الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المشهد الوطني العماني تأسس على قيم المواطنة

المشهد الوطني العماني تأسس على قيم المواطنة

سعود بن علي الحارثي

” لقد تميز المشهد الوطني في عمان وعبر العقود الأربعة الماضية في عمومه بالتعايش السلمي وخلو الخطاب بمختلف صوره ومجالاته ومستوياته سياسيا أو دينيا أو ثقافيا من أي تعصب أو إقصاء أو تخوين أو تكفير أو سلوك أو ممارسة أو تصرف يسعى أو يهدف إلى تصنيف أبناء الوطن إلى تيارات أو انتماءات خارجة عن الانتماء إلى الوطن,”
ـــــــــــــــــــــــــ
تحدثنا في المقال الأول بشيء من التفصيل عن غياب جلالة السلطان المعظم وعودته سالما معافا إلى أرض الوطن وما رسمه العمانيون من ملاحم وطنية تعبيرا عن حبهم العميق لسلطان البلاد – حفظه الله ورعاه – وفاء وتجديدا وولاء خالصا, واستعرضنا في المقال الثاني تلك الخصائص السياسية والانسانية والقيادية التي يتمتع بها القائد المفدى والتي أصبحت معلما من معالم العمل الوطني, والمطالبة بأن يستمد العمانيون من سلطانهم السمو والحكمة والرزانة والرؤية الإنسانية السامية والهدوء في أعمالهم وتصرفاتهم وتعاملاتهم وحواراتهم مع الآخرين, وتضمن المقال الثالث ثوابت السياسة الخارجية للسلطنة وما يمثله اصطفاف المجتمع خلف القيادة الحكيمة في الدفاع عن سياسة بلده من أهمية يأتي في مقدمتها البعد الوطني الذي هو مسئولية كل مواطن مخلص لوطنه, ويأتي المقال الرابع والأخير في هذا المجال موظفا تلكم المقومات في تعزيز الوحدة الوطنية وتعميقها في نفوس المواطنين, وتشكيل وعي عام قادر على التعامل مع التحديات والأحداث والتهديدات والظروف الطارئة على المستويين الداخلي والخارجي وضمان تجاوز آثارها الضارة والوقوف بحزم أمام أي محاولات تبتغي إثارة الفتنة أو زعزعة استقرار عمان أو تشكيك المواطن في سياسات قيادته ووضع كل مواطن أمام مسئولياته الوطنية للمساهمة في تحقيق تلكم الغايات السامية, وذلك بما يحقق مصالح الوطن ويضمن للمجتمع مستقبلا أكثر اشراقا وازدهارا. إن الأوضاع الحساسة والصراعات الحادة التي تمر بها المنطقة والممارسات التي تتعارض أحيانا مع التوجهات العمانية غير مطمئنة البتة, والتأثر بسياسات هذا الطرف أو ذاك والتعصب لها والتمذهب بات واضحا في افكار واطروحات البعض وإن كانوا قلة إلا أن مسألة التصدي لهذه الظاهرة بات ضروريا بل وملحا لكي نتمكن من تحجيمها وإضعاف آثارها, إن المتابع لمجريات ومحاور النقاش وتوجهاته في وسائل التواصل الاجتماعي وما تفضي إليه من نتائج تشي بالتعصب والهجوم الحاد والاتهامات المفرطة والخروج عن قيم الحوار وآدابه, يستشعر حجم المشكلة المستوردة من خارج البيئة العمانية والتي لا تمت بصلة إلى ثقافة العمانيين ويدرك حجم المسئولية التي ينبغي أن يتحملها الجميع مؤسسات وقطاعات وأفراد كل في موقعه وبما يملك من أدوات ووسائل وقدرات تحقق أهداف المواطنة الصالحة والمحمودة, وتجنب بلادنا ما يحدث في الكثير من بلدان المنطقة العربية من اتساع لثقافة التعصب المقيتة وما أحدثته من أخطار ومآسي ودمار وانهيار للدولة ومؤسساتها … وعليه فمن الأهمية بمكان العمل على تبني خطاب توعوي يركز على تعزيز الوحدة بين مكونات المجتمع ويحفز الروح الوطنية ويتعاطى مع الاحداث بوعي وادراك للعواقب تشرك فيه مختلف المؤسسات وعلى راسها المؤسسة الاعلامية ونخب المجتمع من العلماء والمثقفين والمعلمين في المدارس والاكاديميين في مؤسسات التعليم العالي, ومن مختلف الفئات