الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ملفات الترشيح من واقع معايير الإدراج في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي*

ملفات الترشيح من واقع معايير الإدراج في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي*

يمثل التراث الثقافي غير المادي هُوية المجتمع، والمعبر عن أصالته وثقافته، فالتراث الشعبي هو نتاج فكر الإنسان يعكس مدى ارتباطه وتأثره بمجتمعه والبيئة المحيطة به، ومن خلال قراءات هذا الإرث يمكن استنباط العديد من الحقائق الثقافية والاجتماعية والفكرية لأي مجتمع من المجتمعات.
وبالرغم من الأهمية التي يمثلها هذا الإرث إلا أن التحول الاجتماعي والعولمة -التي يعيشها العالم وبجانب ما تمثله من أهمية في الحوار، والتواصل، ونقل المعلومات- تعتبر من المخاطر المحدقة بالتراث الثقافي غير المادي والمهددة له بالتدهور والزوال.
لذا جاءت الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي لسد بعض الفراغات بغرض تأكيد الاهتمام بهذا المجال، فوضعت العديد من البنود والإجراءات التي تركز على صون هذا الإرث، وسمت الكثير من التدابير الرامية الى نشر الوعي وتعريف الجمهور بأهمية هذا المجال.
وتعتبر القائمة التمثيلية للتراث غير المادي للإنسانية إحدى القوائم الثلاث التي وضعتها الاتفاقية للنهوض بهذا المجال، فبجانب هذه القائمة تأتي قائمة الصون العاجل، لتركز على مفردات التراث غير المادي المهددة بشكل مباشر ولتضع لها خطة عمل لتنقذ ذلك الإرث من الضياع والنسيان، وفي المقابل وضعت اليونسكو قائمة ثالثة لأفضل المشاريع والممارسات لصون التراث غير المادي، حيث تعتبر هذه القائمة سجلاً متكاملاً يتيح لمختلف دول العالم الاستفادة من البرامج والمشاريع الناجعة التي تؤدي الى صون هذا الإرث.
الاتفاقية الدولية لصون التراث غير المادي أو اتفاقية 2003م “كما تسمى اختصاراً” قد وضعت مجموعة من المعايير لكل قائمة من القوائم الثلاث أنفة الذكر، هذه القوائم قد تتفق في بعضها وتختلف في البعض الآخر وفق الهدف الذي وضعت من أجله هذه القائمة.
ومن خلال هذا العرض الموجز سوف نسلط الضوء على القائمة التمثيلية للتراث غير المادي للإنسانية، هذه القائمة التي يمثل العمل عليها مدرسة متكاملة للخطوات العملية لصون التراث غير المادي في أي دولة من دول العالم، فمن خلال ترشيح الملفات بفئاتها سواء الملفات المفردة التي تقدمها كل دولة على حدة، أو الملفات المشتركة التي تقدم من قبل مجموعة دول تشترك في عنصر معين، فان عملية إعداد هذه الملفات تأخذ خطوات عملية ومنهجا متكاملا لصون التراث غير المادي في الدولة.
هذه الأطروحة سوف نتناول من خلالها المعايير التي وضعتها الاتفاقية للقائمة التمثيلية للتراث غير المادي للإنسانية، وذلك باستعراض كل معيار على حدة كخطوات عملية لإعداد الملفات وكمراحل عملية لصون التراث غير المادي في الدولة، وهذه المعايير الخمسة هي:-
1- أن يشكل العنصر تراثا ثقافيا غير مادي وفقا لتعريفه في المادة 2 من الاتفاقية .
2- أن يسهم إدراج العنصر في تأمين إبراز التراث الثقافي غير المادي وزيادة الوعي بأهميته، وتشجيع الحوار، وبذلك يعبر عن التنوع الثقافي في العالم كله وينهض دليلا على الإبداع البشري.
3- أن تكون قد وضعت تدابير للصون من شأنها أن تحمي العنصر وتكفل الترويج له.
4- أن يكون العنصر قد رشح للصون عقب مشاركة على أوسع نطاق ممكن من جانب الجماعة أو المجموعة المعنية أو الأفراد المعنيين بحسب الحالة، وبموافقتهم الحرة والمسبقة والواعية.
5- أن يكون العنصر قد أدرج في قائمة حصر التراث الثقافي غير المادي الموجود في أراضي الدولة الطرف (الدول الأطراف) التي قدمت الترشيح ، وفقا للمادتين 11 و 12 من الاتفاقية.

