السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / أكذوبة الرواية الرائجة

أكذوبة الرواية الرائجة

يلح علي تعبيرها، وأنا أمضي في طريقي نحو محطة الأوبرا لأستقل المترو، ليس هذا بالتعبير الذي ينبغي أن أنقشه على أوراقي سريعا خوفا من النسيان، الذاكرة لا يمكن أن تفرط في تعبير مثل هذا، “ألتراس ثقافي”.
وعهدنا بمصطلح “ألتراس” أن لا مكان له خارج الإعلام الرياضي ، خاصة هذا الذي يتناول كرة القدم ، و”ألتراس” تعبير انتشر في أوروبا ، والمعني به روابط الأندية ، التي تشجع فرقها ، ألتراس تشيلسي ، ألتراس ليفربول ، ألتراس ريال مدريد ، وهكذا ، لكن كون ناقدة معروفة مثل الدكتورة أماني فؤاد تستخدم المصطلح في ندوة أدبية بملتقى القاهرة الدولي السادس للرواية العربية، فلقد استحوذ هذا على اهتمامي كثيرا.
لقد انسل التعبير من بين شفتيها خلال مائدة مستديرة خصصت لمناقشة ظاهرة الرواية الرائجة بشكل عفوي، وكأنه نتاج اللحظة، وهذا أمر لا يثير دهشتي مع متابعتي لتلك المثقفة الكبيرة المجيش دماغها وخيالها ومرجعيتها المعرفية على مدار الساعة استهلاكا للثقافة وتفاعلا وانتاجا وإبداعا، وكثيرا ما تنبثق دواخلها عن اشتقاقات كهذه “ألتراس ثقافي”، وما تعنيه بمصطلحها أن الإصدارات “الشبابية” الجديدة تشكل دور النشر التي تصدرها ومؤلفوها “ألتراسات” على الفيس بوك للضغط على أدمغة الشباب، من خلال التمجيد في هذه الروايات، فلا يكون أمام الشباب سبيل سوى شرائها!
عقب انتهاء النقاش سألتها: أهذا مصطلحك ؟
فقالت: لا، بل رأيته على الفيس بوك، شباب لا يعجبهم ما يجري، فاتهموا دور النشر والمؤلفين بتشكيل ألتراسات شبيهة بألتراسات الأندية، للترويج لهذه الروايات !
لقد روعني التعبير “ألتراس الثقافة”، وقد رأينا ماذا فعلت ألتراسات الأندية في الرياضة المصرية، لقد تسببت في مجزرتين خلال مباراتين الأولى بين نادي الأهلي ونادي المصري، مما تسبب في تأجيل مسابقة الدوري أو أداء المباريات بدون جمهور، ألتراس الأندية أدى إلى كراهية المصريين للعبة التي يعشقونها، كرة القدم ، فهل تؤدي “ألتراسات” الثقافة إلى تدمير الثقافة ؟.
و”ألتراسات” الثقافة، ليست فقط للترويج لروايات شبابية تثير الكثير من التساؤلات حول متانة بنيتها الفنية وجمالياتها، بل تلك “الألتراسات” موجودة في مواطن ثقافية أخرى، على الفيس بوك كثيرا ما استخدم الكبار الشباب الموالين لهم لـ”تجميلهم ” وتشويه “المنافسين”.
وعودة إلى ظاهرة الرواية الرائجة التي حظيت بمناقشات مستفيضة شارك فيها كتاب بارزون مثل الروائية سلوى بكر، الدكتورة أماني فؤاد ، الناقد حسين حمودة ، الناقد سيد الوكيل، الكاتب مصطفى عبد الله رئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب الأسبق، الكاتب محمد الشافعي رئيس تحرير مجلة الهلال السابق، والكاتبة ابتهال سالم، الكاتبة منى الشيمي ، وآخرون.
الكثير نبه إلى أن الرواية الرائجة لا تحظى بجماليات اللغة ولا العمق الفني للرواية بشكلها المعروف، ومع ذلك تجنب بعض المتحدثين التعامل مع هؤلاء الروائيين الشباب بقسوة، والمطالبة بلفظهم من المشهد الإبداعي ، بل رأوا في الرواية الرائجة مظهرا إيجابيا رغم سلبياتها، فهي أعادت برواجها القراء إلى الفن الروائي، وكما نعرف المطبوعات الأدبية، رواية وقصة وشعرا ونقدا أصبحت تعاني من الكساد!
ويرى أصحاب هذا الرأى بأنه بمرور الوقت ، ومن خلال الرواية الرائجة ستتسع مساحة التلقي للأدب بكل فنونه بشكل عام ، أي أنها المنقذ للأدب من حالة الكساد التي يعاني منها، وفي محاولة لـ”دمج” كتاب الرواية الرائجة في المشهد الإبداعي بحيث لا يكونون مجرد جزيرة منعزلة. طالبت الكاتبة منى الشيمي بتنظيم حلقات لهؤلاء الكتاب الشباب في فن كتابة الرواية، وبدا المقترح وجيها من وجهة نظر بعض المشاركين ، ولا أرى ما يرون ، فلدى بعض هؤلاء المؤلفين من كتاب الرواية الرائجة، شعور متعاظم بأنهم الأفضل ، فكيف يمكن مطالبتهم بأن يأتوا إلى حلقات ليتعلموا فن كتابة الرواية من الروائيين الكبار الضالعين في هذا الفن ؟
بل ليس بمستبعد أن يطالب هؤلا الشباب بالنقيض.