والشرائح المجتمعية. إنني لأشعر بالخوف وينتابني الرعب لما أراه وأشهده وأتبع تطوراته وصوره وأحداثه في بلاد العرب من استباحة لدم الأبرياء ومن استهانة لقتل البشر وكأنهم خراف يضحى بهم في يوم عيد, من هذا السعار المؤسس والمعزز للطائفية والمذهبية والحزبية, من هذا التعصب المقيت الذي يأخذ في طريقه آلاف الأبرياء ويهدم الأوطان ويخرب النفوس والعقول ويعيد الأمة إلى عصور التخلف والجهل والقبلية ويفصلها عن زمن الحداثة والتطور والتحضر ويحول مستقبل أبنائنا إلى تلال وأكوام من الكوارث لا نهاية لها, إلى نفق مظلم تغرق في أوحاله الأجيال القادمة, أشعر بالخوف وينتابني الرعب على وطني خاصة من أن يستفحل هذا الجنون فيصل إلينا وتتسع أعراض المرض الخبيث وعدواه أو يجد منفذا أو ضعفا من بعضنا فيتسلل إلى عقولنا فيسلبها خاصية التفكير والمنطق والاتزان, فما زالت علامات الاستغراب والتعجب ترافقها عشرات الأسئلة عن مصدر وماهية ومبررات وأسباب هذا المرض العضال الذي استفحل في أوطاننا وتوغل في أجسادنا, فاستلب ثقافتنا وسيطر على عقولنا وسطى على قيمنا الإنسانية وداس على تلك الجماليات والمثل التي حفلت بها أمجادنا وانجازاتنا الحضارية وشوه رسالتنا الإسلامية ووظفها بشكل مقلوب لبث سمومه ونشر جراثيمه وتحقيق سيطرته على الإنسان وتحويله إلى ألعوبة يشكلها ويوجهها كيفما أراد, تقف حائـرة دون أن تجـد الاجابات الشافية .. فأي جنون هذا الذي يعطل العقول ويحول الطاقات الإنسانية إلى أدوات قتل وتخريب وإفساد في أوطان يرفع فيها اسم الله ويعلو صوت الآذان خمس مرات في اليوم عبر عشرات الآلاف من المآذن والمساجد ويتلى كتابه ليلا ونهارا بما يتضمنه من آيات محكمة وبما يحتويه من حجج وبراهين وبما يقدمه من دروس قيمة في فن وطرق الحوار والإقناع بالتي هي أحسن بالكلمة الطيبة وبالدعوة إلى حريـة التعبير وحرية الكلمة وحرية الاعتقاد (( لكم دينكم ولي دين … )) ؟… إنه وبسبب تلك التغذية وتوظيف المشاعر والعواطف وتجييشها واستثمارها, وبسبب ما يكتبه ويخطه البعض من كتابات مسمومة ودعوات مذهبية وطائفية وشعبوية على وسائل التواصل وصفحاته ومنابره ومنتدياته, وقيام بعض إخواننا سامحهم الله بقصد أو بحسن نية ودون وعي بخطورتها وتأثيراتها بنشرها وطرحها على مجموعات الواتسب والشبكات الداخلية وغيرها, فتحدث ردات فعل عنيفة وتعليقات مسيئة وتتعرض لمناقشات تفضي إلى الانقسام والتعصب والتسطيح الفكري والثقافي وتراجع الوعي, وكأنهم بتلك المشاركات قد حققوا أهداف ومبتغيات من كتبها ووضعها لتنتشر وتؤدي إلى إثارة النعرات والتعصب الأعمى , وقد نبهنا أكثر من مرة وطالبنا بتجاهل مثل هذه الكتابات وتجاوزها وإهمالها وكأنها لم تكن, والانشغال بما يخدم هذا الوطن ومجتمعه من رؤى وملاحظات ومناقشات واطروحات ونقد بناء لمختلف القضايا والمواضيع ذات الشأن الوطني التي تهمنا جميعا ودعم وتعزيز اللحمة الوطنية. إن الواقع الحساس يستدعي منا بلوغ أعلى درجات الوعي والحذر والتنبه للمخاطر التي نواجهها والقيام بحماية وطننا ومكتسباته وقيمه وثقافته وخصوصياته, والحرص على عدم الانجرار إلى مستنقع قد يبيت لنا بليل, وأن نحافظ بكل ما نملك على اللحمة الوطنية ووحدة وقوة النسيج الاجتماعي الذي جاء واحدا من أهم مكتسبات هذه النهضة, وأن نعمل على تعزيز وترسيخ قيم المواطنة فهي عنصر استقرار هذا الوطن وعامل ازدهاره وبها تتحقق قوة ونهضة مجتمعه, علينا أن نحدد تحركاتنا ونشخص الوقائع ونعلن عن مواقفنا منها وفقا لما ترسمه لنا