التراث الثقافي غير المادي

عرفت اليونسكو التراث الثقافي غير المادي في المادة الثانية من الاتفاقية بأنه الممارسات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية تعتبرها الجماعات والمجموعات وأحياناً الأفراد جزءا من تراثهم الثقافي وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة وبما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها وهو ينمي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها ويعزز من ثم احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية. ولا يؤخذ في الحسبان لأغراض هذه الاتفاقية سوى التراث الثقافي غير المادي الذي يتفق مع الصكوك الدولية القائمة المتعلقة بحقوق الإنسان، ومع مقتضيات الاحترام المتبادل بين الجماعات والمجموعات والأفراد والتنمية المستدامة.
كما اوضحت الاتفاقية المجالات التي يندرج تعريف“التراث الثقافي غير المادي” تحتها وحددت مجموعة منها وهي :
• التقاليد وأشكال التعبير الشفهي، بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير عن التراث الثقافي غير المادي.
• فنون وتقاليد أداء العروض.
• الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات.
• المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون.
• المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية.
هذا التعريف الذي أوردته اليونسكو للتراث غير المادي يأتي بعد سلسلة من التعاريف التي تناولت هذا المجال من بينها تعريف الفلكلور حيث عرفت اليونسكو الفلكلور بمناسبة التوصيات التي أصدرتها اليونسكو بشان حماية وصيانة الميراث الثقافي والفلكلور، حيث تقرر اليونسكو أنه لغرض هذه التوصيات يقصد بالفلكلور أو الموروثات والثقافة الشعبية (كل الموروثات الثقافية التي تبدعها الجماعة ويتم التعبير عنها بواسطة الجماعة أو الأفراد وتعكس بقدر ما الهوية الثقافية والاجتماعية لهذه الجماعة، وهي تنقل شفاهة أو بالمحاكاة أو بأي وسيلة أخرى، وتتخذ اشكالا متعددة فقد تكون في اللغة –الأدب- الموسيقى- الرقص- الألعاب -الأساطير -المعتقدات –العادات- النحت –العمارة- أو أي فنون أخرى.)
وبالرغم من أن التعاريف ليست مجال الحديث في هذه الورقة والتي تناولت هذا الموضوع إلا أننا نشير الى امكانية القول بان التعريف الذي اصطلحت عليه اليونسكو جاء نتاجا لعدد كبير من التعاريف المتعلقة بالفلكلور والتراث الشعبي والثقافة الشعبية والمعارف التقليدية وغيرها.
وتجدر الإشارة الى التداخل الحاصل بين التراث غير المادي والتراث المادي فبالرغم من وجود الاختلاف بينهما إلا أن البيانات التي يجب تضمينها عند إعداد ملفات الترشيح لا بد أن تتضمن كلا الجانبين ، فعلى سبيل المثال عندما تم تقديم ملف الفضاءات الثقافية للمجالس كان التركيز على المعاني المرتبطة بالمجالس كالآداب والمفاهيم والعادات والتقاليد إلا أنه تم الإشارة كذلك الى المجلس ككيان مادي ومبنى معماري وتم مناقشة وتوضيح الدعم الحكومي والاجتماعي المقدم لبناء هكذا صرح، وكذا الحال بالنسبة للقهوة العربية فبجانب كون القهوة في ملف الترشيح متناولة من منطلق العادات والتقاليد والهوية العربية التي تتضمنها معاني الضيافة بالقهوة إلا أنه تم الحديث ووفق استمارة الترشيح عن البن وعن الدلال التي يتم تقديم القهوة من خلالها وكذلك المعدات المستخدمة في تحضير القهوة وهي أدوات مادية.
وعليه فبالرغم من الاختلاف بين التراث المادي وغير المادي إلا أنهما يجتمعان ويرتبطان فلا يمكن فصل السيف عن فن العازي ولا يمكن فصل دلة القهوة عن المعاني الاجتماعية المرتبطة بشرب القهوة كتراث غير مادي.

وبالرجوع الى تعريف اليونسكو للتراث غير المادي فإنه يمكن استخلاص مجموعة من الخصائص التي وضعتها اليونسكو لتفنيد التراث غير المادي وهي:-
- ان يكون لهذا التراث ممارسون من الجماعات أو المجموعات أو الأفراد لضمان حياته.
- ديمومة الابداع من جيل لآخر.
- التوافق والاحترام لحقوق الإنسان والاتفاقيات ذات العلاقة.
- أن يكون له بُعد تاريخ يعطي شعورا بالهوية الثقافية لحامليه.

