الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مخيم اليرموك.. من جديد؟

مخيم اليرموك.. من جديد؟

د. فايز رشيد

”ماذا يريد الإرهابيون وحلفاؤهم من استمرار تمركزهم في المخيم؟ أيريدون إزالته عن الوجود؟ أيريدون إبعاد أهله عنه نهائيًّا؟ إذ لا مبرر لاستمرار بقائهم فيه، وبخاصة أن أهله لم ولن يتدخلوا في الأزمة السورية. محاولة إزالة المخيم وإبقاء أهله في التهجير تلتقي مباشرة أو بطريق غير مباشر مع المحاولات الصهيونية-الأميركية-الغربية لمحو تعبير”اللاجئين الفلسطينيين””
ـــــــــــــــــــــــ
طالما بقيت المخيمات الفلسطينية .. فستظل شواهد النكبة قائمة. لذلك من الطبيعي أن تجري المحاولات واحدة بعد أخرى لمحو هذه المخيمات من الوجود. من قبل جرى تدمير مخيم نهر البارد الذي تم تهجير سكانه وهدمه بشكل كامل. محاولات إعادة بنائه لا تزال قائمة وقسم صغير من أهله عاد إليه. الآن: يتكرر ما حصل من قبل مع مخيم اليرموك وتجري محاولة من جديد لإزالته. المخيم هو أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا، يسكنه قرابة المئة وعشرين ألفاً من أبناء شعبنا، وفيه يسكن أيضاً سوريون. على أطرافه: في الحجر الأسود وببيلا والست زينب وغيرها من المناطق، تتواجد نسبة قليلة من الفلسطينيين وعدد أكبر من السوريين.
منذ بدء الأحداث في سوريا، حاولت الفصائل الفلسطينية ووجهاء المخيم: إبقاء أهاليه على الحياد، وتجنيبه الأزمة للمحافظة عليه، وعدم الزج بساكنيه في أتون الصراع السوري. تفهمّت كافة الأطراف المعنية بالصراع هذا الموقف، واستطاع المخيم أن يكون بؤرة استقطاب للاجئين السوريين من مختلف المناطق. أبناء شعبنا تقاسموا الرغيف مع إخوتهم السوريين. بقي هذا الوضع إلى أن قام قبلا مسلحو ما يسمى بالمعارضة بمحاولات الدخول إلى المخيم عنوةً وفي أكثر من حي، ذلك وسط رفض أهاليه، الأمر الذي أدى إلى تدخل قوات الجيش السوري حينها، وحصلت اشتباكات ذهب ضحيتها العشرات من الفلسطينيين. جرت اجتماعات عديدة بين الأطراف الفاعلة لإدخال مواد غذائية وادوية وجرى الاتفاق على طريقة خروج ودخول اهالي المخيم. اعتقدنا أن القضية انتهت عند هذا الحد لولا أحداث الأيام الأخيرة.
فقد دخل مئات بل آلاف من مسلحي “داعش” و”النصرة” إلى المخيم الذي يتواجد فيه مسلحو “أكناف بيت المقدس” وبعض مسلحي الحركتين الإرهابيتين. اشتباكات عنيفة جرت وتجري في المخيم، والحصيلة: ضحايا كثيرون من الفلسطينيين والسوريين، عشرات ذبحتهم داعش .. ولا تزال الاشتباكات قائمة!. فصائل المقاومة وإضافة إلى الوجوه وأعيان المخيم كانت قد شكلت لجاناً أمنية من المواطنين، وهي غير مسلحة، للمحافظة على الأمن في المخيم. بعض الفصائل الفلسطينية تشتبك مع جبهتي داعش والنصرة في محاولة لهزم مخططهما للسيطرة على المخيم.
الغريب: أن المسلحين الرافضين للخروج يدافعون عن دخولهم المخيم ويعلنون رغبتهم وهدفهم وهو الدخول إلى العاصمة السورية دمشق ويطلبون من الأهالي مساعدتهم في اسقاط النظام. من بين المسلحين: باكستانيون وأفغان وعرب من جنسيات مختلفة، أفارقة مسلمون، كازاخستانيون وأوزباكستانيون وقرغيزيون من جمهوريات كانت تأتلف مع روسيا في “الاتحاد السوفياتي”. الأشد غرابة: أن هؤلاء من الجنسيات الأخرى عُبئوا بأنهم في دخولهم إلى دمشق سيكونون على أبواب القدس وسيقومون بتحريرها. معظمهم لا يتقن اللغة العربية ويجهل حقيقة الأزمة وكذلك لا يعرف”جغرافية “سوريا ولا فلسطين ولا المنطقة. لم يعد إلى المخيم سوى سكان قلائل من ساكنيه، أما في المعظم فلا يزالون خارجه بعد تهجيرهم. الدولة من جانبها ونظراً لملابسات الوضع حاصرت المخيم، وتتحكم في مياهه وكهربائه، وإمداده طالما بقي المسلحون في أرجائه.
