السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / جدلية الذات والمكان بين الخفاء والتجلي “قصيدة حب إلى مطرح نموذجا”

جدلية الذات والمكان بين الخفاء والتجلي “قصيدة حب إلى مطرح نموذجا”

استطيقا الرؤيا ورؤية الاستطيقا:
لابد أن ندرك قبل أن نخوض أي عملية نقدية أننا إزاء ممارسة ذات شقين، الأول ما نسميه تقدير الموقف الجمالي والثاني نطلق عليه فلسفة النقد، والموقف الجمالي من أي عمل فني هو في حقيقته عملية استمتاع به، دون أن نسأل (وإن كنا نمارس لذة السؤال فيه بالفعل دون اللجوء للإجابة) أو نبالي بنتائجه، بل هو قبول بالعمل بشروطه الخاصة، وفيه نحاول أن نحيا حياته، بمعنى آخر نحن نمارس العملية الجمالية بحيادية أمام العمل كتجربة جمالية، أما التعاطف سواء بالرفض أو القبول والإعجاب فهو في حقيقة الأمر تخل عن نقد الموضوع وانحراف عن حيادية النقد الجمالي ، وهذا بالضبط ما تختلف فيه الرؤية الجمالية للعمل عن الرؤية الفلسفية النقدية، إذ تعتمد الأخيرة على الإجابة عن الأسئلة المتنوعة تجاه العمل الفني ، مثل ما الذي نحاول أن نفعله ؟ ، ولماذا نريد تحليل هذا العمل ؟ ، وكيف جاء هذا العمل بناء على بنيته الفكرية ؟، وبذلك فإن هذه الأسئلة تنحو نحو التقدير والتقويم للعمل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحكم القطعي على العمل هو ضرب من التعسف، إذ أن التجربة الإنسانية متلونة بتلون الحياة، متغيرة ومنقلبة في حكمها القيمي، ما يعني التغيير الدائم ، ليبقى السؤال الدال على الحكم والمشير إليه هو السبيل للخروج من هذه الأزمة النقدية، وعليه فخلاصة القول من هذه التقدمة أن التجربة الجمالية هي البحث في القيمة كما جاءت، لا كما ينبغي لها في تصورنا، على حين أن الفلسفة النقدية هي البحث عن جانب النشاط الفني للممارسة القيمية للعمل.
(إذا كان هناك اختلاف بين الصفات التعبيرية في التجربة الجمالية فهل يعني هذا أننا نرى عملا واحدا ؟ فإن كان الفرض صحيحا فإننا بهذا الاختلاف لا نرى العمل الأصلي بل نرى مشاعرنا فيه) .
فحينما يقف القارئ (سواء أكان متخصصا أم عابرا) أمام النص الشعري، فلا يجب أن يقرأه من خلال ذاته، بل من خلال النص نفسه، وإلا ، فإنّ المصير المحتوم هو التيه بين شفرات النص ومغاليقه، مما ينتج حتما التخبط، حيث إن اختلاف الرؤى الجمالية بين المتلقي والمبدع، ينتج عنه بالضرورة الفهم الخاطئ للرسالة.
وعليه فإن الولوج لأي نص شعري إنما يبدأ بفهم طبيعته الفكرية، وأهم الأسس الجمالية التي قام عليها، وبهذا يمكن أن نقرأ النص من خلال النص ذاته، لا من خلال ذواتنا نحن، وطبيعة فكرنا.
وسواء أكان النص مما نميل إليه أو لا، فإن ذلك لا يغير من طبيعة النص ، وإنما سيغير حتما من طبيعة فهمنا له، والإحساس الجمالي به والذي هو بدوره أهم مقومات الشعر وروحه على مرّ العصور.
وبهذا المفهوم للقراءة يمكن أن نفهم معنى أن أي نص شعري هو سفر للجنة المفقودة للمبدع، وتجربة إنسانية في طبيعة رحلتها، إلى الكشف عن مجهول ما، لطالما أرق الإنسان، فظل يبحث عنه، فيضل أحايين كثيرة، ويصل في أقلها.
وكذلك يمكن أن نفهم معنى الخطأ في أننا نجعل النص الشعري نصا جامدا ، حبيس ألفاظ وإيحاءات ذات دلالات معينة، حيزها العقل، فالعقل البشري له حدّ لا يتعداه في الخيال والاستيعاب للمعنى، والتجربة الإنسانية بمفهوم قصيدة النثر، لا حدود لها في محاولات الوصول إلى ما لا حدود له ، إلى مكنونات النفس البشرية، وذاتها، وعينها، وجوهرها بالنفس هي الأداة لذاتها والهدف في آن واحد، يمكن من خلال تماسها مع تجربتها فهمها ، وفهم طبيعتها اللامحدودة، أو كما عبر عن تلك التجربة بريتون النقطة العليا، والتي ينبغي معها أن تنحل جميع المتناقضات التي تتآكلنا، وتبث فينا اليأس.
وبهذا يصبح للفكر وظيفة خارج كل نطاق ورقابة يمارسها العقل، كذلك خارج كل هم جمالي أو أخلاقي، ويصبح أيضا وسيلة لاستكشاف إمكانات لإطلاق اللاشعور، فهو السبيل لقول ما لا يقال، أو لم يقل، والتماهي مع الغيب أو المطلق، وتصبح معها اللغة لا تهتم بذات المطلق، إنما بحركيته والتماهي معه.
وبناء على ذلك فلابد من رفض مبدأ السببية، وتثبيت مبدأ اللاشعور بوصفه قوة مطلقة ضدّ المنطق ومبدأ الحتمية، فالماء (هو التحول الأول للنار) كما قال ـ هيراقليطس ـ وأن الخيال يعمل ما لا يراه العقل محالا ـ ابن عربي ـ ، والحب من هذه الزاوية هو امتلاك الحقيقة في روح الجسد ـ بريتون ـ والسبيل لذلك كله هو تخطي المرئي إلى اللامرئي بواسطة الخيال (الحالة الوسط بين اليقظة والغياب أو النوم) غير المرتبط بالشعور ، فهذا أقل غنى من الخيال الذي يرتبط باللاشعور.
لذا فنحن في نص (قصيدة حب إلى مطرح) للشاعر سيف الرحبي أمام تجربة رائية إشراقية بامتياز، وفي معزل عن العقل، تبدأ من القلب وتنتهي إليه وتقوم عليه، فهو الأداة لمعرفة القوة الخفية للمكان، أو قل إن شئت، نحن أمام تجربة صوفية بالفكر العربي، سوريالية بالفكر الغربي، وكذلك هي تجربة شعرية بمفهوم سارتر حيث يرى (أن الشعر فن يقوم على الإحساس بوقع الكلمات من حيث شكلها وصداها لا من حيث المعنى).
كذلك مما لا شكّ فيه، أننا إزاء نص من أهم النصوص لقصيدة النثر والتي تحتفي بالمكان، وتعيد تشكيله برؤى أخرى، لم تعتدها العقلية أو الحس العربي، على شدّة وضوحها ، إذ تبدو في النص الطبيعة الشعرية لقصيدة النثر ، وتتجلى من خلاله الرؤى الجمالية ، وإعلاء قيم الإنسان الرائي ، وبهذا فإن المدخل الطبيعي والحتمي للنص ، يكون بالضرورة من خلال فهم طبيعة الرؤى الجمالية للاتجاه الذي ينتمي إليه النص.

