الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / البضاعة الوطنية والمنافسة المتوحشة

البضاعة الوطنية والمنافسة المتوحشة

عادل سعد

برغم زخم الوعظ والإرشادات والنصائح والتمنيات بالإقبال على البضاعة الوطنية وأهمية تغليبها في الاقتناء على البضاعة الأجنبية، إلا أن هذه التوجهات تظل عند حدود متواضعة وضمن معدل منخفض من قناعات المستهلك الذي غالبًا ما يفضل البضاعة الأجنبية، بل إن هناك العديد من المستهلكين يتفاخرون بهذا الاقتناء مبررين مواقفهم بأن البضاعة الأجنبية هي الأجود والأحسن والأكثر قابلية على المطاولة في الاستخدام المنزلي وتنشط تلك المفاخرة عند النساء أكثر من الرجال ضمن استعراضات الأهمية الاجتماعية، وفي بعض الأحيان يروج لمبررات واهية إذا تعرضت السلعة الأجنبية إلى عطل للدفاع عنها، كأن يلقى اللوم على الطاقة الكهربائية والتفاوت في قوتها إذا كان تشغيلها يتم بتلك الطاقة، أو يلقى على سوء الاستخدام والإفراط في ذلك وعدم التقيد بالتعليمات.
نحن في العراق وفي بلدان عربية أخرى، ولكن لا أدري حجم ذلك، ماهرون حقًّا في الدفاع عن الصناعة الأجنبية، وأذكر أن أحدهم دخل في نقاش معي حول هذا الموضوع مستنجدًا باحتمالات حصول عطب في هذا الجهاز الصناعي أو ذاك، مستعينًا بحادث انفجار مركبة شالنجر الأميركية الفضائية، ذلك الحادث المريع الذي أودى بحياة طاقم من رجال الفضاء الأميركيين، وكأن لسان حاله يقول إنها انتكاسة واحدة، لكنها لم تمنع برنامج الفضاء الأميركي من الاستمرار مع أن منطق المقاربة هنا لا يصح إذا أخذنا بحقيقة أن ما يستخدم في العلوم الفضائية يمثل أعلى درجات التقانة الحديثة، في حين أن الصناعات الأخرى تخضع لمقاييس
أقل شأنًا.
نحن بحاجة ماسة إلى أن ندرك بإخلاص حقيقي أن جودة البضاعة الوطنية، أية بضاعة مرهونة أصلًا بمدى اتساع اقتنائها لأن الكساد يبقي على نموذجها المصنع في المعمل، في حين أن الإقبال عليها يدفع باتجاه البحث في تطويرها من أجل إدامة زخم المبيعات، وهكذا يكون المستهلك مساهمًا فعليًّا في تطوير أية بضاعة صناعية ويكون مروجًا ناجحًا في الوسط الاجتماعي حين يشير إلى محاسن ما يمتلكه منها خلال تجربة الاستخدام.
ثم لماذا لا يأخذ المستهلك بعين الاستيعاب معيار الجودة وفق مقياس الآيزو على البضاعة الوطنية، في حين يضع ذلك معيارًا مبررًا للإقبال على البضاعة الأجنبية، مع أن مقياس الجودة على وفق هذا المعيار واحد في كل الحالات، لأن له شروطه التي تطبق على البضاعة، أية بضاعة بغض النظر عن المنشأ.
إن واحدًا من أهم متطلبات النهوض الصناعي الدائم أن يضع المستهلك العربي بحسابه أن بضاعة بلده أو ضمن المصلحة الاقتصادية القومية ينبغي أن تتصدر الأفضلية في قرار الانتقاء، ذلك لأن أخذه بهذا الاعتبار يجعله مساهمًا جادًّا في تقليص ضغط البطالة بحكم أن اتساع الإنتاج مرهون باتساع الطلب عليه، وبالتالي أن ذلك يدفع إلى فتح قنوات للتطوير مما يستدعي توظيف عمال آخرين، بل إن الإقبال على البضاعة الوطنية يمثل أيضًا عاملًا حاسمًا في استقرار العملات المحلية، والحفاظ على معدل مقبول من الاحتياطي المالي الأجنبي التي قد يستنفد بسبب سعة الاستيراد.
ولا شك أن البضاعة الوطنية لا تجد صدى لفرصتها في التسويق الناجح إقليميًّا وعالميًّا إذا لم تتوفر لها فرصة التسويق المحلي بصورة أكبر، وإلا يصبح حالها حال (مغنية الحي) التي لا تستطيع إطراب أهلها فكيف تنال الشهرة إذا ذهبت إلى بلد آخر لتغني.
إن المنافسة التجارية المتوحشة التي تحكم أسواق العالم في الوقت الحاضر تتطلب من أي مواطن أن تحكمه إرادة تفضيل بضاعة بلاده، وهكذا يكون قد وضع قدمه على الطريق الصحيح لحماية اقتصاده الشخصي الذي هو بالضرورة جزء من الاقتصاد الوطني.

إلى الأعلى