الاجتماعي نكتة “بان كي مون (الأمين العام للأمم المتحدة) عمل أسهل وأعلى أجرًا” وتقول النكتة: “يتقاضى بان كي مون حوالي 35 ألف دولار شهريًّا كراتب لكونه الأمين العام للأمم المتحدة والمهنة الرئيسية له القلق، حيث عبَّرَ بان كي مون عن قلقه في السنة الماضية 167 مرة؛ أي بمعدل قلقة واحدة كل يومين، ومن الممكن القول: نصف قلقة باليوم”.
ويوم أمس الأول اكتفى مجلس الأمن الدولي بالتعبير عن “قلقه” مما يدور في مخيم اليرموك من جريمة ضد الإنسانية ترتكبها عصابات الإرهاب من “داعش” إلى “النصرة” وغيرهما من مشتقات تنظيم القاعدة الإرهابي، مطالبًا بالسماح للمنظمات الإنسانية بإدخال المساعدات للاجئين الفلسطينيين في المخيم، وذرًّا للرماد في العيون، أدان أعضاء المجلس “بأشد العبارات الجرائم الفظيعة التي يرتكبها “داعش” و”جبهة النصرة” ضد الـ18,000 من المدنيين في المخيم، وأن مثل هذه الجرائم لن تمر دون عقاب”.. وقبل ذلك فشل مجلس الأمن في الوصول إلى اتفاقات بشأن قضايا إنسانية عاجلة وملحة، ويبدو أن المنظمة الدولية بأمانتها ومختلف مجالسها أصبحت وظيفتها هي التعبير عن القلق والإدانة في أصعب الأحوال، والفشل المطلق في نصرة قضايا الشعوب العادلة.
وفي الميزان الإنساني والقانوني والشرعي، لا يمكن وصف هذا القلق بأنه إنساني أو قانوني وشرعي، وإنما يمكن وصف هذا القلق بأنه صك ـ وخاصة من القوى النافذة في المجلس والتي تقود المؤامرة على المنطقة ـ لإتاحة مزيد من الوقت أمام آلة القتل والعدوان، وأن مزيدًا من فصول العدوان الأكثر شراسة هي القادمة.
وفي قراءة تطور الأحداث في مخيم اليرموك بدخول إرهابيي “داعش” وبإسناد وتسهيل من أخواتها من العصابات الإرهابية، ـ وقبل ذلك طبعًا ـ بإيعاز من المشغِّلين والمموِّلين والداعمين المشكِّلين لمعسكر التآمر والعدوان، الخلوص إلى الآتي:
أولًا: إن سيطرة إرهابيي “داعش” على أجزاء كبيرة من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جاءت متزامنة مع حدثين مهمين هما: الأول، أثناء المفاوضات المكثفة التي خاضتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمجموعة السداسية (5+1) في مدينة لوزان السويسرية. والثاني، لقاء موسكو الثاني الذي يجمع وفدي الحكومة السورية والمعارضة السورية بالداخل ما عدا معارضة “صنع في الاستخبارات الأميركية والأوروبية” الموصومة بـ”معارضة الخارج” الممثلة في “الائتلاف”. ويأتي هذا التطور عقب سيطرة ما يسمى “جبهة النصرة” ومن معها من العصابات الإجرامية الإرهابية من مشتقات تنظيم القاعدة الإرهابي على إدلب، والهدف من ذلك واضح وهو محاولة تعديل الموازين في الميدان لصالح الإرهاب لتكون ورقة ضغط بيد معسكر التآمر والعدوان يمكن له أن يصرفها في السياسة لصالح مشروعه التخريبي التدميري التآمري، ويبتز بها حلفاء سوريا في إيران وروسيا، فضلًا عن محاولة إفشال لقاء موسكو.