بنية العنوان بين الخفاء والتجلي
فإذا كانت الرؤية الجمالية للنص هي في حقيقتها مفتاح لشفراته، وموجهة لأبعاده ومستويات فهمه، فإن عنوانه هو البوابة الشرعية والحتمية للولوج إلى ماهية النص بأوجهه المختلفة ، ولا يجب فهم العتبة للنص بما هو ظاهر فيه ، بعيدا عن التأويل ، إذ أننا إزاء نص راء ، ولهذا فمن الطبيعي أن يكون العنوان حاملا لطبيعة الرؤيا ، حيث يلعب الحدس وانطلاق المشاعر أمام تعطيل قوة العقل الدور الأهم والأكبر ، وبالتالي يحمل العنوان رسالة تأخذنا إلى روح النص ذاته ، ليفجر فينا طاقة السؤال ، حيث يلعب دوره بالتالي لإخراج طاقات المعنى الفني.
(قصيدة حب إلى مطرح) ، هل ينتمي العنوان إلى الجملة الاسمية ؟ ،حيث ثبات الانعكاس للألفاظ ومحمولاتها ، قد يكون الظاهر كذلك ، فأمامنا جملة اسمية بسيطة من مبتدأ وخبر ، بالرغم من قلق المعنى الصادر جراء اعتبارها بهذا الفهم ، حيث الجزء الإضافي يقع مبتدأ وشبه الجملة في محل رفع خبر ، بهذا الفهم يصبح المحمول من الرسالة محصورا في الاسناد فقط بين المبتدأ والخبر دون أي انعكاسات أخرى للفهم ، وبالتالي فإننا يجب أن نقدر فعلا كي يتعلق به شبه الجملة إلى مطرح ويصبح انصباب الفهم في دائرة الإضافة فقط أو المبتدأ وبهكذا فهم ، يبقى للنص أن يكون مجرد بناء نص احتوى ما بين المحدود واللامحدود ، وكذلك يكون النص في حقيقه هذا الجانب ، وهذا ما يبعد النص عن رؤيته الجمالية.
ولكن ثمة سؤال ملح آخر، ماذا ، أي أن هناك ما ينقص العقل لكي يكتمل معه التصور الذهني للمعنى ، وبالتالي يكون لدينا سؤال آخر هل الجملة الاسمية محذوفة المبتدأ ؟! ، ويكون تقديرها ، هي قصيدة حب إلى مطرح ، وبناء على ذلك يصبح المحمول للمعنى الدلالي الانصباب على ماهية النص ، وهو معنى جيد يتماهى ويتماس مع رؤيته الجمالية ، ويصبح معها ثبات الجملة انعاكسا لحقيقة النص غير المتغيرة الاتجاه.
وبهذا أيضا يكون العنوان حاملا لجزئيتين، الأولى منها تحمل إسناد عملية انصباب المحدود (القصيدة) إلى اللامحدود (حب) ، يتبلور في ماهيته (هي) ، والجزئية الثانية منها تكون في عملية الإرسال ، بتقدير فعل محذوف للمتعلق (أرسل) إلى مطرح ويكون العنوان في اكتمال الفهم (هي قصيدة حب أرسلها إلى مطرح) ، وبالرغم من كثرة المحذوفات ، مما يدخلها في العماء اللغوي ، وهذا ما تكرهه اللغة ذاتها ، إلا أن التأويل يعطي مساحة لانفتاح المعنى الدلالي والنحوي في آن واحد ، والأقرب إلى التصور الذهني لماهية النص.
إلا أن هناك تأويلا آخر مع محذوف واحد فقط ، ليتحول العنوان من اسمية الجملة لفعليتها ، بتقدير المحذوف (الفعل ذاته أرسل) ، وتكون عملية الإسناد الإضافي في قصيدة حب هو المقدر بالمفعول به ، ما يعني أن ماهية النص ومستوياته ستكون في نطاق العملية المتجددة بين المبدع الأول إلى المبدع الثاني (المتلقي) والمنصب في المفعول به (قصيدة حب) وبالتالي يقترب المعنى المتصور في ذهنية التلقي إلى رؤى النص الجمالية ، وخاصة أنها تحتوي العملية التفاعلية المفترضة في النص.
وخلاصة هذا أن بنية العتبة تتراوح في المستوى النحوي بين الثبات الاسمي وبتأويله ، وآخر متفاعل مفعم بالحيوية والحركية بفضل تقدير الفعل ، ودخول بنية العنوان لفعلية الجملة.
وبناء على ذلك فإن العنوان ذاته يعكس الرسالة وجوهرها ، سواء على مستوى المتلقي بانفتاح المعنى وتنوعه ، أو على مستوى علاقة المكان بالنص ، أو روحه إن شئت الدقة.
أمّا على المستوى الدلالي لبنية العنوان ، فإن العنوان يقع في مجال حقول ثلاث ، اثنان ماديان (قصيدة / مطرح) ذات حيز واضح ومحدد ، الأول فني والثاني مكاني ، وواحد معنوي (حبّ) يقع في دائرة اللامحدود وهلامي الحيز ، والغريب أن الشاعر قد عمد أن يقيم علاقة إضافية بين المحدود (قصيدة) واللامحدود (حب) ولعل هذا تحديدا هو إشكالية النص وجوهرها، والمعاناة الحقيقية للذات وجوانيتها ، غير الجانب الدلالي نجد الجانب الإجرائي للألفاظ ، فالقصيدة ذات أطر قد تكون حاجزا ، وتقع في دائرة العقلانية ، ما يجعل أداوتها ـ غير محدوديتها ـ تكون عاجزة تحديدا في مواجهة الحب اللامحدود ، والرافض للمنطقة العقلانية لتشكيل صورته ، لذا لم يكن غريبا ألا نجد لفظا واحدا يقع في دائرة حقل الحب والغزل ، أو التشبيب ، أو مما يميل إليه العقل بتصوراته المحدودة ، فقد خرج بذلك عن الشعر الصوفي حيث يتخذ من شكل التشبيب سبيلا للوصول إلى الحب الإلهي اللامحدود ، أي بلغة محددة ، الشاعر يتمرد تماما على ذهنية التصور للحب ، بل هو في ذلك يعيد مفهوم الحب بالمعنى الذي يجعلك المسبب لإعادة تشكيل المفاهيم والتصورات ، ليكون الالتحام هو عين الحب ، وأن الوصول هو الإمساك بجوهر الحب ، لتنكشف الحقيقة الناتجة عن الحب ، فالحب هنا هو السبيل لا الهدف والأداة الحاملة لا النقطة العليا بتصورات السوريالية.
لذا فإن النص هو رائي بمفهوم الحب السوريالي والصوفي معا ، حيث إن الحب بفهموم الصوفية والسوريالية إنما هو حالة يصل بها المريد إلى حالة الكشف أو النقطة العليا.
وعلى الجانب الآخر، فإن الحقل الثالث مكاني محض ، الأمر الذي يصدم عقلانية الاحتواء ، أو تقبله ، مما يستدعي إسقاط جغرافيته أمام جوهره وروحه ، لتحول المجاز الشعري لحامل يكشف جانبا في المكان غير مرئي ، ويدخل في إطار حيز الحدس به ، لتفجر ما لا يقال و يحس به فقط .
إجمالا فإن النص بناء على الولوج من بنية عتبته أو العنوان ، يأخذ منحى المحاولات غير مضمونة العواقب ، والنهايات وغير محددة النتائج ، للوصول إلى الجانب الخفي من المكان بروحه وجوهره.

