الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المجتمع “الإسرائيلي” وسباق التطرف

المجتمع “الإسرائيلي” وسباق التطرف

علي بدوان

بات المجتمع “الإسرائيلي” اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، مُنحازًا بغالبيته لصالح قوى اليمين والتطرف، ومنحازًا لصالح السياسات الصقرية لعتاة الصهاينة، من عموم الأحزاب والتشكيلات السياسية. وفي هذه القراءة المتأنية ما بعد الانتخابات الأخيرة للكنيست العشرين وفي ظل مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة نتنياهو، نؤكد ما ذهبنا إليه.
فقد أُنجِزت الانتخابات “الإسرائيلية” للكنيست العشرين عبر صناديق الاقتراع البالغ عددها (11.666) صندوقًا، حيث بَلَغَ عدد من له الحق بالاقتراع والتصويت في العملية الانتخابية (5,883,365) ناخبًا، وذلك في سياق التنافس على مقاعد الكنيست الـ(120) ضمن مجموعة القوائم التي بَلَغَ عددها (25) قائمة حزبية (مقابل 31 قائمة في الانتخابات السابقة)، لكن (13) قائمة منها فقط، استطاعت أن تَحصَل على مقاعد في الكنيست، بتجاوزها نسبة الحسم المُقررة وقدرها (3.25%) من عدد الناخبين. وقد بان بعد إعلان النتائج النهائية الارتفاع الكبير لنسبة المُصوتين من بين أصحاب حق الاقتراع قياسًا للدورات الانتخابية الأخيرة، حيث وصلت نسبة المصوتين إلى (71.8%) وهي أكبر بـنحو (4%) من الدورة الانتخابية التي سبقتها في العام 2013 حيث كانت قد بلغت (67.79%). فزيادة نسبة التصويت التي أضافت ثلاثمئة ألف مُصوّت جديد، مُعظمهم من جمهور اليمين واليمين المتطرف الذين أخذتهم أجواء ومناخات التحريض وشعارات التطرف الانتخابية التي أطلقها بنيامين نتنياهو وقوى اليمين واليمين المُتطرف المُختلفة بأسمائها وعناوينها، أسهمت في صب أصواتها لحزب الليكود على الأرجح.
كانت النتائج الانتخابية للدورة العشرين الأخيرة للكنيست (البرلمان) “الإسرائيلي” مدوية، ونقطة انعطاف وتحوّل في مسار الأجواء السياسية العامة في “إسرائيل” لصالح التأكيد دون منازع على حضور وسطوة اليمين واليمين المتطرف واتساع قاعدته الاجتماعية والسياسية على حساب قاعدة قوى “اليسار الصهيوني” والقوى السياسية والاجتماعية القريبة منه (كحركة ميرتس).
فالدورة الانتخابية إياها، تُشبه في نتائجها وإلى حدٍّ بعيد نتائج الدورة الانتخابية للعام 1977 وهي الدورة التي فاز بها حزب الليكود لأول مرة في تاريخه بأغلبية ملموسة مكّنته من قيادة ورئاسة الحكومة “الإسرائيلية” بقيادة (مناحيم بيجن) سليل المُتطرف الصهيوني فلاديمير جابتونسكي وكان يُسمى في حينها بــ(التكتل) في مواجهة حزب العمل (التجمع أو المعراخ)، وعندها خَرَجَ حزب العمل “الإسرائيلي” ولأول مرة لصفوف المعارضة في “إسرائيل” بعد أن قاد وزاراتها من العام 1948 إلى العام 1977، وبدأ من حينها مشوار التراجع بعد أن كان الحزب المؤسس للكيان العبري الصهيوني على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني.
عاد بنيامين نتنياهو وحزب الليكود من الموت السياسي الذي نَظَّرَ له البعض من العرب والفلسطينيين منهم على وجه الخصوص، وتنبأ له بعض المراقبين خلال الأشهر الأخيرة نتيجة خلافاته التكتيكية المُتسعة مع الولايات المتحدة ودول الغرب الأوروبي، إلى موقع القرار في “إسرائيل” بسحر التطرف، وبشعارات الديماغوجيا السياسية الشعبوية التي أطلقها قبل أيام من الانتخابات التشريعية للكنيست العشرين في ميدان ملوك إسرائيل (ساحة إسحاق رابين) وسط تل أبيب، حين أطلق شعارات انتخابية أصَابَ فيها صميم مطالب ومواقف المُتطرفين في المجتمع “الإسرائيلي”، ودغدغ فيها مشاعرهم ومواقفهم تجاه قضايا التسوية السياسية مع الفلسطينيين والعرب، وانساق مع مواقفهم الغوغائية والبهيمية في تطرفها حيال الشعب الفلسطيني. فمن ميدان ملوك “إسرائيل” وقبل (24) ساعة من توجه الجمهور للانتخابات كرر نتنياهو وبصوته العالي: لا دولة فلسطينية مستقلة، ولا قدس مجزأة بل موحدة تحت السيادة “الإسرائيلية”، ولا لحق العودة لأي لاجئ فلسطيني … وهكذا..