مسلسلات الصابون
قبل بدء الندوة وزعت علينا ورقة استرشادية حول الرواية الرائجة، أظن أن كاتبها هو الناقد الدكتور خيري دومة، يقول فيها إن هذا النوع من الروايات ازدهر في السنوات الأخيرة، وخلال كلمتي أبديت رأيا مخالفا ، هذا النوع من الروايات يمتد في تربة تاريخنا الحديث عشرات السنين ، ورائده من وجهة نظري جورجي زيدان، حتى روايات إحسان عبدالقدوس كان الكثير من النقاد يبدون تحفظهم تجاهها، لذلك لم تحظ باهتمام نقدي كبير، لكن الجديد الآن هو المصطلح، الرواية الرائجة، وهو تعبير تجاري ، سلعي، ومن وجهة نظري أراه مرادفا إلى حد كبير لمصطلح سينما المقاولات في الفن السابع، وكلاهما يندرج تحت ثقافة (الفشار) التي انتشرت وسادت، وأدت إلى انهيار الذوق العام.
وأظن أن التربة التي طفحت بالرواية الرائجة وبكل أشكال ثقافة (الفشار) هي ذاتها التي طفحت بالفكر الإرهابي، هذه التربة هي التعليم التلقيني ، نحن لدينا وزارات للتلقين وليس للتعليم ، وزارات لا تتعامل مع الكيان الإنساني إلا من خلال جزئية صغيرة، وهي الذاكرة، مع تجاهل تام للوجدان وملكة التفكير، حتى في جامعاتنا الآن، انتشرت ظاهرة الملزمات ، ملزمة يضعها الدكتور أو المعيد من عشرين صفحة، يكفي للطالب أن يحفظها ليلة الامتحان ليفرغ ما فيها صباحا في ورقة الإجابات لينجح ، طالب مثل هذا هل يملك وجدانا يتذوق الإبداع الجميل؟ أو دماغا يفكر ويحلل ويستنبط وينتهي بأسئلة يلهث بين المكتبات ومصادر المعرفة بحثا عن إجابات لها لا ليطمئن قلبه فيهدأ ويستكين، بل يخضعها لمعامل التفكير والتحليل بدماغه لينتهي مجددا بأسئلة يعود ليبحث عن إجابات لها ؟ هل تعليمنا التلقيني يقدم للمجتمع مثل هذا الشاب ؟، “حتى حصص الرسم والمطالعة الحرة أظنها انقرضت من مدارسنا! خريج مثل هذا النوع من التعليم سيبحث عن الثقافة الأسهل، ثقافة “الفشار” التي تشبع نهمه للتسلية ، والرواية الرائجة، الكثير منها يحقق لهذا الخريج هذا الإشباع، فهي تهتم بـ”ماذا “، ماذا يحدث ؟ ولكي تكون شديدة الجاذبية، فهي تخوض في التابوهات الثلاثة، الجنس .. الدين .. السياسة، ولاعيب في هذا، لكن العيب في الإجابة عن سؤال واحد : ماذا حدث ؟ دون الاهتمام بسؤال آخر: لماذا ؟ التجذير للدوافع الإنسانية للحدث، وبالتالي تعميق الشخصيات، فلا أدب بدون لماذا؟ ولأن المنظومة التعليمية عاجزة عن تقديم خريجين يحظون بوجدان شديد الحساسية للفن الجميل وتتأجج لديهم شهوة المعرفة، فلا أظن أن نصيحة الشافعي باستنساخ آليات انتشار الرواية الرائجة لتسويق الأدب الجيد يمكن أن تصلح ما أفسده التعليم التلقيني لأن قارئ الأدب الجيد في الأصل غير موجود !