رؤية رأسية للنص
إذا كان النص ينتمي إلى التجربة السوريالية أو بالوجه العربي التجربة الصوفية ، بمنطلقاتها وأسسها الرائية ، والتي يلعب فيها الحدس الدور الرئيس ، وإذا كانت عتبة النص قد أكدت ما ذهبنا إليه من رأي ، فإن النص بهذا قد أخذ منحى الرحلة الروحية ، تنطلق من ذات الشاعر ، متخلصة من محدوديتها إلى ذات المكان ، مهملة أطرها الجغرافية ، حيث تتلاقى روحهما بغية الانصهار للاتحاد حتى مرحلة الكشف أو النقطة العليا ، إذ تعجز قدرة العقل ، وتتوقف ، أو يتم تعطيلها ، ليبقى فقط فيض البصيرة ، أو الرؤيا النورانية النابعة من القلب ، ما يؤدي بالضرورة إلى انجلاء الحقيقة أمام الرائي.
وعليه فإن النص يرتكز على ثلاث رؤى لمستويات مختلفة من الرحلة ، يمكن أن نحددها كثلاث محاطات ، تبدو في الرؤية الرأسية للنص ، أو وحدات كبرى ، يتنقل من خلالها الشاعر في أحوال ثلاثة بأبعاد مختلفة ، ما بين الانعتاق ومعاناته ، والوصول برؤاه وكشفه ، والنتيجة بأبعادها المحددة.
فالحالة الأولى تبدأ بالتخلص من مادية الواقع يركز فيها الشاعر على معاناته في سبيل الانعتاق ، لذا يقع المعادل اللفظي للمحاولة في هذا النطاق (حاول / لا يمكنه / أشباحه تتقدم / حروب / لا فائدة / سقط) هذا النمط التراتبي للتحولات العاكسة للمعاناة ، والألفاظ السابقة الرئيسة للمقطع أو للحالة الأولى ، تعكس أيضا جدلية داخلية في جوانية الذات ، تسقط على نوعية الحركية مقابل هاجسية الانعتاق.
والمتبع للحقول الدلالية للحالة الأولى يجد الشدة الخارجية ، أمام إصرار الاصطدام للانعتاق في
حيز الذات المريدة ، وهي حركية عنيفة تراتبية محضة ، متقنة التناول ، فالحركية العنيفة (يعصر / يدفع / صقور ترعى / ترتجف / مايسترو جيش / سقط) أمام إصرار ذاتي (حاول / لا يمكنه / متسكع / لم يجد / لا فائدة) وصولا إلى مرحلة الانعتاق ومعاناته (المقصلة / تتمدد / صريعا) وكلها تؤدي إلى عكس الانفصال العنيف.
غير أن الحيز الفضائي لهذا الصراع الجواني للحالة ، يحاول التواكب مع التحولات العنيفة للنفس ، فهو يحاول الاندماج في (قصيدة) ذات الأطر المحددة و(لياليه) ذات الحيز الزماكني المحدود ، ثم الثبات في الحالة (لا يمكنه ـ النوم ـ الكتابة ـ اليقظة) ثم التلاشي في رماد أيامه، وصولا إلى الغاية بانعكاسات الاتساع والتنوع والغموض في آن واحد ، فالحيز الفضائي ينتقل من محدودية (الغرفة / القصيدة) ، ثم الثبات بين الحالتين ، ثم الاتساع في حيز آخر أكثر رحابة حيث بداية الحالة الثانية في الوصول لروح المكان ، ليكون الانتقال المفاجئ العقلي المنطقي ، إلى الحدسي والروحي (الشط للمكان).
وعليه ، فإن النص في هذه المرحلة الثانية ، يأخذ بعدين كرؤية رأسية أو كلية للرحلة في مستوى المحاولات ، لاستكشاف ماهية المكان أو روحه أو جوهره ، فمنذ بداية المرحلة الثانية للرحلة يحاول الشاعر الربط بين محمولات الشط كانتقالية من حال لحال (الشط كلفظة هي التقاء الماء باليابسة) وهو هنا يمثل التقاء المجهول بالمكشوف ، أو دلالات البحر واليابسة ، وكذلك بين الاتساع وبين المحدودية للرؤية والفهم والاحساس.
فالشط البداية والنهاية ، والحد الفاصل بين الفهم والغموض ، لهذا يرى الشاعر وجوب أن يكون الشط نقط الارتكاز للتحول بداية ونهاية ، ومنها ينتقل لتاريخ المكان ذاته وإعادة صياغته حسب الفهم الواعي للتاريخ وليس التأريخ له ، كما هو متبع في فهمنا للتاريخ ، وبينهما بون واسع ، يقلب موازين الفهم للحالة.
على أن هذه الاكتشافات من الملاحظ أنها تأخذ استراتيجية واحدة في التماس معها ، والتعبير عن الوصول ، وسوف نفصل القول في هذا الجانب عن تفكيك الأسلوب في الرؤية الأفقية للنص ، ثم ينتقل الشاعر في هذه المرحلة إلى الانطلاق من مكتشفاته ليكون الأثر على الذات ، لينتهي إلى حقيقة مؤداة إلى أن الشاعر قد بدا له الاكتشاف بين ما قبل وما بعد صغيرا للغاية.
ثمة سؤال ملح ومدهش في آن واحد ، هل كان الشاعر تقليديا نمطيا حينما اتخذ الجملة الرئيسة بداية ونهاية (حين تمددت) ؟.
وإن لم يكن ذلك ، فهل هذه الاستراتيجية لها محمولات تضيف للنص ؟ ، وهل يمكن أن تكون ذات أبعاد نفسية أكثر منها تقنية لفظية ؟.
ولعل الإجابة في هذه النوعية من التجارب هي عين الخطأ ، بل والقتل المتعمد للنص ذاته ، حيث الافتراض واقع على أساس حتمية الوصول للفهم الكامل للنص ، وهذا ما لا يمكن أن يكون واقعا أو صحيحا ، وفي المقابل يمكن أن نطرح احتمالا أو تساؤلا يغني النص ، ويفتح المجال لرؤى أخرى قد تكون أكثر غنى .
والنص بهذه الجملة الرئيسة يأخذ شكلا رياضيا أهم خصائصه ، أنه ذلك الشكل الذي تكون نقطة بدايته هي ذاتها نقطة نهايتها ، وأن كل نقطة فيه تصلح لذلك ، وأنه أيضا عاكس لأهمية الاستمرارية ، أو ضرورتها حيث لا مجال للخروج من أطره ، وبالطبع نقصد بالشكل الهندسي الشكل الدائري ، وهو شكل تناسب وماهية الرحلة أو النص.
وهو بذلك يضفي معنى اللانهاية للرحلة واللامحدوديتها ، وهذا ما يتسق وروح النص ، وأسسه الجمالية التي عرضنا لها سابقا ، وهي رحلة لها لذّاتها للمريد والمحب للمكان ، ما يعني الجانب المعنى لفهم الحب عند الصوفية والسوريالية ، وبهذا يمكن لنا أن نرسم صورة ذهنية لكلية الرحلة أو لعمومية التجربة.
يؤكد هذا محمول الفعل (تمدد) ذاته ، حيث الاسقاط المعنوي للتمدد أي الحالة الوسط بين حالتين (رؤية ورؤيا) بما لها من انعكاسات مادية التحول من محدودية الحيز للروح في الجسد واللامحددية للروح جراء الانعتاق ، والذي يناسب أيضا الشط ، حيث الاتفاق في الوسطية بين الحالتين.
وبهكذا الشط ، أكان الشاعر يريد هذا الفهم ؟ أم أكان اختيار الشط كرمز اعتباطيا (حسب رأي سوسيور) ؟
فالشط هو الحد الفاصل بين عالمين مختلفين في المظهر والجوهر ، وهو المكان المناسب للانتقالية بينهما والمتماس مع الرؤية للنص ، وبهذا فالتمدد الأول هو منطلق للرحلة والثاني هو نقطة الوصول للاكتشاف وبذلك هو مناسب تراتبي للرحلة.
ومن ثم تنتقل التجربة للحالة الثالثة ، وهي تسقط في الأثر الناتج عن الوصول أو بروز نتيجة ما للرحلة على الذات ويعضدد هذا تراتبية الفعل ( أنام / أترك ) كنوع من الاستسلام التام وقد كررهما ثلاث مرات لمجالات ثلاث ( الريح / القلم السجائر المنفضة / المطر والرعد ) وكلٌّ له تأثيراته على الذات المريدة أو العائدة من معاناة رحلة روحية داخلية ، وسوف تتضح الحركية الداخلية في الرؤية الأفقية للنص التي تعكس ما وصلنا إليه.