ثانيًا: من الواضح أن غرفة العمليات المشتركة لمعسكر التآمر والعدوان على سوريا قد نجحت بعد تنسيق الجهود في توحيد صفوف أدوات إرهابهم وإجرامهم، وذلك من خلال تجميع ولاءاتها المقسومة بين قوى معسكر التآمر والعدوان، فمعروف أن كل عصابة إرهابية تابعة لقوة من قوى ذلك المعسكر، ولعل إدلب وبصرى الشام ومخيم اليرموك خير دليل على ذلك؛ أي يأتي هذا التنسيق في إطار عمليات قضم القرى والمناطق وسلبها من سيطرة الحكومة السورية.
ثالثًا: في مخيم اليرموك يبدو أن غرفة العمليات تجري حاليًّا التنسيق ذاته، فتبادل الاتهامات بين العصابات الإرهابية وإلقاء المسؤولية على عصابة “جبهة النصرة” بتسهيل دخول عصابة “داعش” في المخيم، وطلب عصابة ما يسمى “جيش الإسلام” من “النصرة” تسهيل دخوله إلى المخيم بحجة مقاتلة “داعش” هو مقدمة لتحقيق عدة أهداف منها:
أولًا: التمهيد لتجميع صفوف هذه العصابات الإرهابية لتكون خنجرًا مسمومًا في خاصرة العاصمة دمشق. وثانيًا: تشتيت الجيش العربي السوري بهدف إفشال التحضيرات التي يجريها لاستعادة إدلب. وثالثًا: استهداف أحياء دمشق من المخيم بالصواريخ وقذائف الهاون، وبناء شبكات أنفاق موصلة إلى العاصمة. ورابعًا: الدعاية السياسية لتشويه صورة سوريا التي ناضلت من أجل قضية فلسطين وضحت من أجل دعم شعبها ومقاومته، بأنه ها هي سوريا التي تقول إنها مع المقاومة وتدعم القضية الفلسطينية، تضحي بالفلسطينيين وتشرد بهم وتجعلهم كبش فداء.
رابعًا: وهذا هو الأهم، فقد أثبتت كل الأحداث الإرهابية الإجرامية في المنطقة والتي تقوم بها جميع العصابات الإرهابية صنيعة الاستخبارات الأميركية والأوروبية والصهيونية والإقليمية والممولة عربيًّا، أنها لخدمة سيدها الطرف الأصيل في المؤامرة وهو كيان الاحتلال الصهيوني، فتهجير اللاجئين الفلسطينيين من مخيمات اللجوء في سوريا وتشريدهم في مختلف أصقاع الأرض، هو جزء من مخطط تدمير دول المواجهة أو الدول الداعمة للمقاومة الفلسطينية، بمعنى أن هذه العصابات الإرهابية ومن أنتجها وموَّلها، الوجه الآخر للاحتلال الصهيوني في المنطقة، إذ ليس هناك عقل سليم وفطرة سوية أن يقبلا أن هذه العصابات المتكونة من الأميركيين والأوروبيين والشيشان والباكستانيين والأفغان والأتراك ومن بلاد المغرب العربي والخليج وغيرهم هي المعارضة السورية التي يجري تسويقها على أنها “المعارضة المعتدلة”، ولن يتقبلا أن قطع أعناق الفلسطينيين وسحلهم في مخيم اليرموك، كما يُفْعَلُ بأبناء الشعب السوري والشعب العراقي، وتدمير البنى التحتية وضرب المؤسسات العسكرية والأمنية، وتهجير الفلسطينيين والشعب السوري والعراقي أن يكون من أجل “دعم” القضية الفلسطينية و”مساندة” الشعب السوري والعراقي؟ فلا يُسلِّم بهذه الأوهام إلا مشتبه وواهم أو مغيب الفكر والوعي ومعزول عن الواقع أو مشارك في هذا العمل الإجرامي الإرهابي التآمري، وليس شرطًا أن يكون مشاركًا بنفسه، وإنما يكفي بتأييده وبماله لما يجري. ولذلك وفي ظل وظيفة القلق للأمم المتحدة وأمانتها ومجالسها، على المنطقة أن تترقب المزيد من الكوارث والمآسي الفائز فيها واحد وهو كيان الاحتلال الصهيوني، ما دام صانعًا ومهندسًا لها وما عداه خدمًا وأداةً بيده.

إلى الأعلى