مسلسلات أوبرا الصابون
خلال مشاركتي في النقاش ذكرت الحضور بشيء من الجدل الذي أثارته رواية عمارة يعقوبيان للكاتب علاء الأسواني، فحين عرض فيلم “عمارة يعقوبيان” في دور العرض البريطانية عام 2008 ، كتب الناقد الإنجليزي سكوديف ساندو في جريدة الديلي تلجراف عن الرواية والفيلم ، حيث قال: “الرواية تعاملت مع مواضيع حساسة مثل قمع الشرطة والفساد السياسي والشذوذ الجنسي، إلا أنها تعاملت مع الشخصيات عادة بدرجة واحدة من الخفة والإطالة حتى أنها جاءت على شاكلة مسلسلات “أوبرا الصابون”. ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة للمعالجة السينمائية التي رغم التصوير البارع لسميح سالم، لم تتمكن أبدا من التنسيق الكامل بين الحكايات المزدحمة للسكان المتنوعين في عمارة سكنية في القاهرة”.
ومن وجهة نظري كقارئ أن عمارة يعقوبيان نموذج صارخ للرواية الرائجة التي نجح الناشر وبمساعدة “ألتراس ثقافي” من أصدقائه وأصدقاء المؤلف في وسائل الإعلام، وأيضا من خلال ألاعيب النشر، في تسويقها لدى الشارع المصري والعربي، بل وخارج الجغرافية العربية عبر الترجمة إلى العديد من اللغات، وكما قال “ساندو” فهي تشبه مسلسلات أوبرا الصابون، وهي المسلسلات التي اشتق اسمها من إعلانات الصابون التي تبث عبر القنوات التليفزيونية نهارا، لربات البيوت ! وهذا حال مسلسلات أوبرا الصابون تبث أيضا نهارا لربات البيوت!
فماذا عن حجة المتحمسين لهذه الرواية وكل الروايات التي تنتمي لما يسمى بالرواية الرائجة، أنها تترجم إلى العديد من اللغات ؟
هذا الذي يقال أثار حفيظة الكاتب محمد الشافعي ورد عليه من خلال تجربته ، حين سافر إلى باريس ثلاث مرات ، لكنه يحاول التجذير لظاهرة الرواية الرائجة حين قال : رواج أي رواية لا يعني أنها جيدة ، وهناك معياران في هذا الشأن ، عدد الطبعات والترجمة للغات الأجنبية ، أما عن عدد الطبعات ، فالمعيار ليس كم طبعة ، بل كم نسخة طبعت ! فعدد النسخ لكل طبعة لا يزيد عن ثلاثمائة نسخة ! كما أن هناك طبعات محروقة ، أي يقول الناشر مثلا أنه أصدر الطبعة الثامنة ، وبعدها بشهر يقول إنه أصدر الطبعة الرابعة عشرة ! أي أن هناك طبعات لم تصدر بالفعل، أما بالنسبة للترجمة، فخلال زياراتي الثلاث لباريس – يستطرد الشافعي – كنت دائما أحرص على التجول في المكتبات مع أصدقاء مقيمين هناك ويعرفون المدينة جيدا لأسأل عن كتب لأي من كتابنا الذي قيل إنها ترجمت لعشرات اللغات فلا أجد، لكن ثمة جانبا مهما يتعلق بمسألة الترجمة، أن هذا النشاط يتم عادة من خلال أقسام الدراسات العربية والإسلامية والشرقية في الجامعات، كما أنهم في الغرب شغوفون بمعرفة بعض العادات والتقاليد الاجتماعية التي تبدو بالنسبة لهم غريبة، وكأننا قبائل في الأدغال تثير شهيتهم بعاداتها وتقاليدها؛ لذا يلجأ بعض كتابنا إلى الكتابة في مثل هذه الأمور لتترجم أعمالهم !
إذا وكما بدا من النقاش خلال تلك المائدة المستديرة أننا إزاء ظاهرة كاذبة اسمها الرواية الرائجة، صنعتها “ألتراسات الثقافة” ، فلا هي الأكثر مبيعا ، كما يحاولون إيهامنا، ولا هي تترجم بالشكل الذي يحقق لها الانتشار الحقيقي خارج جغرافيتنا.!

محمد القصبي

إلى الأعلى