إبراز التراث الثقافي غير المادي

في عام 2003م كانت الانطلاقة الأولى للاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، هذه الاتفاقية التي جاءت من أجل صون التراث الثقافي غير المادي، ولتكمل النقص التشريعي الحاصل في هذا الجانب على المستوى الوطني والدولي.مبدأ الحماية والصون الذي نادت به الاتفاقية تعددت أنواعه ومناشطة ومن بين هذا الصون إبراز التراث الثقافي غير المادي .وقد حدد المعيار الثاني من معايير القائمة التمثيلية للتراث غير المادي عدة جوانب لهذا الإبراز سنتناولها بالشرح والتحليل:-

زيادة الوعي

تعتبر هذه النقطة من أبرز النقاط ذات الاهمية في التعامل مع التراث الثقافي غير المادي، فلربما تحمل جماعة معينة إرثا خاصا بها ويكون من عجائب العالم إلا أنها تجهل أهمية هذا الإرث وأهمية المحافظة عليه، لذلك من الضروري أن يتم العمل على رفع الاهتمام بالتراث غير المادي لحاملي العنصر وذلك من خلال البرامج والفعاليات التي تقام لتسليط الضوء على المفردة التي يتم ترشيحها للقائمة، وأن يتم شرح أهمية هذا العنصر لجميع الاطراف ذات العلاقة به ، وأن توضع له خطة عمل ليتم تسويقه وتعريف المجتمع بأهميته، وذلك بموافقة حاملي هذا العنصر بل ومشاركتهم في اجراءات وسياسات التوعية.

تشجيع الحوار

ما يميز التراث الثقافي غير المادي بأنه منتشر في الكثير من المجتمعات، وهناك العديد من مفردات هذا الإرث التي تمارس في العديد من دول العالم باختلاف ثقافاتهم وهويتهم، وليس أدل على ذلك من عنصر الصقارة الذي أدرج في عام 2011م وهو اليوم يضم أكثر من 16 دولة حول العالم وهو يعتبر من الملفات الدولية المشتركة النموذجية.
هذا الاشتراك في العنصر بكل تأكيد سوف يتبعه حوار بين حاملي هذا العنصر فهناك ورش عمل وملتقيات تجمع كل ممارسي العنصر من مختلف الدول أو حتى في الدولة الواحدة هذا اللقاء سوف يساعد على الحوار وتبادل المعلومات حول كل ما يضمن الحماية والصون والترويج للمفردة التراثية وللتراث غير المادي بشكل عام.
- يعبر عن التنوع الثقافي في العالم كله:
كان الإعلان الاول للقائمة العالمية للتراث غير المادي في عام 2010م بمدينة نيروبي عاصمة كينيا وقد تضمنت القائمة إدراج العديد من العناصر بجانب العناصر التي تم إدراجها مباشرة والتي كانت ضمن روائع التراث الشفهي التي تعلنها اليونسكو، وقد تواصلت عملية إدراج الملفات في القائمة التمثيلية من مختلف الثقافات حول العالم.
هذا التنوع والثراء في القائمة بدون أدنى شك يمثل تنوعاً ثقافياً عالمياً، فإدراج أي عنصر لأي دولة وثقافة يساهم في تعزيز التنوع الثقافي العالمي فما بين العادات والتقاليد والطقوس والفنون والفضاءات الثقافية ثراء عالمي يعكس جمال هذا العالم وثراءه.

الإبداع البشري:
الحديث عن العنصر يجب أن يتضمن الإشارة الى الابداع البشري في هذا العنصر، فالفنون والحرف والطقوس مجالات تعتمد على ما يبدعه الإنسان من مهارات ترتبط بحياته وتفرضها عليه متطلبات العمل والبقاء لهذا الإرث، فالفنانون والموسيقيون يقومون بإبداع تراثهم الفني ويحرصون على دراسته وتأهيله وإيجاد الطرق لنشره وتسويقه، وكذا الحال بالنسبة للصناعات الحرفية فالحرفة، تعتمد على الإبداع فيما ينتجه الحرفي.
وبالتالي فإن الاليات المذكورة اعلاه تساهم بصورة مباشرة في التأكيد على تحقيق المعيار الثاني من معايير الادراج ومتى ما تم تقديم تقارير حولها وما يثبت تنفيذها تكون الدولة قد نجحت في اثبات تحقيق المعيار بنجاح.