بالتالي: ماذا يريد الإرهابيون وحلفاؤهم من استمرار تمركزهم في المخيم؟ أيريدون إزالته عن الوجود؟ أيريدون إبعاد أهله عنه نهائياً؟ إذ لا مبرر لاستمرار بقائهم فيه، وبخاصة أن أهله لم ولن يتدخلوا في الأزمة السورية. محاولة إزالة المخيم وإبقاء أهله في التهجير تلتقي مباشرة أو بطريق غير مباشر مع المحاولات الصهيونية-الأميركية – الغربية لمحو تعبير”اللاجئين الفلسطينيين” وتصب في مجرى: تصفية القضية الفلسطينية وتُلحق أفدح الضرر بالمشروع الوطني الفلسطيني والحقوق الوطنية لشعبنا.
على صعيد آخر: طالما روجت التنظيمات الإرهابية: بأن النظام السوري على شفا الانهيار ويعيش لحظاته الأخيرة، وأن الرئيس الأسد مرعوب ومكتئب ويبحث عن ملجأ وغير ذلك من القضايا! الجيش السوري لا يزال متماسكاً وقوياً، ووفقاً للأنباء فإن الجيش السوري وحتى اللحظة حقق الكثير من الإنجازات العسكرية المهمة.. النظام له أيضا حساباته بإمكانية التدخل العسكري الأجنبي وبخاصة الإسرائيلي في شؤونه. الرئيس الأسد يبدو في كل تصريحاته وجولاته واجتماعاته متماسكاً وقوياً وينطلق من موقع المتحكم في الصراع، وأكد في تصريح أخير له: على تجديد تأييده لمبادرة المبعوث الدولي للحل عن طريق التفاوض.
سوريا لم تكن مدينة لأحد مطلقاً، وهي قادرة على الاستمرار وبالإمكانيات الذاتية للصمود فترة طويلة أخرى وقد ابتدأت السنة الخامسة للأحداث، اميركا من خلال كيري أكدت مؤخرا: أن النظام هو جزء أساسي من الحل ولا يمكن تجاهله. الاقتصاد السوري ما زال قويًّا، ويلقى الدعم من إيران وروسيا والصين وغيرها. الحياة وسط العاصمة دمشق وفي مدن سورية أخرى تبدو طبيعية. الصراع في سوريا لن يجري حلّه إلا من خلال طاولة الحوار، والحوار فقط ولو قاتلت المعارضة والداعشيون وأعوانهم عشرات السنين … فماذا يريدون غير تدمير الوطن السوري مثلما قاموا بتدمير العراق؟! كل ذلك بالطبع لصالح الكيان الصهيوني وحلفائه وعملائه. حوارات موسكو بين النظام والمعارضة الداخلية هي الأفضل والأسلم للوطن السوري وبقائه. لا نعتقد أن داعش والنصرة هما جزء من الحل! نتمنى لو أن معارضة فنادق السبع نجوم تنضم إلى طاولة الحوار في موسكو أم غيرها.
وأخيرا: أرسلت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وفدا إلى دمشق لزيارة مخيم اليرموك! المطلوب من اللجنة التنفيذية: عقد اجتماعات مفتوحة لمتابعة أحداث المخيم، اتخاذ قرار واضح يدين دخول الدواعش والنصرة إلى المخيم واتخاذ قرار سياسي موحد مما يجري فيه، وضع خطة تحرك على المستويين العربي والدولي لإنقاذ المخيم، العمل على إعادة أهالي المخيم إلى بيوتهم، إخراج كافة المسلحين من المخيم، تقديم كل أشكال الدعم لأبناء شعبنا الفلسطيني في سوريا، الدعوة لاجتماع طارئ لجامعة الدول العربية واجتماع لمجلس الأمن لبحث ما يجري في مخيم اليرموك. كذلك مطلوب من حركة حماس: إصدار قرار يدين بشكل لا لبس فيه “داعش” كما عليها الالتزام صراحة وتطبيقا بقرارات فصائل المقاومة.
يبقى القول: إن المحاولات الجارية لزج اللاجئين الفلسطينيين عموماً وبشكل خاص سكان مخيم اليرموك في الصراع في سوريا، سوف يؤدي إلى شطب هذا المخيم، وذلك لتمرير التسوية الأميركية الإسرائيلية في تصفية القضية الفلسطينية. يجيء ذلك في الوقت الذي عزز فيه اليمين المتطرف واليمين الأكثر تطرفا من مواقعه في الكيان الصهيوني من خلال انتخابات الكيان الأخيرة وتكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة. سياسة شطب المخيمات الفلسطينية ومنها مخيم اليرموك تتماهى مع سياسة تفتيت الدول العربية الى دويلات: طائفية، مذهبية واثنية تحترب فيما بينها ولصالح وانهاء الصراع العربي الفلسطيني ـ الصهيوني.

إلى الأعلى