عقولنا وأفكارنا بعد تمحيص دقيق ورؤية متفحصة وبما يتفق مع أخلاقنا والسياسة العامة للدولة , وأن نتسامى عن الأعمال والتصرفات التي قد ندفع ثمنها غاليا في المستقبل, وأن ننحاز إلى قيمنا وثوابتنا وأخلاقياتنا في التعامل مع بعضنا البعض, أن نكون أكثر حكمة وقدرة على الفهم والبحث والتشخيص في الأسباب, وأن نأخذ ما استطعنا إلى ذلك سبيلا بسلاح الحوار والتفاهم وتقديم النصح والتسامح والإصغاء إلى الرأي الآخر ومنحه الفرصة لتقديم مبرراته ودوافعه, بدلا من أن تحركنا العواطف والأهواء المتسرعة واللحظية التي قد تفضي إلى معالجات خاطئة وإلى تأزيم الأمور… ولا شك بأن في تحصين الجبهة الداخلية وتماسكها يكمن السر الحقيقي في قوة المجتمع وفي قدرته على مواجهة المخاطر والتحديات والمشكلات أيا كان مصدرها, في تلاحم أفراد المجتمع وفي ثباتهم وقوة انتمائهم إلى الوطن, فالوطن الذي ينتمي أبناؤه إليه, باعتباره مثوى الآباء والأجداد الذين أسسوا بناءه وساهموا في الحفاظ على ترابه وهويته ودافعوا عنه بدمائهم وأرواحهم لكي يظل حرا أبيا, يمثل في المقابل مستقبل الأبناء والأحفاد ومن حقهم على من يعيش حاضره العمل على مواصلة عملية البناء والتطوير والمحافظة بأمانة وإخلاص على المكتسبات التي تحققت وصون وطنهم من أي عبث أو تخريب أو مسعى يهدف إلى زعزعة استقراره, فالوطن الجامع لكل المنتمين إليه ينبغي أن تذوب من أجل مصالحه ومن أجل الدفاع عنه القوميات والعرقيات والمذهبيات في بوتقة واحدة , فالمصالح العامة لهذا المجتمع التي ينبغي أن يدركها ويميزها الجميع, والمكتسبات المتحققة التي يمتلك كل فرد جزءا منها, تشكل قاعدة أساسية حري بها أن تربط أفراد المجتمع برباط واحد وتجمعهم على هدف واحد مشترك لا يشذ منه فرد عن المجموع وإلا كانت العواقب خطيرة , وسيحقق كل مجتمع النجاح والنصر في مواجهـة التحديات الداخلية والتدخلات الخارجيـة إذا كانت جبهته الداخلية موحدة, ولم تنجح ولن تنحج أي قوة مهما بلغ شأوها في التدخل المباشر وغير المباشر في شئون مجتمع آخر ما دام أفراده متماسكون وجبهتهم الداخلية موحدة لا ينفذ منها أي خيط يحمل مآرب خبيثة, وإن نجحت تلك القوة فسوف يكون نجاحها من خلال تفكيك الجبهة الداخلية وبث الفتن المذهبية والحزبية والفئوية التي تؤدي إلى تقسيم المجتمع وتخريب نسيجه الاجتماعي .. وللدولة بمؤسساتها وأجهزتها وامكاناتها وجهودها دور مهم وأساسي في العمل على تحصين الجبهة الداخلية والاطمئنان إلى تماسكها وجاهزيتها لمواجهة التحديات والمخاطر والأزمات التي تواجه مجتمعها , والثقة بأن أفراد هذا المجتمع دونما استثناء على درجة عالية من المسئولية ولديهم القدرة والمكنة على تمييز الخير من الشر , وتبين ما يهدد مصالحهم وما يخدمها ويصلحها , وذلك من خلال:
أولا : تنشئة أفراد المجتمع على القيم الثقافية والأخلاقية والاجتماعية التي استمد منها هذا المجتمع ثقافته وتقاليده الأصيلة عبر التاريخ , فحفظت له كيانه ومقوماته واستقلاليته.
ثانيا: ربط جميع أفراد المجتمع بهويتهم الوطنية وتعزيز الروابط الاجتماعية والحفاظ على النسيج الاجتماعي من خلال محاربة كل أشكال الفساد, فباستشراء الفساد تنهار الحضارات وتتفكك المجتمعات وتضعف الدول القوية, والعمل على أن تكون السيادة للقانون وبما يكفل إقامة العدل ليستظل بظلاله الوارفة ويستشعر ثماره الحلوة جميع أفراد المجتمع دونما إستثناء, وتأسيس وتفعيل ثقافة الحوار وقيم المشاركة التي تستهدف جميع فئات وقطاعات وشرائح المجتمع قولا وفعلا.