لقد تابع نتنياهو من قلب ميدان ملوك “إسرائيل” في تل أبيب مفردات ومضمون خطابه أمام في الكونجرس الأميركي في واشنطن، فأطلق في ميدان ملوك “إسرائيل” خطاب الكراهية والتخويف وبث مشاعر الذعر، الخطاب العنصري ضد العرب حتى داخل “إسرائيل”، خطاب التهويل من مخاطر حكم “اليسار الصهيوني العمالي”، الأمر الذي أَطرَبَ وأنعش وسَحَرَ القاعدة اليمينية العريضة عند عموم المجتمع “الإسرائيلي” التي رقصت في نشوتها، وهرعت بنسبٍ كبيرة منها لصب أصواتها لصالح نتنياهو وحزب الليكود، ولصالح برنامجه المُعلن في خطابه إياه، فاستقطب أعدادًا كبيرة من جمهور حزب أفيجدور ليبرمان (حزب إسرائيل بيتنا) فهبط حضور الحزب الأخير بشكلٍ مؤثر قياسًا للدورة الماضية، كما استقطب من جمهور بعض الأحزاب كحزب البيت اليهودي بقيادة نفتالي بينيت. فجاء فوزه بمثابة استفتاء على برنامجه السياسي، برنامج يهودية الدولة وسياسة الاستيطان، والهروب من استحقاقات قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، والتي تُشكّل بمجموعها عناصر استراتيجيته من ولايته الأولى عام 1996.
فاز نتنياهو بالرغم من كل الجهود التي بذلتها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لإسقاطه، ففاز وحزبه بعددٍ من المقاعد زادت عن الدورة الماضية، فكان تأثير الموقف الأميركي عديم الفعالية لجهة تخفيض حظوظ الليكود بحصد المقاعد، فحَصَدَ (30) مقعدًا بفارق ستة مقاعد عن المعسكر المُسمى بالمعسكر الصهيوني بقيادة (إسحاق هيرتزوغ + تسيبي ليفني) الذي حَصَدَ (24) مقعدًا فقط، وبفوزه أعاد الاعتبار لحزب الليكود بعد مشوار طويل من التراجعات التي جعلت منه أسيرًا للقوى المؤتلفة معه في الحكومات السابقة التي قام بتشكيلها.
فوز نتنياهو وحزب الليكود، بهذا العدد من المقاعد يؤكد أن القاعدة العريضة في المجتمع “الإسرائيلي” تتبنى عمليًّا مواقف نتنياهو ورؤيته لكيفية إدارة الصراع مع الفلسطينيين، وفي علاقته مع السلطة الفلسطينية في سياق المفاوضات، وبالتالي تفويض له للاستمرار بنفس النهج، الذي يتوقع أن يعود إليه وهو أكثر قوة وثقة بالنفس، حتى لو تم تشكيل حكومة ائتلافية مع المعسكر الرئيسي الآخر (هيرتزوغ + ليفني)، وفي هذه الحالة لن تستطيع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أن تَفرِضَ عليه أي محددات في حالة العودة للمفاوضات. فالحكومة ستبقى في هذه الحالة أسيرة بنية تحالفية قلقة تهدد بقائها ووجودها أمام أي منعطفٍ سياسي وهذا ما يتطلب من السلطة الفلسطينية الاستعداد لــ(عركة ودعكة) سياسية كبيرة، ولمرحلة صعبة ستكون فيها واقعة بين خيارات حاسمة.
وخلاصة القول، إن “إسرائيل” العنصرية اختارت طريق الاحتلال والاستيطان، وقد جاء فوز حزب لليكود في الانتخابات التشريعية بفارقٍ مؤثر عن المعسكر الرئيسي المنافس له (تحالف هيرتزوغ + ليفني) مُخالفًا كل التقديرات والتوقعات التي ذهب بها البعض من المراقبين حتى الساعات الأخيرة قبيل فتح صناديق الاقتراع، وهو ما يؤكد أيضًا بما لا يدع مجالًا للشك بأن إرادة وثقافة وقيمة السلام تآكلت بشكلٍ شبه كلي من الوعي الجمعي للمجتمع “الإسرائيلي” الذي أخذ على مدار السنوات الأخيرة يميل نحو التطرف والعنصرية، خصوصًا في ظل حالة الهبوط الرسمي الفلسطيني والعربي، وتهافت خطاب التسوية المُعلن عربيًّا حتى بالشروط البائسة التي قدمتها الولايات المتحدة أكثر من مرة (في مفاوضات التقريب وخطة جوني كيري التي ذات صيتها على سبيل المثال)، فيما رفضتها حكومة نتنياهو.

إلى الأعلى