الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / البنية الأساسية والمشاريع الكبرى.. ما بين (حتمية الإنجاز) وإرهاق الميزانية
البنية الأساسية والمشاريع الكبرى.. ما بين (حتمية الإنجاز) وإرهاق الميزانية

البنية الأساسية والمشاريع الكبرى.. ما بين (حتمية الإنجاز) وإرهاق الميزانية

قراءة في بدائل التمويل

إعداد ـ إبراهيم بدوي:
أكدت السلطنة من خلال ميزانية العام الجاري 2015 على تمسكها بالاستثمار في بنيتها التحتية، حيث اعتمدت موازنة العام الجاري مع تقدير الإنفاق الحكومي بمبلغ 14.1 مليار ريال (36.6 مليار دولار) بزيادة 4.5 في المائة مقارنة مع خطة ميزانية عام 2014. وتسعى الحكومة من وراء ذلك الى تكثيف خطوات بناء المشروعات الكبرى والبنية التحتية من اجل تنويع المداخيل الاقتصادية بعيدا عن النفط، الذي اتجه نحو التراجع الحاد منذ منتصف العام الماضي، وفي سبيل ذلك تدارست الحكومة عدة تدابير احترازية لإيجاد حلول مبتكرة لمصادر الدخل من أجل تعزيز موارد الدولة وذلك من خلال تشجيع الاستثمار والمستثمرين المحليين والأجانب، وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى والمشاريع الإنتاجية وذات النفع العام، وتفعيل دور القطاع الخاص، وفي قراءة بسيطة لموازنة عام 2015 نجد ان دعم الاستقرار الاقتصادي والمحافظة على سلامة المركز المالي للدولة مع الابقاء على تنفيذ الخطط الحكومية لتطوير الخدمات العامة المقدمة للمواطنين واستكمال وتطوير البنية الاساسية وتغطية المتطلبات الاجتماعية هو ابرز اهدافها.
ولعل هذا الاصرار الحكومي على المضي قدما في تنفيذ المشاريع الكبرى ومشاريع البنية التحتية، يتماهي مع اهمية هذه المشروعات العملاقة كونها تمثل انطلاقا رئيسيا نحو التنوع الاقتصادي الشامل، وتوزيع أفضل لمصادره، لذا تحرص الحكومة على إرساء الأطر التنظيمية والتشريعية والسياسات التي تكفل تأسيس بنية تحتية، تلبي تطلعات التنمية المستدامة، وتقدم أفضل الخدمات الممكنة.
أن مشاريع البنية الاساسية لا تتضمن فقط الطرق والجسور والمرافئ والمطارات والسكك الحديدية، بل تشمل كل شيء من قطاعات الصحة والتعليم والصناعات الأساسية والتقنية، مروراً بالمرافق العامة والإسكان والسياحة والثقافة، وبحسب دراسات متخصصة فإن استثمارات البنية التحتية تشكل دائرة مكتملة، حيث يؤدي ‏الاستثمار في البنية الاساسية الى رفع مستوى الانتاجية والتنافسية. وهذا بدوره، ينعكس في ارتفاع الدخل ‏والايرادات الحكومية، مما يقود الى المزيد من الاستثمارات العامة وفق حلقة نمو مستمرة.
ان حتمية استمرار مشاريع البنى الاساسية ومشاريع التنمية للسلطنة، وما تشكله من حجم استثمارات سواء حالية او متوقعة، وما تمثله من فرص استثمارية كبيرة بالنسبة للنظام المصرفي العماني، يقل مثيلها في دول العالم، وذلك رغم استمرار الدعم والإنفاق الحكومي السخي على مشاريع البنية الاسياسية، إلا أن تكاثر المشاريع كالمطارات والموانئ ومحطات توليد الطاقة الكهربائية والطرق والجسور ومشاريع القطاع الصحي.. غيرها، تجعل من الحاجة إلى مصادر تمويل متعددة ملحة لإنجاز كافة الخطط والمشاريع المخطط لها وتعمل على مساندة الإنفاق الحكومي، وبإمكان القطاع المصرفي الاستفادة المباشرة من المشاريع الجاري تنفيذها من خلال تطوير أدوات التمويل لديه بحيث يضمن المردود الاستثماري للمشاريع خلال فترات قصيرة من الزمن.
