الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : مكوننا الديموغرافي.. وتموقعه السياسي والاقتصادي

العين .. الثالثة : مكوننا الديموغرافي.. وتموقعه السياسي والاقتصادي

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

عندما نتأمل في المكون الديموغرافي لبلادنا، تبدو لنا مفارقتان متناقضتان جدا، وذات حساسية رفيعة جدا، وينبغي أن ينجم عنهما رؤية جديدة تدفع بالإصلاح الشامل فورا، لأنها أي الرؤية قد رسخت القناعات السياسية بالمكون الديموغرافي (السكان)، وبالتالي تلزمها بالعمل نحو تجسيد مضامينها دون تردد، وما أحوج بلادنا فعلا لمثل هذا الإصلاح الآن الذي يخرج من رحم القناعات السياسية المدججة بحجج أخبرتها واختبرتها معامل التجارب الماضية التي يكون لها الفصل القاطع في حسم الأمور، واي نتيجة تخرج من مصانع التجارب تكون أفضل من اية نتيجة تكون نتاج تجارب خارجية، بل نجد انفسنا ملزمين بالأخذ بها لحصانة تجربتنا التنموية من اية هزات داخلية أو خارجية، فكيف نتأمل مكون بلادنا البشري من المنظورين السياسي والاقتصادي؟ وكيف ظهر أي المكون كأكبر قوة سياسية لبلادنا؟
من الأهمية بمكان أن نوجه الفكر الوطني إلى هذه الزوايا المهمة جدا ربما تكون غائبة أو مغيبة مؤجلة بسبب الإفراط في الاعتداد بنجاحات ذاتنا الخارجية، وهذا مشروع ومن حقنا نفرح ونفخر ونتفاخر بأننا قد رسخنا دولة السلام ـ منهجا وممارسة ـ لكن ينبغي أن لا ننسى أو نتناسى واقعا سوف يكشف النقاب عن نفسه عاجلا وليس آجلا، وسوف يؤثر على الجوهر شئنا أم ابينا، وهذا الواقع لا نتعاطى معه هنا بصورة تقليدية وإنما من خلال ما انتجته لنا المرحلة الراهنة من مفارقتين متناقضتين جدا، وهذا التناقض ينبغي العمل على حل إشكاليته لكي يستقيم المنطق السليم، ويصحح المسار سريعا، وسعينا لتوجه الفكر إليه تحتمه عدة اعتبارات: اولها، أن الضرورة الوطنية تحتم تدعيم جبهتنا الوطنية الداخلية بمسارات إضافية أو تصحيحية لمواجهة إكراهات داخلية مقبلة، قد أصبحت معلومة بالضرورة، وثانيها، ضرورة انتقال بلادنا من مرحلة انكشاف القوة الحقيقية لها إلى ترسيخها في القناعات، وهي أي القوة التي تجعل من أمننا واستقرارنا الداخلي في منأى عن التأثيرات الخارجية وتغتال اية نوايا داخلية، وثالثها، لزوم الاستفادة الطبيعية من التجربة العمانية المتطورة بتجاربها وتعاطيها الكوني، ويبدو ان قدر بلادنا أن لا تكتشف كنوزها ومعادنها الثمينة الا في وقت الأزمات أو الحاجة إليها تحت اي ظرفية مستجدة، ونخصص هنا تحديدا، المكون البشري للدولة العمانية الحديثة، لكن، وهذا هو الأهم، ماذا يحدث بعد اكتشافاتها؟ وماذا ينبغي بعد ترسيخ القناعات الناجمة عن توالي الانكشافات؟ هنا تظهر المفارقتان، ففي كل المرات السابقة والحالية، تظهر بلادنا في جبهة سياسية داخلية متماسكة، وقوية بوحدتها الوطنية والترابية بصورة لافتة، ووراء كل ذلك، يكون دائما المكون البشري، لا نبالغ إذا ما قلنا بأنه اي المكون البشري يقدم نفسه كمصدر للقوة الاولى للبلاد في ظروف المرحلة الاقليمية الراهنة التي اصبح المكون البشري لدول المنطقة يشتت ويمزق وحدتها الترابية والسياسية، ويدخلها في صراعات لم تعد شأنا داخليا وإنما اقليميا وعالميا، فكل من يتابع افراح الوطن من شمالها وجنوبها بعودة القائد حفظه الله من رحلته العلاجية، وقبلها بإطلالته على شاشة التلفاز ومخاطبته شعبه، سوف يدرك الأهمية السياسية للمكون البشري للدولة، وفي الوقت نفسه يلقى على عاتق من شرفوا بمسئولية خدمته تحمل مسئولية عدم نجاحهم حتى الآن في تحويل قدراتهم إلى أن تكون اقتصاديا على نفس مستوى قوتهم السياسية، فلم يعملوا على تنميته والتحسين من مستوى معيشته ليس من خلال حقن الاحتواء المالي أو بعض المسكنات الأخرى، فهذا شأن آخر قد نتفق معه أو نختلف، لكنهم لم يحولوه إلى قوة لاقتصادنا الوطني، لن نتجاهل بعض الانجازات، لكنها لا ترتقي إلى قوتهم السياسية، ولا تتناغم معها بالتبعية على الاقل، وهنا تتجلى المفارقتان، الاولى، يظهر فيه مكوننا البشري كقوة سياسية داعمة للبلاد ومحصنة لأمنها واستقرارها من أية اختراقات داخلية وخارجية، والثانية، يظهر فيه العكس، حيث يعزا احتلال الاجانب للمناصب العليا والمتوسطة إلى عدم وجود مكون بشري مؤهل، وهنا نتساءل، من ينبغي أن يكون أو يؤهل من ؟ ومن ثم من يكون لديه مكون بشري بتلك القوة السياسية الكبرى، لابد أن يتساءل عن اخفاق تحويله إلى قوة اقتصادية تناغما أو تأسيسا على قوته السياسية؟ ليس هذا فقط، بل ينبغي القول صراحة، ونحن تحت تأثير تلك القوة السياسية التي تظهر كل يوم في مختلف ولايات البلاد، أن مكاسب تطورنا الاقتصادي يجب ان تنعكس ايجابا على المواطنين كتحسين نوعية حياتهم، وأن يكون أول المستفيدين من النمو الاقتصادي هم الباحثين عن عمل والمحتاجين من الشرائح الاجتماعية .. فمن لم تهزه مشاعر حب وولاء العمانيين لقائدهم، فمن المؤكد عنده مشكلة في الرؤية والإحساس، ومثل هؤلاء ليس لهم مكان في صناعة القرار أو التأثير فيه، المكان لمن يتناغم ايجابا مع قوتنا السياسية، ويعمل على انعكاس خيرات البلاد لصالحها، وفاءً مقابلا، او حقا من حقوقها الوطنية، ليس المهم هنا التسميات، الأهم أن هذا المكون البشري اثبت أنه يستحق أن يكون فعلا غاية التنمية بامتياز، ويستحق من الحكومة أن تقطع على نفسها التزامات مهمة تجاه تحويل رأسمالنا البشري إلى قوة اقتصادية عالية الانتاجية، وهذه الغاية لن تتحقق بآليات وسياسات العمل الراهنة، لماذا؟ لأنها جعلته خارج اطار الجذب الاقتصادي، ولا بد من اعادة النظر في تلك الآليات والسياسات وحتى المؤسسات، فحجج عدم وجود مواطنين مؤهلين لتولي المناصب العليا والمتوسطة مردودة على الجهات الحكومية وليس المجتمع، لأننا ـ كما تساءلنا سابقا- من ينبغي أن يؤهل من؟ والتأهيل الآن بعد انكشاف قوة مكوننا الديموغرافي على الصعيد السياسي قد أصبح لزاما على الحكومة كونها المديرة والمدبرة لشئون بلادنا، لزاما عليها أن تحوله إلى طاقات انتاجية بميزة تنافسية عالية، وهذا لن يتأتى لها الا إذا اعادت النظر في منظومات التعليم والتدريب والتأهيل والتوظيف لكل تخدم في الأساس الاقتصاد، وتمكن المواطنين من منحهم مجموعة خيارات لكي يحصلوا على الموارد المالية اللازمة لمستوى معيشة لائقة، فالمشكلات الكبيرة الناجمة عن تلك القضايا سوف تعرقل مجددا مسيرنا الوطني، وتجعلنا نواصل اعتمادنا على الوافدين بحجج عدم وجود مؤهلين، ولو نظرنا مثلا لمخرجات معاهد التدريب ـ لا نعمم- فسوف تزداد الصورة القاتمة .. فمخرجاتها ضعيفة ـ لا نعمم- ويكون مصيرها زيادة ثقل قافلة الباحثين عن عمل، وبالتالي زيادة العبء الكبير على الحكومة، وإشكالية المعاهد تعد مفصلا مهما من مفاصل مشكلات التعليم والتدريب والتوظيف، كيف؟ فلو أخذنا مثلا مخرجات الدبلوم العام (الثانوية) للعام 2012، فسوف نجد عددهم قد بلغ (53) الف طالب وطالبة، واستطاع ثلثهم فقط الحصول على نسبة (70%)، وهذا النمط هو المتوقع أن تكون عليه الأعوام التالية، وهذا يعني أن أكثر من (35) الف طالب وطالبة من خريجي الدبلوم العام سنويا يجب ان نجد لهم فرصا تدريبية ذات جودة وعالية المهنية من أجل أن نلحقهم في القطاع الخاص، ولن توفر لهم آليات التدريب الراهنة هذه الإمكانية، إذن، هنا مشكلة أخرى كبيرة نفتحها تضاف كذلك لمجموع المشاكل التي فتحناها في مقالين متتاليين، فهل هناك من يقلق مثلنا على تزايد وتراكم المشكلات الناجمة عن قضايا التعليم والتدريب والتوظيف والتعمين؟ تساؤل يتكرر معنا في ثلاث مقالات متتابعة.

إلى الأعلى