رؤية أفقية للنص
وترتكز هذه الرؤية على منهجية الأسلوبية للشاعر ، أو استراتيجيته في التناول ، ومميزات الخطاب الشعري لديه لبعث الصورة الجزئية لا الكلية ، وبذلك فإن القراءة خلال هذه الرؤية تعتمد على أولا نوعية الجملة ، ومن ثم ثانيا منطلقات محمولات الأفعال ، وأخيرا الحقول الدلالية للألفاظ سواء في الحيز الزماني وحده ، أو الحيز المكاني وحده ، أو الزماكنية.
فلسنا بصدد الصورة المفكرة للوحدة الكبرى للنص ، كما قررها صاحب كتاب وعي الحداثة الدكتور سعد الدين كليب ، وبالطبع هذه الصور الجزئية هي المفجرة لجوانية الشاعر ، فمهمة الصورة لدى النص الحداثي وخاصة النثري منه هامة ، إذ هي النص ذاته ، أما لدى الشاعر هي أهم مرتكزاته لتفجير الحالة لدى متلقيه ، لذا فقد تبدو غامضة نوعا ما ، بهدف الوصول للمتلقي الفاعل والمبدع الثاني للنص ما يعني انفتاح المعنى حسب مستوى المتلقي وثقافته ، وهو ما يمكن أن يفسر ما ذهب إليه الدكتور نعيم البياتي في كتاب مصطلحات النقد التطبيقي في الشعر الحديث ص 47 حيث يقدم تفسيرا سوسيولوجيا بسبب التناقص لدى الفنان المتمثل بالالتحام بمجتمعه ومواجهته في الوقت ذاته ، بمعنى آخر ، نحن بصدد عملية هد وإعادة بناء ، هدم لنمطية التفكير والإحساس ، ومن ثم إعادة بناء آخر ، ولهذا تأخذ الصورة لدى سيف الرحبي مهمة التفجير لدى متلقيه ، بواسطة اختراق البنية اللغوية والأسلوبية للبنية المجتمعية ، حتى يصل لهدفه ، وهو إعادة صياغة المفاهييم الجمالية لدى المجتمع ، ولم يكن هذا فحسب هدفه ، بل هدم نظام التعميمات الفنية معها.
فإن كان المجتمع العماني بطبيعته محافظا جماليا وأسلوبيا ، ناهيك عن بنية العادات والتقاليد الراسخة ، فإن مهمة الشاعر اختراق ذلك كله لحساب إعادة بناء أخرى ، بغية الوصول لهدم الجدار الحاجز للرؤيا.
فكيف ؟ ، وعلام ؟ ، ولماذا ؟ ولأي هدف يقوم الشاعر ؟ ، ثمة أسئلة قد لا تجد الإجابات الحاسمة ، بل على النقيض تماما ، قد تقدم محاولات الإجابة إجابات مفتوحة ، بمعنى آخر قد تفتح الإجابات أسئلة أخرى ، وهذا عين خلود النص.
حيث لا سيطرة للعقل ، والغوص في براح الوجدان أو الاستشراق ، كما يرى نتشة في وجوب الاحتجاج الصارخ على المعرفة العقلية للعودة إلى أغوار الباطنة ، لتستمد الصورة جوهرها ، وبالتالي تكون أكثر إثارة في وجدان المتلقي بهدف الدفع وراء الفن والإبداع عموما ، والخلق والتغيير في فرض إرادة المشاعر على موجودات المكان ، وبهذا المنطلق تستطيع تغيير هذه الموجودات وبهذا التغيير نستطيع رؤية أنفسنا.
لذا فإن حدود القارئ المتذوق أو الناقد أمام النص الحداثي الاستشراقي (قصيدة النثر) رصد الإجابات ، وطرح التساؤلات ، وذلك من خلال الارتكاز على حركية الصورة انعكاسها على حركية الوجدان والانفعالات لجوانية النفس الشاعرة.