تدابير الصون
عرفت الاتفاقية الدولية للتراث غير المادي كلمة (الصون) بالتدابير الرامية الى ضمان استدامة التراث الثقافي غير المادي بما في ذلك تحديد هذا التراث وتوثيقه وإجراء البحوث بشأنه والمحافظة عليه وحمايته وتعزيزه وإبرازه ونقله لا سيما عن طريق التعليم النظامي وغير النظامي وإحياء مختلف جوانب هذا التراث.
وعليه ومن خلال هذا التعريف يمكن القول بأن تدابير الصون هي مجموعة من الوظائف والأنشطة الرامية إلى توفير الحماية اللازمة للتراث غير المادي بجانب الاهتمام بنشر هذا التراث وتوفير الاحترام له، بالإضافة الى إيجاد الوسائل الناجعة لاستمرارية هذا الإرث عبر ضمان تناقله جيل بعد آخر.
وبما ان المعيار الثالث ينص على أن تكون قد وضعت الدولة تدابير للصون من شأنها أن تحمي العنصر وتكفل الترويج له.فيمكن هنا تقسيم إجراءات الصون الخاصة بالتراث الثقافي غير المادي وفقاً للأتي:-
* الجمع والتوثيق:
يعتبر اندثار التراث غير المادي من خلال فقد ممارسيه من أخطر المهددات التي تحيط بالتراث غير المادي، لذلك يجب أن تكون المرحلة الاولى من مراحل الصون هي العمل على جمع مفردات هذا التراث وتوثيقه.
وتختلف إجراءات وبرامج التوثيق الخاصة بالتراث غير المادي وفق نوعية هذا التراث ومجاله ومنها:-
• تسجيل التراث غير المادي من خلال ممارسي هذا الإرث وفق الوضع الطبيعي لهذا الإرث ومن أمثلة ذلك البرنامج الذي نفذته وزارة التراث والثقافة بالسلطنة والمتعلق بتسجيل الفنون الشعبية العمانية من خلال الممارسين لهذه الفنون.
• إجراء مقابلات مباشرة مع حاملي هذا التراث وبالأخص التراث الشفهي، كمشاريع جمع التاريخ المروي.
• إصدار الكتب والدوريات المتعلقة بالتراث غير المادي.
• تصوير مشاهد للتراث غير المادي سواء بالفيديو أو التصوير الفوتوغرافي.

الترويج والنشر

يمثل الترويج أهمية بالغة لحفظ التراث غير المادي، والترويج يشتمل على مجموعة من المناشط والبرامج التي تضمن هذه الخطوة ومن أمثلتها:-
• تقديم التراث غير المادي من خلال (المهرجانات والفعاليات الثقافية والمعارض والمتاحف) هذه الخطوة من شأنها أن تضمن التعريف بهذا المجال وبالتالي وصوله الى أكبر شريحة من المهتمين والجمهور، كما أنها سوف تؤدي الى إحياء هذا التراث وإنعاشه من خلال ممارسته بشكل مستمر.
• العمل على نشر مجموعة من الدوريات العلمية المتخصصة بالتراث غير المادي أو نشر المواضيع ذات الصلة بهذا المجال ومن أمثلة ذلك المجلة العلمية التي كانت تصدر عن مركز التراث الشعبي لدول مجلس التعاون سابقاً (مجلة الموروث الشعبي) ومجلة الثقافة الشعبية التي تصدر عن أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر بمملكة البحرين.
• تكريس البرامج الإعلامية ذات العلاقة بالتراث غير المادي كتقديم البرامج الإعلامية الجماهيرية التي تعتمد على الحوار كالبرامج المتعلقة بالفنون الشعبية وبرامج الأمثال وغيرها، بجانب العمل على إيجاد أعمال برامجية تستقي مادتها من التراث الثقافي العماني كالقصص والروايات على أن يتم وضع سيناريو متكامل ليتم من خلاله تقديم معاني التراث غير المادي بشكل يساعد على ترويجه والتعريف به.

• اجراء المسابقات ذات العلاقة بالتراث غير المادي بإشراك الشباب وصغار السن ومن أمثلة هذه الفعاليات تنظيم مسابقات الألعاب الشعبية التقليدية أو مسابقات الفنون الشعبية كمسابقة اليوله.

