الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأجيال العربية.. الأسئلة والمصير، الواقع والمآل..

الأجيال العربية.. الأسئلة والمصير، الواقع والمآل..

علي عقلة عرسان

”إن المصداقية في كل شيء هي أساس، ولكن الوعي والمعطى المعرفي والإقناع القائم على الحجة والمنطق، أساس أيضاً، وما لم نتوجه في خطابنا الثقافي والسياسي والتربوي لأجيالنا إلى أسس علمية ومناهج عصرية تحفظ مقومات الهوية وتقترن بمصداقية في السلوك والعمل والتعامل، فإننا سنزيد الطين بلة ولا نخرج الناس من المآزق بل نعمق المآزق ذاتها ونحبط الناس.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأسئلة التي تلقيها الأجيال العربية الجديدة على نفسها، وعلى السياسة والثقافة والمؤسسات المعنية من حولها، كثيرة وعميقة، وما زالت تتراكم وتتوالد وتدوم في الجو بحثاً عن أجوبة يرتاح إليها العقل ويطمئن لها القلب وتتفتح لها براعم الأمل. ولأن تيار السؤال بروافده، من حيث المبدأ، هو دليل صحة، فإن عدم التوصل إلى أجوبة ضافية شافية قد ينقلب إلى مرض، فيدخل الإنسان في دوامة من التخبط والشك أو في دوائر من الضياع والإحباط والقنوط.
ومن أسئلة أجيالنا ما هو معلن يجلجل في فضاء المجتمع، ومنها ما هو خفي توسوس به النفس، منها ما يتعلق بالثوابت المبدئية والقومية والدينية وبمصير بعضها، ومنها ما يتعلق بمتغيرات عربية طغت هوامشها على بعض جواهر تلك الثوابت، ومنها ما يتصل بأمور تتعلق بالبنية الفكرية للفرد، وبمقومات بنية المجتمع وصلات أفراده وعلاقاتهم، وبالقيم والتقاليد التي تحكمهم، ومنها ما يتصل بدور الثقافة ومكانتها، وبالتاريخ والأصالة، ويطول الأصول بعد أن أتى في شكه وتشكيكه على كثير من الفروع.
ومن الطبيعي أن يكون للمتغيرات الدولية، التي شملت الفكر والسياسة والعلاقات والمصالح، والتنظيمات الحزبية والتركيبات الاجتماعية، أقول من الطبيعي أن يكون لها تأثير في طرح أسئلة وتعميقها، وفي إعادة عرض قضايا ومواقف وحتى ثوابت، على محكمة العقل.
وأيًّا كان مصدر السؤال أو سببه أو غايته، فإنه يبقى مدويًّا في فضاء النفس والمجتمع وفي سماء الوطن، يبحث عن جواب. وكلما كان استعدادنا لمواجهة ذلك الواقع أفضل كان وضعنا على الأصعدة جميعاً أفضل، لأننا نكون عندها ألصق بطبيعة الحياة وقوانينها ومنطقها الذي يتنافى مع الجمود والسكون، ولا يغيب فيه معطى الواقع بمجرد توهمنا بأنه غائب، أو بمجرد رغبتنا في أن يغيب.
ونماذج الأسئلة الملقاة عديدة ومتنوعة، ونسوق منها على سبيل المثال لا الحصر:
- هل الوحدة العربية ما زالت حلماً عربياً منشوداً أو سؤالاً عربياً مطروحاً؟!
- هل هناك مقومات فعلية ومبررات حقيقية لاستمرار مقولات القومية العربية، والحديث حولها والدعوة إليها؟! لا سيما بعد الذي جرى ويجري من اقتتال جعل أبناء الأسرة الواحدة أحياناً أعداء يقتل بعضهم بعضاً، وبعد ما شهدناه ونشهده من تحالفات عربية بعضها ضد بعض؟!
- هل هناك مؤسسات عربية ذات جدوى في العمل العربي المشترك؟! وهل قدمت تلك المؤسسات فعلاً يبرر وجودها، وما الذي يمكن أن تقدمه للحياة العربية في مواجهاتها المتنوعة، وللقضايا العربية والعمل العربي، ليسير باتجاه الأفضل، سواء بالنسبة لتلك المؤسسات أو للدول التي تساهم في تكوينها وتمويلها ودفع مسيرة عملها؟! وذلك ابتداء من جامعة الدول العربية وانتهاء بأصغر المؤسسات التي تدور في فلكها، أو تلك التي تكمل دورها، وللمؤسسات شبه الرسمية مثل الاتحادات المهنية وغير المهنية العربية؟!