ثالثا: تكثيف وتصميم البرامج والوسائل التوعوية التي تبصر المجتمع بالتحديات والمشاكل والأزمات التي تواجهه وحثهم على أهمية التكاتف والالتفاف والتعاضد للتعامل معها.
رابعا: التعامل مع أفراد المجتمع بالشفافية والوضوح في كل القضايا والمواضيع التي تعنيهم وتهمهم وترتبط بمصالحهم. كلنا متفقون على حساسية المرحلة وخصوصيتها وظروفها الاستثنائية محليا وإقليميا وعالميا, وبأن العمل الوطني يتطلب أعلى درجات المسئولية, وأعلى درجات الوعي والشعور بالحس الوطني, فكل كلمة يتفوه بها المواطن أو يكتبها وينشرها في وسائل الإعلام والمنتديات وكل قرار يتخذه أو خطوة يخطوها في الشأن الوطني وفي قضايا المجتمع ومصالحه لها عواقب ونتائج وهو ما يجب أن نحسب له حسابه, وكلنا متفقون على أن العواطف والانفعالات والخروج عن قيم المجتمع ومبادئه والتحريض والتهم المعلنة التي تفتقر إلى الأدلة والصور القانونية والانطباعات المتسرعة والتعصب الأعمى لرأي أو فكر والتراشق بالكلمات البذيئة والمس بالمحظورات وخصوصيات الناس واستغلال الحريات المتاحة وشبكات التواصل في ذلك, تتنافى مع القوانين والشرائع (( متفقون )) على أنها تشكل خطرا كبيرا على حاضر الوطن ومستقبله, وتعمل على وأد كل المكاسب التي تحققت في مجال الحريات والاصلاح والمشاركة وتضع العقبات أمام كل عمل جاد ومخلص وكلمة ناقدة ورأي أصيل تهدف إلى الإصلاح وتعيق كل المساعي الطيبة التي يقوم بها الكثير من المخلصين, إن كل ما يتعلق بالشأن الوطني وبقضايا المجتمع لا يمكن أن تنفرد بمسئوليته مؤسسة أو طرف أو فرد من الأفراد, فهي مسئولية يشترك فيها الجمبع كل من موقع مسئوليته, والمواطنة كذلك حق يشترك فيها المواطنون جميعا, ولا يملك أي أحد أن ينتزع هذا الحق إلا بحكم القانون وفقا لجرم كبير أو خيانة. إن هذا الوطن الكبير هو عامل وحدتنا وملتقى كلمتنا ومنشأ اتحادنا وأساس بقائنا, فالوطن عزيز لأننا عشنا مراحـل حياتنا على ترابه, وستضم رفاتنا أرضه المقدسة, تاريخنا, ثقافتنا, عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا, وما تحمله ذاكرتنا من مشاهد وصور ولمحات ولمسات جميلة , الماضي والحاضر والمستقبل, كل ما يرتبط بنا جميعه مرتبط بالوطن هو من يصوغ ويرسم نجاحنا ومستقبلنا ويمنحنا الأمل ويدفعنا نحو تحقيق الطموحات.
لقد تميز المشهد الوطني في عمان وعبر العقود الأربعة الماضية في عمومه بالتعايش السلمي وخلو الخطاب بمختلف صوره ومجالاته ومستوياته سياسيا أو دينيا أو ثقافيا من أي تعصب أو إقصاء أو تخوين أو تكفير أو سلوك أو ممارسة أو تصرف يسعى أو يهدف إلى تصنيف أبناء الوطن إلى تيارات أو انتماءات خارجة عن الانتماء إلى الوطن, فعمان فوق الجميع شعار استوعبه العمانيون وعملوا بنهجه واتبعوا هداه فأصبحوا بهذا التعايش وهذا الانسجام الرائع الاستثناء من القاعدة العامة لما يحدث في عدد من بلداننا العربية, ومثالا حيا تقتبس قيمه ومعانيه الجميلة وتستخدمه العديد من الشخصيات السياسية والدينية والثقافية والاعلامية في دول وبلدان كثيرة في كتاباتها وتصريحاتها وبرامجها حول نجاح التعايش السلمي ومقارنة الحالة العمانية بما يحدث في البلدان العربية الأخرى . مشهد مشرف علينا جميعا مسئولية الحفاظ عليه مستفيدين من الدروس العميقة التي تقدمها الأوضاع المأساوية في العديد من البلاد العربية ومستثمرين التجارب الواسعة التي عاشتها عمان وما قدمه لنا التاريخ وتحتفظ به ذاكرة الكبار من أحداث مريرة.

إلى الأعلى