ويعتبر القطاع المصرفي في السلطنة من أهم قطاعات الاقتصاد وأبرزها تطوراً، وأكثرها كفاءة ما يؤهله لان يصبح لاعباً أساسياً في الحفاظ على التوازن المالي والاستقرار الاقتصادي، كما يستطيع ان يصبح جسرا ناجعا لتعويض الاموال المفقودة جراء الانخفاض في اسعار النفط من ناحية، ولانعاش الاقتصاد من خلال الاشتراك في اتمام البنية الاساسية والمشاريع القومية بالسلطنة من خلال استثمار الفائض الكبير في الاموال لديه لمشاركة الحكومة في مشروعاتها وضخ السيولة اللازمة لاتمام تلك المشاريع، وتؤكد الارقام الصادرة عن البنك المركزي العماني أن البنوك المحلية قادرة على تمويل مشاريع البنية التحتية بعد التطورات الكبيرة التي شهدتها سواء من حيث زيادة رؤوس أموالها وتقوية المراكز المالية أو من حيث السياسات التي تتبعها حاليا.
وهناك نوعان من مشاريع الشراكة في تمويل البنى الاساسية التي يستطيع القطاع المصرفي اتمامها، الاول عن طريق البنوك مباشرة، وسيعطي ذلك الخيار فوائدا كبيرة على الأمدين القصير والمتوسط خصوصا مع الفائض الكبير في السيولة المالية ببنوك السلطنة، ونظرا لدرسات الجدوى الممحصة التي تقوم بها الحكومة قبل ايجاز المشاريع، والثاني عن طريق الشراكة بين القطاعين العام والخاص نظرا لما يتسم به القطاع الخاص- انطلاقًا من هدفه في تعظيم أرباحه- من انضباط ودقة والتزام بالمواعيد والاستعانة بالعمالة الماهرة وإعداد دراسات جدوى متقنة لأي فرص استثمارية، إضافة إلى أن تلك المشاريع تمثل عبئًا على الموازنة الحكومية كما تدعم الشراكة تشجيع القطاع الخاص على المضي قدمًا في الشراكة مع القطاع العام من خلال التصميم والتخطيط السليم للمشروعات الأقل تعقيدًا والتوجه نحو المشروعات المضمونة، فضلا عن توفير ضمانات سيادية ضد المخاطر السياسية بتنفيذ المشروعات لتجنب احتمالات التأجيل أو الإلغاء.
وتأتي السندات بنوعيها (الاجلة ـ والريعية) لتصبح متنفسا اخر للتمويل بعيدا عن ارهاق الميزانية، وقد دخلت السلطنة بالفعل سوق السندات عندما أعلن البنك المركزي العماني عن قيامه بطرح إصدار جديد من سندات التنمية الحكومية بقيمة 200 مليون ريال عماني تبلغ مدة استحقاقها عشر سنوات، بسعر فائدة أساسي ( كوبون) 5ر4 بالمائة سنوياً. كما سيتم دفع الفائدة المستحقة على السندات الجديدة مرتين في العام، وذلك في الثالث والعشرين من أغسطس والثالث والعشرين من فبراير من كل عام حتى استحقاقها في الثالث والعشرين من فبراير 2025م”. ولعل اهم ما يميز تلك السندات ان الحكومة تضمنها ضمانا مباشرا وغير مشروط، مما يتيح لاصحابها الاقتراض بضمانها من البنوك المحلية المرخصة، بالإضافة إلى إمكانية التعامل فيها (بيعا وشراءً) بالسعر السائد بالسوق من خلال سوق مسقط للأوراق المالية”.