بين المحدود واللامحدود ومعناة التحولات
هذا ما يمكن أن نرصده في المرحلة الأولى للرحلة أو النص ، وهذا ما يفسر تكرار وارتكاز الصورة على فعل واحد (حاول) ليكون المفتاح والشفرة للصورة ، فمن حيث المستوى الصرفي للفعل يأتي على وزن (فاعَل) وهذا الوزن للفعل المزيد بحرف الألف بعد الفاء ، تتراوح دلالاته بين المتابعة والمشاركة والدلالة على أن شيئا صار صاحب صفته يدل عليها الفعل ، والسياق الجملي أو المسرح اللغوي هو الدال على إحدى الدلالات السابقة ، والفعل في السياق اللغوي في جملة الشاعر تنحو نحو المتابعة (حاول أن يعصر عظامه) (حاول أن يدفع لياليه) وبذلك يكون الفعل متسقا بمحموله مع طبيعة الحركة الجوانية للمريد البادئ في رحلة الانعتاق ، للخروج من حيز المحدود إلى حيز اللامحدود ، جسديا ومكانيا ، والفعل يبين داخلية الحركة العنيفة وتكراراها (يعصر عظامه) والحركة الخارجية (يدفع لياليه) ومن ثم تأتي النتيجة نفي الإمكانية ( النوم / الكتابة / اليقظة ) ذات الدلالة على حالة الثبات التام والاستسلام للتحولات ، هذه الصورة للحركة الداخلية للذات تقابلها صورة أخرى خارجية لاكتمال المشهد الكلي للانعتاق ، ( أشباح / صقور ) لتنعكس على الداخل ( ترتجف في أحشائه ) وما بين الداخل والخارج تستطيع الذات الفهم الأوسع لحالتها ، ( وجد نفسه ) ( جنديا / مايسترو / رماد ) ولتلاحظ تراتبية التحولات من التابع للقائد وأخيرا للتلاشي المادي في تحولاته أو حركيته .