- ما جدوى الحديث عن الصراع العربي الصهيوني في الوقت الذي يعلن تتحالف فيه دول عربية مع كيان الإرهاب الصهيوني، فضلاً عن الاعتراف به والتعامل معه من فوق الطاولة ومن تحتها؟!
وما هي مسوغات الحديث أيضاً عن التحرير والتصدي للعدو الصهيوني، حتى في الحالات التي يفرض فيها على العرب أوضاعاً وشروطاً ويملي إرادة ورأيًّا، ويمارس ضد الواقعين منهم تحت احتلاله المباشر أعمالاً غير إنسانية وغير قانونية؟! ما هي مسوِّغات الحديث عن تحرير وتصد، وما هي مقومات ذلك في ظل الضعف العربي المتنامي والتمزق العربي المستمر، وتدمير العرب لقواهم الذاتية في حروب داخلية مقيتة؟! وهل هناك مواجهة عربية فعلية محتملة في إطار الصراع العربي الصهيوني أو في إطار أي صراع، بعد أن وصلت العلاقات العربية- العربية إلى ما وصلت إليه؟!
- هل يفيدنا الكلام عن الأمجاد الماضية بعد الآن، وهل يستمر حديثنا حولها، وهل يمكن أن يشكل ذلك شيئاً أكثر من تضخيم الماضي الذي ينعكس ظلالاً من الوهم على الحاضر، ويقف معوقاً بوجه المواجهة الصحيحة والصريحة للذات، تلك التي ينبغي أن تبدأ اليوم والآن مسيرة مراجعة جذرية إذا أرادت أن يكون لها وجود؟!
- ما جدوى استغراق ثقافتنا ومثقفينا، أو قل إغراقهم، في إشكاليات وثنائيات مثل: الأصالة والمعاصرة- التراث والحداثة- الهوية والاغتراب، العقل العربي والعقل الغربي… إلخ إذا لم ينعكس ذلك بشكل إيجابي وعملي ملموس على الفعل الثقافي العربي والمثاقفة والتقدم، والحياة الثقافية العربية انعكاساً من شأنه أن يعزز رؤى وينضجها ويتجاوز اجتراراً وتكراراً لحالات تبعية مستترة أو معلنة؟!
- ما هي التأثيرات الفعلية التي تحققها الثقافة العربية في الوعي الاجتماعي والسياسي، ولا سيما في ممارسة الديمقراطية ممارسة سليمة، واحترام الحقوق والحريات الخاصة والعامة من جهة، وفي الانتقال بالجهد العربي في مجالات العلوم النظرية وتطبيقاتها، والتقنيات ومستجداتها، والإنتاج الوطني كله إلى حيز متقدم، ولا نقول تنافسي لأن ذلك أكثر من بعيد؟! أين مردود الوعي في الإنتاج والإنجاز والممارسة الشعبية، التي نراها اليوم تتردى في إنتاج التخلف والوحشية؟! وأين تأثير ذلك ومردوده في السياسة العربية على الصعيدين القطري والقومي؟! وهل يمكن أن تقوم علاقة سليمة بين السياسة والثقافة، وبين الثقافة والسياسة كطرف من جهة، وبين الجمهور بتنوعه من جهة أخرى، على نحو يؤثر تأثيراً إيجابيًّا في حياة الناس ومعيشتهم وأمنهم وعلاقاتهم وتربيتهم ومبادراتهم الخلاقة ذات المردود العملي على الوطن والأمة؟!
-هل هناك إمكانية لتغيير الخطاب العربي، بعد أن تغير الكثير من ذلك في العالم، وتغيرت أيديولوجيات وسياسات ونظرات وعلاقات، أم أننا سنذهب في الاتجاهات المعاكسة وبقوة انهاير تشير إليها الوقائع؟! ومن الذي عليه أن يبدأ ذلك.؟!
- هل هناك استعداد، ولو بدرجة متدنية، لمواجهة أوضاع الأجيال الصاعدة التي تدهورت بشكل ملحوظ جراء الأحداث الدامية في السنوات الخمس الأخيرة، وكيف ومتى يبدأ ذلك، ومن الذي يتحمل مسؤولية إيجابية في ذلك، ووفق أية أسس ومناهج؟!
