الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تطويع الثوابت الإنسانية بلا حدود لحواء العربية في معرض شتوتغارت الفني

تطويع الثوابت الإنسانية بلا حدود لحواء العربية في معرض شتوتغارت الفني

المفاهيمية كريمة ابراهيم في تجربتها “لاب لاب لاب”

توظيف المفاهيم الانسانية فنيا سمة انسانية اخترقت عمق الاصول الفنية دون ان يكون مضمونها التزود بالحرفة الى اقصى الحدود قبل ان يدرك فنانها ان القضية اعمق واكثر استزادة لدواع اخرى وهو ما نشأ على اصوله الفن المفاهيمي واتسع في اميركا واوربا ومنه الى العالم اجمع وربما تحدد بفئة مرهفة الاحساس في هذا التوظيف الذي عرف الانتشار والعمق وصولا الى جدولة القضايا الانسانية باطارها الفني الاكثر دويا وأجده مجسدا اليوم بمعرض الفنانة البحرينية كريمة ابراهيم التي استطاعت بفترة قياسية ان تضع اسمها فنا ودرعا مفعما بالانسانية بمعارضها التي اخترقت حدود الاماكن والممكنات في عالم اللمسة الانسانية التي تأخذ بالفن وتطوعه حيث تريد لصلب الهدف وليس العكس فقد وثقت كريمة لقضايا الساعة دون ان تعلن عن تفاصيلها لتترك من يجوب مفاهيم صورها ان يقع في دوامة تلفه بأعماق انسانية بعيدة باستنتاجاتها حد الوله والتوهان في الحلول ويمضي مع الريشة المشكلة متسلسلا في قصيدة نثرية خطت بعناية فائقة حتى وصولك الى خاتمة المطاف مطالبا اياها بشروحات اخرى تنقلك الى عالمها الفريد في الجزء الثاني من المسلسل المتواصل بجرأة وحرفة وتحمل معك جعبة الاسئلة المؤجلة فتجيبك هي عن بدايات ربما غفلت عنها وتستأنس بحديثها المخطوط فنا مفاهيميا الى ابعد الحدود الانسانية من هنا نشأت فكرة المعرض غير مرة ومن هنا استوقف بعض الحديث معها لتدوينه املا بالمواصلة الى الآتي