ليكون الحل ( سقط الفضاء صريعا في الغابة ) وبهذا تكون حالة الانعتاق قد تمت ، حيث التتابعية في الصورة لحالة الخروج أولا من المحدود إلى اللامحدود وصولا إلى البراح وهي كالتالي :
( حاول ) داخلي مقابل لا يمكنه
سقط في الفضاء
( تتقدم / ترعى ) خارجي مقابل وجد نفسه

المرحلة الثانية : لحظة الاستشراق والالتحام بالمكان
هنا ينتقل الشاعر بعد مرحلة الانعتاق ومعاناتها إلى فهم أوسع لجغرافية المكان ، بحيث تنمحي معها الموجودات ، لتبدو في صورة انعكاسات لجوانية الشاعر لحظة الالتحام ، لتظهر برؤيا القلب لا برؤية العين.
فالشط / الجوهر / التاريخ أضلاع لصورة ثلاثية الأبعاد للمكان ، ليعدوا معا تشكيلا لفهم ماهية المكان ويؤدوا بالضرورة إلى بزوغ الاكتشاف أو لحظة الاستشراق النورانية أو للوصول إلى النقطة العليا (قوس قزح) ، والشاعر يعتمد في ذلك على عدد من المحاور التي يرتكز عليها لبناء صورته الشعرية ، وحينما نقول صورته فلا نعني الصورة الذهنية التقليدية البلاغية للصورة ، ذلك الحيز الضيق من التشبيهات والاستعارات ، وإنما نعني معنى أوسع وأرحب ، فليس الصورة كما قدمها أبو هلال العسكر ( كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع وممكنة من نفسه ) ولا عند ابن رشيق بأنها ( اللفظ وجسم الشعر ) ولا عند عبد القاهر الجرجاني من ( ترتيب للمعاني أولا وترتيب الألفاظ في النطق آخر ) ، فالصورة في الشعر الحداثي عموما وقصيدة النثر خصوصا مفكرة مفجرة لطاقات المبدع الثاني ( المتلقي ) كما وصفها الدكتور سعد الدين كليب ( وعي الحداثة ) وهي كذلك كما يراها جاكبسون ( بأنها الحامل للفكرة والمفجرة للغة معا ) وبهذا فإن الصورة الحداثية يمتنع معها أن تكون جزءا من الفكرة ، أو موضحة لها ، أو حتى دالا عليها ، بل هي الفكرة ذاتها ، وعليه يكون المجاز ليس الأداة التي تعطي للشاعر لتصوير العالم ، بل هي العالم نفسه ، وهو يقدم نفسه من خلال صورته الشعرية.
فالصورة التي اعتمد عليها الشاعر في بناء على ما تقدم بشكل عاجل وسريع ، تقوم على محاور بنية الجملة الصرفيه والنحوية والبلاغية ، زد على هذا ذلك التكثيف جراء استخدام الرمز.
والشاعر ينتقل بروية وتراتبية من البوابة المؤدية لجوهر المكان ( الشط ) إلى روح المكان نفسه ، ومنها لإعادة صياغة التاريخ لها حتى يمكنه تمكين النفس من فهم أوسع للمكان ، واكتشاف حقيقته ( قوس قزح ).
وتعتمد الصورة الأولى على جملة رئيسة في بداية فهمه ( حين تمددت ) ، فالفعل صرفيا على وزن ( تفعّل ) بزيادة التاء وتضعيف العين ، يعكس معاني أشهرها المطاوعة لفعل ( فعّل ) الثلاثي المزيد بالتضعيف للعين ( مدّد ) ويأخذ معنى التكلف والمبالغة أو الاتخاذ أي اتخاذ الفعل أداة للفاعل ، إلا أن السياق أو المسرح اللغوي للصورة يحيل إلى المطاوعة ليدل على الاستسلام التام والكامل دلالات التمدد ، ما بين اليقظة والنوم ، وما بين الرؤية والرؤيا ، وما بين الواقع والحلم ، ليكوّن مدخلا لحالة التحول التي تعكس بدايته لرؤيا المكان وكذلك يكون الشاطئ بوابة الدخول لروح المكان.