من هذه النماذج وسواها من الأسئلة، ومن أسئلة فرعية سواها، نقرأ ونستقرئ أن الجيل العربي لم يعد يقبل حديثاً مكرراً عن الأمجاد والثوابت والإنجازات والبطولات في الوقت الذي لا يجد مرتسمات لذلك كله على الأرض، ولم يعد يلتمس نفعاً من أقوال لا تترجم أفعالاً، وأنه يريد شيئاً إيجابياً ملموساً، وخطاباً يحقق له جديداً ويمنعه في الوقت ذاته من تلقي تراكمات الإحباط والاستغراق في اليأس.
هذا الوضع الذي لا يخلو من صحة بنسبة تتجاوز النصف على الأقل، يفرض علينا أن نبحث قضايا الجيل الجديد، ونستطلع رأيه حولها، ونظراته إلى الحلول المقترحة، وأن نبحث عن مخارج مما يجمع كلنا على أنه وضع عربي بائس محزن لا بد من أن نخرج منه، قبل أن يفوت أوان الخروج بطامة كبرى تأتي على ما تبقى منا ولنا.
إن المصداقية في كل شيء هي أساس، ولكن الوعي والمعطى المعرفي والإقناع القائم على الحجة والمنطق، أساس أيضاً، وما لم نتوجه في خطابنا الثقافي والسياسي والتربوي لأجيالنا إلى أسس علمية ومناهج عصرية تحفظ مقومات الهوية وتقترن بمصداقية في السلوك والعمل والتعامل، فإننا سنزيد الطين بلّة ولا نخرج الناس من المآزق بل نعمق المآزق ذاتها ونحبط الناس. وأرى أن المثقفين مطالبون بالخروج من التبعية المشينة لسياسات عربية مفلسة، تناحرية وانفعالية وثأرية، تعيش الفتنة وتؤسس لها، وأن عليهم ألا يغرقوا فيما يغرق فيه إعلام تلك السياسة، وغيره من إعلام السوق والتردي، وأن يسارعوا إلى تبني خطاب بناء يشكل لهم حضوراً، ويستقطب جمهوراً على الوعي وسلامة الرؤية وصحة الرأي وخدمة الأمة واستقطاب الأجيال بما يفيدها ويخرجها من دوائر الضياع، خطاب يعزز الثقة، ويقف بوجه التشويه المتعمد للعروبة والإسلام، ويحي في النفوس الأمل، ويعلي من شأن الفكر والعلم والمعرفة ليضع حداً لتنامي الجهل ولاتباع الخائضين في الدم والمبيحين للقتل.. خطاب يحدد الأعداء والأهداف والسبل ويستوعب الواقع ومعطيات المرحلة واحتياجاتها، ليأتي مبنياً على استقراء الواقع وقراءته في ضوء المعطيات والمتغيرات والاحتياجات وحقائق العصر. وهذا بحد ذاته قد يقود إلى خلافات وتصادمية في الرأي بين فئات من المثقفين نظراً لاختلاف الرؤية والموقع والموقف والانتماءات، ونظراً للقرب أو البعد من المعلومات والحقائق من جهة، ومن مواقع صنع القرار السياسي والاقتصادي والتأثير فيهما من جهة أخرى. هذا فضلاً عن تأثير المصالح سلباً وإيجاباً على وضوح الرؤية واستقلالية الرأي.. ولكنه التحدي الذي يفرض نفسه على أهل الفكر والعقل والحكمة، ويقتضي منهم أن يخرجوا إلى الشعب بروىة تجمع الشعب وتنقذه وتخفف من وطأة المعاناة والتمزق، وتقضي على الفتنة، وتفتح دروب الأمل.