النقل والاستدامة

يمثل موضوع نقل التراث غير المادي من جيل الى آخر أهمية بالغة لصون التراث الثقافي غير المادي، فحاملو هذا الأرث هم البشر وبحكم صيرورة الحياة فهم معرضون للفناء، مدركين بان الإنسان هو مبدع التراث غير المادي وصانعه فبالتالي من المنطق أن يكون هو كذلك حامل هذا الإرث ، وفي هذا المجال نود الإشارة الى موضوع في غاية الأهمية في موضوع النقل. وهو أن تأخذ في الحسبان المعطيات الثقافية والبيئية المحيطة بكل جيل، فلا يمكن أن نرغم الجيل الحالي على عادات وتقاليد من جيل آخر قد انتهى، وثمة مقولة مشهورة في هذا الجانب لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ” ربوا أبناءكم على غير أخلاقكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم”.
وبالتالي من الواجب القول ان عملية النقل من جيل الى آخر يجب أن تأخذ في الحسبان جانبين:-
الأول/ أن تكون هذه العملية تتماشى والعصر الذي نعيشه، فلا يمكن الإتيان بعادات وتقاليد لا يقبلها العصر الحالي، أو لا تتماشى مع المعطيات البيئية والثقافية التي نعيشها في هذا العصر.
الثاني/ يجب ان تأخذ عملية النقل مبدأ الإبداع والتجديد الذي نصت عليه الاتفاقية الدولية في تعريفها للتراث غير المادي، فلكي يستمر هذا الإرث لا بد أن تصحبه عملية إبداع بشكل مستمر بما يتماشى وروح العصر من جانب ودون التأثير سلبا على هذا الإرث من جانب آخر.
ولعملية نقل التراث غير المادي العديد من البرامج والمناشط التي يمكن القيام بها ومنها:-
• إدخال هذا الإرث ضمن المناهج التعليمية في المدارس والجامعات.
• إعداد حلقات عمل وورش متخصصة تستهدف جيل الشباب.
• محاولة إحياء التراث من خلال ممارسته عبر جيل الشباب والاطفال.
• اصطحاب الاطفال الى الفضاءات الثقافية المعنية بالتراث غير المادي كالمجالس.
• غرس مفاهيم هذا الإرث في نفوس الناشئة من خلال وسائل الاتصال الجماهيري.
• تشجيع ودعم ممارسة هذا التراث كدعم الصناعات الحرفية وفرق الفنون الشعبية.

مشاركة الجماعات والمجموعات

اوردت الاتفاقية الدولية للتراث غير المادي مصطلح مشاركة الجماعات والمجموعات في الاتفاقية وقد اشترطت على الدول أن يتم إشراك الجماعات والمجموعات في عملية إعداد ملفات الترشيح الخاصة بالعناصر ومشاركتها في إعداد قوائم الحصر كما سيأتي لأحقاً.
إلا انه وبالرغم من أهمية هذه النقطة في التوجيهات التنفيذية للاتفاقية وأعني بها مشاركة الجماعات والمجموعات إلا أن المشرع الذي وضع الاتفاقية لم يورد نصا واضحا يعرف معنى الجماعات والمجموعات، لذلك فإن هذه النقطة قد أظهرت الكثير من الخلاف في عملية إدراج الملفات فكيف يمكن اعتبار أن الجماعات قد شاركت في إعداد الملف وما هي هذه الجماعات التي يستوجب مشاركتها في إعداد الملف؟
فثمة عناصر من التراث غير المادي تكون له جماعة محددة يطلق عليها في بعض الدول الممارسون الأصليون للعنصر أو الإرث، وهناك دول لا تعترف بالجماعات بل قد تعتبره تمييزا عرقيا أو أثنيا أو دينيا وبالتالي تستبعد مثل هذه المصطلحات، وثمة دول أخرى توجد لديها منظمات مجتمع مدني وبالتالي هي تمثل في بعض الاطروحات والمشاركات الجماعات المعنية بالعنصر.
إلا أنه وبطبيعة الحال فقد اشترطت الاتفاقية مشاركة الجماعات والمجموعات في إعداد الملف وهو أمر في غاية العقلانية والمنطقية فالفرد والمجتمع هو حامل التراث الثقافي وهو مبدعه والمحافظ عليه، لذلك نصت الاتفاقية بضرورة أن تثبت تلك الدول مشاركة تلك الجماعات في إعداد الملف.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة من الاجراءات لغاية اثبات تحقيق المعيار الرابع من معايير الادراج وبالتالي تسهيل مهمة المقيم في التأكد من استيفاء الملف للمطلوب وسنضعها بالترتيب الاتي :-
- أن تقدم الجماعات أو المجموعات طلبا مسجلا ترغب فيه بإدراج العنصر التراثي الذي تحمله في قوائم التراث غير المادي.
- جميع البيانات والتعاريف والمصطلحات الواردة في العنصر يجب أن يتم اخذها من قبل الممارسين للعنصر.
- أن تقوم الدولة بعرض الملف على الممارسين للعنصر للتأكد من سلامة ودقة البيانات التي وردت في الملف.
- أن يتم تضمين الملف شهادات موقعة من قبل الجمعيات غير الحكومية أو الممارسين أو المهتمين تثبت مشاركتهم في إعداد ملف الترشيح.
- الصور والمواد الداعمة كالصور والتسجيلات المختلفة التي توضح العنصر وتفنده ويجب أن يتم أخذها من المجتمع الممارس وبموافقتهم الفعلية.
- يجب على الدولة المقدمة للملف أن تثبت عدم تعارض هذا العنصر مع أية ممارسات عرفية في المجتمع وأن عملية إعداد الملف قد تمت بموافقة حملة العنصر أنفسهم.