ثقافات خاصة
عشرون لوحة فنية بقياسات مختلفة زينت قاعة بيش هوف موزر بمدينة شتوتغارت الالمانية هي حصيلة معرض “لاب لاب لاب” المفاهيمي للفنانة البحرينية كريمة ابراهيم مع اقبال غير مسبوق للجاليات العربية والجمهور الفني الالماني الذي استهوته افكار الفنانة كريمة وحفظ لها طيف واسع منهم تطور افكارها بمفاهيم جاوزت الحدود ما اعتبرته انجازا للمرأة العربية والخليجية بوجه الخصوص ان تواكب وترتقي بمفهوماتها الى التألق مع احد انضج الفنون الحديثة التي لم يتجاوز عمرها الفني الافتراضي مع الانتشار حاجز نصف قرن من الزمن ، فهل تؤمن هي اصلا بتخصص النخب الثقافية الى مايرقى للمفهوم بمجتمعات خاصة ، فتجيب بالقول .
اتجهت بمعرضي الحالي (لاب لاب لاب ) ان اطرح سؤالا يلج في مخيلتي ، هل اصبح للفرد المفاهيمي ثقافته الخاصة ودور رئيسي ومؤثر كخطاب قادر على تشكيل الواقع والقيم والمفاهيم بما ينسجم مع رؤيا عالمية تستوعب وتسبر غور الاشياء ؟ ،وكيف يمكننا ان نواجه هذا السيل الهائل من الأحداث والاخبار والقصص التي يراد في الكثير منها ان تتكرس في اذهاننا وقناعاتنا ووعينا ورؤيتنا لأحداث متعددة تجري على ارض الواقع كتابعين ومستسلمين لها وليس بأصحاب خيارات تحويلية للواقع ؟،وهل ان التداول والتعاطي مع الكم الهائل من المفاهيم المنتجة والمغرضة والتي تتحكم بها قوى متعددة من أجل أن توجهنا وتجبرنا على الاعتقاد بأن كل ما نراه من أحداث ووقائع على ارض الواقع ليست بحقيقة وأن كل ما تؤمن به من قيم وقناعات وثوابت ومقدسات ما هي الا ضرب من الأوهام والمغلوطات ولا يستحق وضع اي خطوط حمراء أمامها الا بتصريح كل من له مصلحة وقوة وشأن وقادر على توجيه العالم والقيم والمفاهيم كيفما يشاء ؟ .
أننا الان في عصر المفاهيمية الحديثة القادرة على ان تلغي نفسها بنفسها او ان تؤكدها بكل وسائلها المتعددة . الفرد المفاهيمي قادر اليوم على خلخلة كثير من المسائل والقضايا التي تؤمن بها وتحويلها الى وهم ، وفي المقابل فإن المفاهيمية قادرة على توجيه وفرض كثير من الاوهام والمغلوطات وتحويلها الى حقائق يصعب التشكيك فيها بما يحقق غايات ومصالح القوى المتعددة في العالم.
ولكن كيف للمفاهيمي ان يصل الى لحظة التوفيق بما يقنع الاخرين بصواب التوظيف لكل هذه المتراكمات ام ان المواقف تبقى رهن الشكوك خاصة وانا ارى تعدد الشخوص والزوايا والالوان بمعظم اللوحات التي امامي فهل تتبنين اسلوب تعدد المفاهيم كما هو في الولايات المتحدة مطلع الستينيات من القرن المنصرم ؟ .. تقول كريمة ابراهيم : لا لان المفاهيم والواقعية لمن هم اقرب الى الحدث تتطلب فكرة موحدة للتصحيح بمتبنيات مختلفة وطروحات من الاصح والصحيح والاقرب الى الصحيح ولذلك اعتمدت بتدرج القامات للاشكال البشرية والوانها ايضا بحسب القرب والبعد وهي نظرة فلسفية حياتية الى الصدق المطلق المفروغ من عدم تواجده ولكن العبرة في ان نستوعب ونكيف الموجودات وسط هذا الكم الهائل من القضايا الانسانية ونحن نعلم اننا كعموم الاقرب والاقدر على التصحيح وان كانت النسب مختلفة وهذا هو مغزى الالوان الطيفية التي تأطرت اللوحات .
وهل نجحت “كريمة” في ايصال صوتها المفاهيمي ام هل لمست النجاح في الايصال خلال المعرض الحالي ؟ الإجابة كما تراها الفنانة انها تقرأ النجاح من خلال الحوار هذا والغور في اتون اللوحة المفاهيمية وهذا هو النجاح بحدود الاخرين ايضا ولو لم يكن الجمهور بهذه السعة لما كان للفن المفاهيمي ان يصل الى حدود العالمية والنجاح والانتشار وهو ما يطرح علينا اسئلة بحجم المسؤولية المتعددة التي اشير اليها بتفاوت احجام اللوحات ،اين نحن المعنيين بالمفاهيمية وثقافتها والممارسين للغتها وادواتها ووسائطها في طرح رؤانا وتحديد مواقفنا تجاه العديد من المسائل والقضايا الجوهرية والتي تمس الكثير منها فهمنا، حياتنا وقيمنا وانسانيتنا وقناعاتنا وإيماننا من خلال التحولات المفاهمية ؟.
وبالرغم من محدودية الاعمال المفاهيمة التي قدمتها كريمة ابراهيم الا انها تحاول دائما ان تعزيزها بزمن قادر على اعطائها التأثير المناسب ، وفي معرضها “لاب لاب لاب” – ترسم ، وتحاول ان تجد مساحة كافيه للتفكير السليم بعيدا عن اي محاولة تأثير على المتلقي أكثر منها طرح أسئلة أو جعله في حيرة وغموض وتسعد كثيرا بالتفسيرات التي تسبقها للمتلقي وتؤكد ان الاستيعاب الموضوعي على اللوحة والوانها قد وصل الى اعمق نقطة تريد منه علاجها او فهمها على اقل تقدير وهو هدفها.
وحول معرضها الشخصي الجديد في المانيا بما يعد اضافة لحواء العربية في المهجر لماذ لم يكن في البحرين او الشرق الاوسط المتخم بالقضايا المصيرية ؟ ترى كريمة إبراهيم ان المرأة العربية نجحت في المهجر وفي البلد الأم والمعارض السابقة هي سلسة متوالية نفذت في الشرق الاوسط والمهجر والاشادات الكثيرة والحضور في المعرض الحالي الذي استمر 30 يوما هو تتويج لما تقول اما عن القضايا العربية فهي خاصتها ومشروعها حيث السمة الشرقية واضحة والاشارات اللونية والفضاءات والانحناءات لاتحتاج الى دليل حول ذلك.
اخيرا لابد لي ان اشيد بسعة الفكر والاستيعاب وتطويع القضية الى لوحة مفاهمية اعجبت كل رواد معارض الفنانة كريمة مهدي التي اخذت على عاتقها ابدا ايصال المفهوم بصبغة الحلول الحائرة والاسئلة المتناهية من الابهام الى الوضوح فنا راقيا.
تجدر الإشارة إلى ان الفنانة كريمة إبراهيم هي من مواليد البحرين وحاصلة على شهادة البكالريوس في الفن التشكيلي من جامعة البحرين ولديها العديد من المشاركات الفنية المختلفة في البحرين واوروبا واخرها معرض ” لاب لاب لاب”في شتوتغارت الالمانية.

محمد حمدي
كاتب وصحفي عراقي

إلى الأعلى