قد يرتفع صوت بسؤال: هل نحن بحاجة إلى اتفاق على مسلمات أو بديهيات في الخطاب السياسي العربي؟ أقول نعم لأن الكثير من المسلمات لم يعد كذلك، ولأن التشتت والتشظي والتشويه والاستقطابات المريضة قد وسعت دائرة المختلف وضيقت المؤتلف.. وإن أبسط معطيات المنطق تحتم علينا أن نقف على أرض ثابتة تحت أقدامنا للانطلاق منها بثبات.. لكن الصعوبة تكمن في إمكانية التوصل إلى ذلك على أرضية الخلافية العربية الراهنة التي غدت دموية ومذهبية وسياسية وقطرية ضيقة وتضيق لتصل إلى الولاءات الشخصية والعشائرية والمناطقية في كثير من الساحات العربية، مما أضعف ويضعف الروابط من جهة ويزعزع الثقة بما يمكن أن يعزز روابط الأمة أو يجمعها على رأي وموقف. ويكمن شيء من ذلك في وجود خروقات سياسية وثقافية وأمنية – استخبارايتة كثيرة للصف العربي، تمتد أفقياً وشاقولياً، ولا يمكن مجاوزتها بسهولة، لا سيما بعد أن تحطم الكثير من جسور الثقة بين الأقطار والسياسات وشرائح المجتمع، وبين المثقفين والشباب والمهنيين والحرفيين والعمال وغيرهم في الوطن العربي، وبعد أن قامت مصالح للآخرين، ومنهم أعداء للأمة، بين ظهرانينا وعلى حساب مصالحنا وتوافُق رأينا ووجودنا ذاته، وأصبحت حماية تلك المصالح مرتبطة بشكل أو بآخر ببقائنا قيد التخلف والتفرق والاقتتال.
إن نظرة المثقفين لما يجمع الأمة وينقذها، أو لما يضعها على بداية طريق التفاهم والتعاون وصولاً إلى الإنقاذ والتقدم والقوة.. إلخ، تختلف اختلافاً بيّناً من شريحة إلى أخرى، حسب الانتماء السياسي والارتباط الأيديولوجي والانتماء القطري والتبعية الثقافية أو المصلحية، وحسب الاجتهاد المخلص أيضاً الذي يذهب بالناس مذاهب شتى، على أرضية من النيات الطيبة والسعي إلى إيجاد مخارج للأمة مما هي فيه، وبما يضمن سلامة عقيدتها وهويتها وتحقيق أهدافها ونصرة قضاياها العادلة.
فمن قائل بإسلاموية متطرفة تبنى على فهم ضيق للسلفية، إلى قائل بالعلمانية الأوروبية الحرْفية وبالإلحاد.. ومن سائر في رحابة الإسلام وسماحته واتساع أفقه مستوعباً القومية بلا تطرف منه ومن المنادين بها، إلى منادٍ بالقومية التي تجمع أبناء الأمة العربية على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم ومشاربهم، ولا تعادي الدين ولا تأخذ بالتطرف، ومن متمسك بمقومات الهوية والشخصية والخصوصية العربية إلى متنازل عن كل شيء من ذلك ليرى نفسه مساوياً للآخر المتقدم في أية رقعة من الأرض، يأخذ منه ويعطيه ويماهيه، ويتجاوز في سبيل ذلك حتى عن لغته وقوميته وربما عن عقيدته، فهو يدين بدين العصر ويعتبر نفسه ابناً له وللطبيعة، ولا بأس عنده في ممارسة إلحاد وانحلال.. ؟!؟
وفي ظل تصارع هذه الفسيفساء أو تعايشها، نجد أنفسنا في حالة من حالتين: إما تصادم القوى الذي يجعل المحصلة النهائية لمجموعة القوى العربية الساعية لتنفيذ برامج بناء ونهضة ومناهج علمية لتحقيق أهداف محددة، صفراً أو قريباً من الصفر، هذا إذا لم تتصادم القوى والتيارات إلى درجة الإضرار بالنفس، وتدمير الأمة والعودة بها إلى درجات تحت مستوى الصفر في مجالات كثيرة.. وإما تعاون وتفاهم وانسجام يؤدي إلى الانقاذ والنهضة والتقدم.
ويسأل المرء منا نفسه إلى متى، وأين المخرج، وكيف؟! في ظل هذه الأوضاع الكارثية، والدموية التي تعطل الأخلاق والعقل وتشوه المعتقدات والمفاهيم.. وربما نجد بعض الإجابات، أو نصل إليها بالحوار البناء..
ترى ألا يكون الحوار البناء، في مناخه الصحي السليم، مجدياً ومحرراً من كثير من الأوهام، ومحجماً للغلو والغطرسة والترف والعنتريات المجانية، ومؤدياً إلى طريق التقدم والعلم؟! نعم ولكن للحوار مقومات، وللمناخ الذي ينتعش فيه مقومات، ونحن بأمس الحاجة إلى أن نبدأ ذلك بثقة وإخلاص تحت سقف الوطن وفي إطار انتمائنا الواضح للأمة والعقيدة؟!