قوائم الحصر الوطنية

أوردت الاتفاقية الدولية للتراث غير المادي مادتين من مواد الاتفاقية في موضوع قوائم الجرد الوطنية وهما :
* المادة 11 – ب
• القيام في إطار تدابير الصون المذكورة في الفقرة 3 من المادة 2 بتحديد وتعريف مختلف عناصر التراث الثقافي غير المادي الموجود في أراضيها، بمشاركة الجماعات والمجموعات والمنظمات غير الحكومية.
* المادة 12- 1
• من أجل ضمان تحديد التراث الثقافي غير المادي بقصد صونه، تقوم كل دولة طرف بوضع قائمة أو أكثر لحصر التراث الثقافي غير المادي الموجود في أراضيها ويجري استيفاء هذه القوائم بانتظام.
كما وتقوم كل دولة طرف لدى تقديم تقريرها الدوري الى اللجنة وفقا لأحكام المادة 29، بتوفير المعلومات المناسبة بشأن هذه القوائم وما يتم بشأن تحديثها.
وبالتالي من المهم وضع توضيح لقوائم الحصر حتى تكون الصورة متكاملة وواضحة
* قوائم الحصر:
قوائم الحصر التي نصت عليها اتفاقية 2003م عبارة عن سجلات متكاملة لعناصر التراث الثقافي غير المادي في أراضي الدولة وذلك وفق ما تراه الدولة مناسباً من قوائم فقد تكون قائمة أو أكثر شريطة أن يتوفر الرابط الذي يجمع بين هذه القوائم فقد يوجد عنصر يمكن أن يدرج في قائمتين أو أكثر.
ويسبق قوائم الحصر تفنيد وتوضيح لهذا التراث بحيث يشمل ذلك تعريف كل عنصر والمجالات التي يشملها ونطاقه الجغرافي وغيرها من البيانات التي تساهم في توضيح العنصر وتعريفه بصورة لا تقبل اللبس.
وتعتبر قوائم الحصر أحد أهم تدابير الصون الخاصة بالتراث الثقافي غير المادي في أي دولة من دول العالم فهي السجل الذي يتم فيه تقييد كل العناصر كما أنها تضم مختلف البيانات والمعلومات الخاصة بالعنصر.
إلا أن أهم شرط من شروط إعداد القائمة هو مشاركة الجماعات والافراد الممارسين للعناصر، وتكمن هذه الأهمية في أن المعلومات المطلوبة للعنصر لا يمكن استقاؤها إلا من الممارسين والحاملين للعنصر كما أن هذه الخطوة تضمن مشاركة المجتمع في الاتفاقية وفي تنفيذ البنود الخاصة بها.
و من المهم هنا سرد آليات مشاركة الجماعات والمجموعات في اعداد قوائم الحصر:-
• يجب أن يتم جمع كل البيانات الخاصة بالعنصر من خلال اللقاءات المباشرة بممارسي العنصر وذلك بواسطة الجهات الحكومية القائمة على عمل القائمة.
• أن يتم الأخذ بكل المصادر والمراجع التي تناولت العنصر، سواء المؤلفات التي تناولت العنصر بطريقة مباشرة أو من خلال الإشارة إليه.
• أية معطيات أخرى تتطلبها القائمة يجب أن يتم أخذها من خلال الممارسين أنفسهم وبموافقتهم كالصور الفوتوغرافية الخاصة بالعنصر أو الصور المتحركة.
• يفضل أن يتم تقديم وثائق وشهادات مكتوبة من حاملي العنصر وممارسيه تثبت مشاركتهم في عملية جمع البيانات.