أما في محور البلاغة فالشاعر يعتمد على التشبيه الممتد:
الشاطئ يشبه قلب له نبضات تشبه منارات
فالتشبيه ينتقل بتراتبية ليوثق الحالة في الفهم وهو ينتقل من حسية إلى معنوية لعمق الرمز وكذلك من التشبيه المفرد للبليغ الخفي نبضاته منارات ، وكذلك الانتقالية من حالة الحركية إلى الثبوتية ( أداة التشبيه ـ الفعلية يشبه / إلى التشبيه البليغ ـ نبضاته منارات ) ومن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية المؤكدة بذاتها والمؤدية لدلالات وحقائق ، أن بدون الشاطئ فلن نفهم أو نعي حقيقة المكان ، فهو الذي يرعى القطعان للمعرفة الموغلة في الحقيقة المبهمة ( جبالك الممتدة عبر البحر ) وهو أي الشاعر ينتقل من التشبيه بنوعيه إلى الاستعارت التشخيصية مع التكثيف الشديد لاستخدام الرمز ( القطعان / الجبال / البحر ) ليأخذ المكان البعد الحيوي والإنسانية ، أي أنسنة المكان ليبرز له الجانب الروحي والماهية الحقيقية له ، والتتابع الجملي للصورة يعتمد على الفعلية في عملية التحول ، والاسمية لعملية المعرفة والاستشراق للشاطئ ، ثم الاتحاد به.
ثمة أمر آخر هام يقوم على أساس الفاعل ، فالتمدد يكون ذاتي الحركة لجوانية الفاعل ، ومن ثم ينطلق ، وينتقل لفعل آخر يعكس الحركية لا الثبوتيه المقررة للفعل السابق ، يشبه وفاعله الشاطئ ودلالاته خارجية تصب في جوانية أو داخلية الذات ، لفهم دور المكان ( ترعى ) حيث تعتمد الاستعارة على جملة اسمية كصفة لخبرها منارات ، فالفاعل الحقيقي ليس الشاطئ ، بل ما يصدر عنه حين الكشف.
هذه الاستراتيجية من الفعل الجواني للفعل الخارجي للجملة الاسمية ، نجدها مكررة في الحالتين التاليتين للانتقالية من الشاطئ لجوهر المكان لتاريخه ، فأما عن جوهر المكان فالشاعر يبدأ بالفعل ( أطلق ) دلالة من الداخل للخارج إلى فعل ( أصطاد ) دلالة من الخارج للداخل في الحركية من ثم الاستقرار ( نجومك أميرات الفراغ ) ، تشبيه بليغ مكون من جملة اسمية باتة ثابتة المعنى والانعكاس ، وكذلك في صياغة تاريخ المكان ( أبعثر ) حركة من الداخل للخارج ، ( أصغي ) من الخارج للداخل ، وصولا إلى الجملة الاسمية ( كم ) دلالية الثبوت التكرار اللامحدود ( كم كناية عن عدد بنوعيها وبعدد كثير فقط غير محدد للخبرية منها ) ، هذه الاستراتيجية في استخدام الأفعال بدلالتها الواحدة والمكررة ، وعلاقتها بالفاعل تعكس حركية الصورة الداخلية للوصول إلى المشهد الأخير ، والتي يؤدي بدورها إلى تبرير حالة الانعكاس على الذات ، والمخاوف التي يمكن أن تنتاب الذات من أشياء يراها في المكان مع معرفته التامة لجوهره.
هذه الاستراتيجية تبدو في الانتقالية من الداخل للخارج ، ففعل داخلي يقابله فعل خارجي الحركة ، يؤدي إلى جملة اسمية تعبر عن الاكتشاف ، وهي أيضا تتحد في الدالالة الحركية ، فالشدّة ( أطلق / أبعثر ) تقابلها فعل هادئ ( أصطاد / أصغي / أظل ) ، ما يعني انتقالية الحركة التراتبية من الشدّة إلى الهدوء ، إلى الاكتشاف الثابت للرؤيا.
كذلك الرمز بين دلالة القوة ( منجنيق ) للمراوغة ( نورس ) للحياة الثابتة ( فراغ ) ليصل إلى ذروة الرؤيا ( وفي ليل عريك ) الذي يكشف ماهية التأثر على المكتشف ( تضيئن ) ليصبح المكان غاويا لكل من يفهم ماهيته ( ضحاياك ) وجاذبا له إلى أقصى درجات الحب ( الهاوية ).
يقابل هذا أيضا رؤيا لتاريخ المكان وللبذور الأولى له ( نبض طفولة ) حيث لا تحديد لهذا التاريخ لقدمه ( ضفاف مجهولة ) يمكن أن يستند إلى الباحث في ذاتية المكان ( تمزق ) لتمحو معها أي فهم مسبق لتاريخه ، لتكون النتيجة المكررة الثابتة للجملة الاسمية ( كم ) ودلالة لاحتواء المكان لكل من يحاول السيطرة عليه سواء أكان وافدا عليه بألوانهم المختلفة ( تجار / غزاة / قراصنة ) وبأهدافهم المتعددة التي نستشفها من دلالة الرمز ( الاستفادة / السيطرة / النيل منه ) هذا الاحتواء دال من :
القراصنة سفحو / التجار الغزاة عبروك
الأطفال منحوك / القرويون حاملين
وذلك كله دون علّة يمكن الاستناد عليه للاحتواء ، ألا ما يفهم ضمنيا ، وهو سيطرة المكان بما قرره سابقا في مشهد ، أو صورة اكتشاف ماهيته التي تؤدي بالضرورة إلى تحول كل من يقترب منه إلى ضحايا.
فنحن إذا أمام اكتشاف هائل لذاتية المكان وتأثيراته ، من خلال إعادة تشكيل تاريخ المكان ، يصبح معه أن المكان ليس عصيّا فقط على كل منتسبيه بل محتويا لهم ، ومستوعبا لأهدافهم التي تتحول لصالحه ، ليكونوا معا نسيجا للحياة داخل المكان ، يدهش الرآئ ، لتبدو الحيوات بلون واحدة ، رغم تعدد مصادرها المختلفة ، يتفسخ هذا التناسق الشديد من الوهلة الأولى لصاحب رؤيا القلب لا رؤية العين العقلية ( مطرح الأعياد القزحية ).

التحولات والتأثيرات على ذاتية الشاعر أمام الاكتشاف
لذا فليس غريبا أن يكون الشاعر / ذاته ، بما امتلكه من فهم ورؤيا لجوهر وماهية وتاريخ المكان ، أن يكون أكثر تأثرا بالمكان عن غيره ، بل والاتحاد معه ، هذا الاتحاد والالتحام يجعل الشاعر في حالتي الترقب والخوف معا ، حيث الحرص على بقاء جوهر وروح المكان نقيين ، لا تمسهما يد الحضارة ، والتي تعبث بكل جميل فطري.
وهذا هو عين المنطق الأشمل لرؤية الحداثة للحضارة أمام الحياة البدائية أو الفطرية ، والتي تستند في رؤياها على الفهم الرومانسي للحضارة ، حيث إن كل جميل إنما يكمن في أسرار الطبيعة والحياة البدائية البعيدة عن التطور الحضري ، وأن كل الشرور إنما تكمن في المدنية والمدينة ، ويصبح همّ الشاعر الحداثي وإشكالياته في البقاء بالمكان والإنسان بعيدا عن الشرور أو المدينة.
( الدنيا ذهبت بنا بعيدا ) هذه الجملة الرئيسة ، والتي جعلها الشاعر أساسا لبناء صورته الشعرية ، أو فكرته ، والتي احتوت على رؤيا لحال المكان ، وحال الحياة فيه ، وتأثرات المكان على ذاته ، وهي أي الجلمة تعتمد على فاعل خارجي ( الدنيا ) وهو بذلك يخرج السيطرة منه ومن المكان ، ويحيله إلى شيء خارجي ، ليكون التطور المتلاحق لجوانب الصورة هو إرادة تعلو الشاعر والمكان معا ، مما استدعى العودة للأصل والخوف الشديد من التغيرات الناتجة على فطرية المكان ، وسيطر يد الحضارة على المكان .
ويمكن لرسم تخطيطي لبنائية الصورة عكس مسار الصورة وبالتالي فكرته بناء على الجملة الرئيسة كالتالي :
أ ـ حال المكان وأنت مازلت تتسلقين أسوارك القديمة