إن الحوار الذي أرى ألا مناص لنا من أن نخوضه، وصولاً إلى تعارف أعمق وإلى ثوابت تجمعنا ونتفق على أن تكون العمود الفقري لبرنامج عمل نخدمه جميعاً، إن ذلك الحوار يحتاج إلى مناخه وشروطه، وهو لا بد من أن يقوم على أرضية من المساواة والحرية والثقة والاحترام، ولا بد من أجله ومن أجل نجاحه من:
-الاعتراف بالآخر الشريك وبحقه في الاختلاف، وبالوجود في المراكب ذاتها التي لا بد أن تحمل الجميع إلى شاطئ السلامة. وهذا يقتضي وجودها سليمة، ومحافظة الجميع على سلامتها وصحة إبحارها، ووضع اليد على من يريد خرقها.
-إزالة الأوهام التي تقود البعض إلى ادعاء العصمة، وإزالة الشكوك والأحكام المسبقة، والنظر إلى الذات والآخر نظرة موضوعية تحتمل الثقة كما تحتمل الشك. ولكن لا بد من معيار لينمي الثقة ويظهرها، وليميز بين الشك والتشكيك من جهة وبين الشك المنهجي والشك المرضي من جهة أخرى.
-الاعتراف بأن الحقيقة والوطنية والمنطق وسلامة الرأي والرؤية، كل ذلك وما عداه قد لا يكون بالضرورة ملكي أنا أو ملك الآخر، وقد يكون بيننا، أقرب إليه أو أقرب إلي، وأننا ننشده ونسعى إليه بكل الوسائل، لأن فيه الإنقاذ وفيه الخلاص وفيه الخير.
-النظر إلى أن الحرية هي أساس مناخ الحوار البناء، والحرية ترتب المسؤولية وهي لي كما هي للآخر، وهي أولاً وآخراً ممارسة للحقوق في أفق الوعي، وتعبير عن القدرات والإبداع في ذلك كله، وتجديد لأفق الوعي المعرفي الذي يجدد بدوره أفق الحرية ذاتها ويطوره. ولكن في حدود المحافظة على حرية الآخر ووجود المجتمع ومقومات حياته وسلامته وحيويته، فالحرية لي كما هي لك، والحرية سلامة التواصل والتفاعل والتحرك ضمن إطار الخلية العامة التي تضمن سلامة العنصر الأساسي من عناصر استمرار الحياة.
-التوقف بجدية عند المساواة التي لا بد من أن توحد وتفرق في آن معاً:
*توحد الناس وتساوي بينهم في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، وتجعلهم سواسية كأسنان المشط أمام القانون والعدل والحق والواجب.
*وتفرق بينهم من حيث قدراتهم وملكاتهم وطاقاتهم وسلامة عقولهم وقيمهم ومعاييرهم وضمائرهم إذ: “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”؟!
فالديمقراطية التي تشترط بتقديري: الحرية والمساواة.. لا بد أن تسود بوعي وفهم وإدراك، وأن تحكم مناخ الحوار على مبدأ ومعيار. وعند ذلك فقط يصبح الحوار مجدياً، ونستفيد منه ومن الطاقات والإمكانيات والمعارف التي نملكها، ونستفيد أيضاً من إخلاصنا ومن قدرتنا على الاجتهاد، ومن تجاربنا وخبراتنا السابقة.
إن الوطن يحتاج إلى هذا، والوطن هو الأجيال التي تحيا والتي تمثل المستقبل أولاً، تلك التي ينبغي ألا نتركها نهباً للأسئلة المميتة والإحباط وللقوى التي تتنازعها، ولليأس الذي يتراكم في بعض النفوس تراكم ثلوج الشتاء على قمم الجبال. والناس ينتفعون بالناس، والأمة تنتفع، وينبغي أن تنتفع، بطاقات أبنائها جميعاً، ولا سيما بثقافتها ومثقفيها وأهل الرأي والقرار والسداد والرشاد من أولئك الذين يقودون خطاها إلى الرشاد، ويصنعون فجراً لا بد من أن يشرق وإن طال احتجاب نوره عنا.

إلى الأعلى