• فور الانتهاء من قوائم الحصر يتم عرض كل المعلومات التي تضمنتها القائمة على الممارسين وحاملي العنصر وذلك لمراجعتها والتحقق من ما ورد فيها من معلومات، وذلك قبل اعتمادها بشكل نهائي.
• إذا وجدت هيئات مجتمع مدني متخصصة أو مؤسسات أكاديمية فلا بد من الرجوع إليها لاستيفاء المعلومات حول العناصر المدرجة في قوائم الحصر، وكذلك الحال بالنسبة للمؤسسات الأكاديمية والباحثين والمهتمين بهذا الجانب.
وبشكل عام ووفق ما اسلفنا فإنه لا يشترط عدد معين لقوائم الحصر، كما أن اليونسكو لا تشترط صيغة معينة لتلك القوائم إلا إنه يفضل أن تحتوي قوائم الحصر على النقاط التالية المتعلقة بالعنصر:-
* أن تحتوي القائمة على تعريف مفصل للعنصر.
* أن تحدد النطاق الجغرافي للعنصر مشتملاً أماكن وتوزيعات ممارسته.
* أن تضم الاستمارة ما يشير الى أصالة العنصر.
* ان تحدد الاستمارة أسماء ممارسي العنصر سواء من مجتمعات أو أفراد.
* يفضل ان تتناول استمارة الحصر المخاطر والتهديدات التي تحيط بالعنصر ومدى قدرته على البقاء والاستمرار.
* ان تكون قوائم الحصر مرنة بحيث تستطيع استيعاب كل المتغيرات حول العناصر المدرجة كما أنه تتيح عملية التغيير والإضافة والاستبدال في أي وقت.
وبجانب تلك النقاط الموضوعية يجب أن تضم الاستمارة بعض الإجراءات الفنية كتواريخ الإدراج واسم القائم على عملية الجمع ومدخل البيانات، بالإضافة الى مساحات تخزينيه – في البرامج الإلكترونية- للوثائق والصور الفتوغرافية المتعلقة بالعنصر.
ومتى ما تم استكمال قوائم الحصر ووفق منهجية علمية فإنها ولا شك ستكون من المراجع المهمة للباحثين والدارسين حول مختلف المواضيع التي تتناولها، كما أنها تكون مادة صالحة لطباعة عدة إصدارات علمية متخصصة وفق المجالات التي تتناولها القائمة.

الخاتمة

بالرغم من أن الاتفاقية الدولية للتراث غير المادي قد تضمنت عدة برامج ومناشط متعددة إلا أن القائمة التمثيلية للتراث غير المادي تعتبر من أبرز هذه المناشط التي جاءت بها هذه الاتفاقية.
وبالرغم من أن القائمة لا تشكل حماية تشريعية أو قانونية للعنصر إلا أنه يمكن تسميتها خارطة عمل متكاملة لحماية وصون التراث الثقافي غير المادي في الدولة وذلك عبر ما يتضمنه الوصول الى هذه القوائم من خطوات عملية تمثل الحفاظ على التراث غير المادي على المستوى المحلي.

المصادر :
- وزارة التراث والثقافة،من مفردات التراث الثقافي غير المادي،مسقط2011.
- البراوي حسن حسين،الحماية القانونية للمأثورات الشعبية ، دار النهضة العربية القاهرة.
- هيئة ابوظبي للثقافة والتراث، التراث غير المادي كيفية الحفاظ عليه….،ط1 ابوظبي 2008 .
- اليونسكو ،النصوص الأساسية اتفاقية عام2003 صون التراث غير المادي،باريس2012.

* ورقة القيت في ندوة الحماية القانونية للتراث الثقافي (الدوحة خلال الفترة من 29 إلى 31 مارس 2015م)

سعيد بن سلطان بن يعرب البوسعيدي

إلى الأعلى