ـــ الدنيا ذهبت بنا بعيدا ب ــ حال الحياة ما بين الطاحونة والمثعاب يتقيأ الحطابون صباحات

ج ـ تأثرات المكان هذه القلاع … تحاور أشباحا في مخيلة طفل

بنات آوى جريحات / موت محتمل كنا نرى لم أنسك

مخاوف آنية تأثرات سابقة معادل سابق للآني

هذا التفكيك للصورة يمكن أن يساعدنا في فهم مساراتها ، وبالتالي التغيير الحادث في ذاتية المكان مقابل المخاوف منها والمعادل لها من ذاتية النفس للشاعر .فذلك البعد هو الدافع للملاحظة الأولى للشاعر للوقت الآني ، وهي المحاولات الحثيثة من المكان للتغير والتحول تحت تأثرات الحضارة ( تتسلقين أسوارك القديمة ) مع الفعل الدال على تحول الثابت للجملة الاسمية ( مازالت ) تعكس الاصرار مقابل عسر المخاض.
فالمكان عبثا يحاول الخروج من أطره القديمة ، وفي المقابل مازالت الحياة كما هي ، حيث الشدة صباحا والاستماتع ليلا ، كسمة من سمات حياة المدن . لذا لم يكن غريبا أن تقع الذات بين ماضوية اللحظة بما فيها من ذكريات ، وبين آنية نفس اللحظة بمخاوفها فالخوف آت جراء الحرص على ألا يضيع أهم ما يميز المكان وروحه من فطرة تميزه وتجعله كما رأه ، فبنات آوى ( جريحات ) وهم في تلك اللحظة ( كموت محتمل ) ، وفي مواجهة ذلك نجد المعادل للحظة الماضوية ، حيث ( كنا نرى / لم أنسك ) بخيال جامح للطفولة ( ثعبان يختن جبلا ) وواقع قاس ( صياديك / بصراك ).
تلك الصورة تحيل الشاعر أو الرحلة المستمرة ( تكرار للجملة الرئيسة ـ تمددت ) واقع الاكتشاف بنتيجة المقارنة فالقبلية ( لم أكن أعرف شيئا ) والمعرفة الحدسية تجعل الرؤية غاية في الضيق أو الصغر ( عدا ارتجافة عصفور ) ، وفي المقابل فاللحظة البعدية تجعل الرؤيا الناتجة عن المشاهدة ( كان البحر يشبه أيقونة ) إلا أن هذه النتيجة غير راسخة حيث إنها ( في كف عفريت ) والتعليل لهذا كان البحر حقيقيا يسرح زبده ) وهو في مراحل الاختفاء ( يحلمن بالرحيل ) .

الاستسلام لرؤيا القلب دون العقل
المقطع الأخير هو في حقيقته ارتداد للبداية ، حيث التجلي بعد المعاناة لا يعني الوصول الكامل ، فيكون مهمة الصورة في هذا المقطع وضع فكرة الاعتراف نتيجة الإجمالية للرحلة تبرز في مرحلة الارتداد ، حيث محدودية الإدراك العقلي أمام رحابة التجلي والاستشراق لإبصار القلب والاتحاد ، ما يجعل الفعل المسيطر على الصورة وبنيتها مستقبليا ، ذا دلالة على الاستسلام التام للقلب .
( سأنام / أترك / سأترك ) ، ناهيك عن دلالات التكرار للأفعال ذاتها ، وبنفس تراتبها ( سأنام / أترك ) في مواجهة كل ما يمكن تسميته بإشكالية الإنسان المعاصر ، أو الفكرالحداثي ، حيث التمزق للذات بين الآنية من توحش ، ولما حوت اللحظة الماضوية الساكنة فيه ، والمشكلة له ، ولهويته .
إذ ( النوم / الترك ) يقابلها ( فيالق المغول ) يغتصبون السبايا ( لمدن الذاكرة ) ، وحيث ( الريح / المطر / الرعد ) يقرع ( نافذتي / يتسلل مثل كابوس ) ، هذه الإشكالية القدرية والتي تحيلنا إلى فهم التمرد عند كامي حيث الكشف بالتناقضية والقبول بها برؤية سارترية.
فالإنسان المعاصر بهذا الواقع الذي عبر عنه الشاعر من خلال رحلته وجعل المكان نمذجة لهذه الإشكالية والجدلية بين التوحش والمثالية ، وبين الواقع والحلم المتمثل في تقابلية الماضوية والآنية للحظة ، وحيث عبثية الحضارة في روح الفطرية للحياة ، الأمر الذي يجعل الشاعر ميله للفهم السارتري لمواجهة الحياة ، حيث الاستسلام التام وقبول التناقضية القائمة عليها الحياة ، ووجوب التعايش معها.
وبعد .. إن ما قدمناه لا يجب أن يكون إجابات بقدر ما هو مفجر لأسئلة ، حيث الإجابات تعني بالضرورة موت النص وإغلاق دائرة الفهم له ، كما أنه إبحار قد يجنح أو يتسق ، إلا أن ما يمكن أن نقرره باطمئنان أن النص يحمل في طياته أولا روح حداثة ومقومات قصيدة النثر ، حيث التكثيف للرمز ، والاعتماد على التماهي مع الاستشراق أكثر من المعارف العقلية ، بل رفضها رفضا مطلقا ، وحيث محاولات توليد اللغة بروح أخرى تناسب طبيعة النص ومقوماته وأهدافه.

هشام مصطفى

إلى الأعلى