كما تعتبر آلية السندات الإيرادية من ابرز وسائل التمويل الناجحة وذلك لكونها لا تعتمد على اجل معين لتسديد اصل السند وابرز الفئات المستهدفة لتمويل المشروعات المنفذة بآلية السندات الإيرادية هى شركات التأمين، وهيئة التأمينات الاجتماعية وصناديق المعاشات إضافة إلى صناديق الثروة السيادية والأوقاف، ويبدو التجانس الطبيعي بين الالتزامات طويلة الأجل لمثل هؤلاء المستثمرين، والتدفقات النقدية المتوقع الحصول عليها من هذه المشاريع على المدى البعيد. كما أن الأدوات المالية المرتبطة بالبنية الاساسية، محمية من التضخم وتدر عائدات مستقرة بتعرضها وارتباطها غير الوثيق بالأنواع الأخرى من الأصول. ومع أنها غير سائلة، إلا أن أهمية ذلك ليست بالكبيرة، طالما أن عائداتها مستمرة لعدد من العقود. وفي حالة ازدادت الأمور سوءاً، يملك المستثمرون فرصة أفضل لاستعادة معظم أموالهم.
سجلت أعمال التمويل الإسلامي والإيرادات وإيداعات زبائن خدمات الصيرفة الإسلامية في السلطنة نموا لافتا في السنوات القليلة الماضية وسط إقبال الأفراد والشركات على منتجات الصيرفة الاسلامية.
وتعتبر الصكوك الاسلامية هي احد المصادر الهامة والواعدة لتمويل مشاريع البنى الاساسية نظرا لما اشارت له الاحصائيات السابقة في نمو قطاع الصيرفة الاسلامية ولعل الصكوك كأداة شبيه نسبيا للسندات الا انها تختلف اختلافات جوهرية وذلك لكونها تعتبر من أهم الوسائل لتنويع مصادر الموارد الذاتية وتوفير السيولة للأفراد والمؤسسات والشركات والحكومات. وانها تساعد الأفراد على توفير مدخراتهم الصغيرة وتجميعها، وتثمينها. كما تغطي حاجة ملحة للشركات التي تحتاج إلى سيولة لأمد معقول، كما ان مالكي الصكوك يشاركون في غنمها حسب الاتفاق المبين في نشرة الإصدار ويتحملون غرمها بنسبة ما يملكه كل واحد منهم، باختصار ان السندات بجميع أنواعها تمثل ديناً في ذمة المدين مصدر الصك لصالح دائنه (حامل الصك) فالعلاقة بينهما علاقة المداينة. وأما الصكوك الاستثمارية فهي تمثل حصة شائعة من جميع موجودات المشروع، وبالتالي فالعلاقة بين صاحب الصك، والمصدر هو علاقة المشاركة وليست علاقة المداينة والخلاصة أن الصك الاستثماري يتأثر بموجودات المشروع سلباً وإيجاباً، ربحاً وخسارة، في حين أن السند لا يتأثر بأي شيء، وإنما يأخذ صاحبه أصل الدين مع الفائدة المقررة المتفق عليها.
وتأتي عقود الـBOT كوسيلة اخرى للتمويل وهي وسيلة بدأ تطبيقها في السلطنة في بعض مشاريعها التنموية والعقد البارز في هذا الصدد هو (مشروع محطة كهرباء منح)، ويعتبر نظام عقد الـ B.O.T من الأنظمة الحديثة التي تعتمدها الدول لتنفيذ مشاريع ضخمة في البنية الاساسية وغيرها، مثل الأوتوسترادات والطرقات والجسور والمطارات والاتصالات والمرافىء والماء والكهرباء… فقد تبين أن إشراك القطاع الخاص في هذه المشاريع يؤمن نوعية أفضل ويوفر في الوقت والكلفة. ويعتبر هذا العقد شكلاً من أشكال تحقيق المشاريع وتمويلها؛ إذ تمنح شركة متخصِّصة امتيازًا لتصميم مشروع معين وتنفيذه وتشغيله بعد أن تكون الدولة قد قررت خطوطه العريضة وأهدافه. وتتولى الشركة القيام بجميع خطوات المشروع من إنشائه الى تشغيله واستثماره لحسابها الخاص لمدة محدَّدة من السنوات، وفي نهاية مدة الامتياز تقوم الشركة بإعادة أصول المشروع الى الدولة في حالة جيدة للاستمرار في تشغيله واستثماره، بدون مقابل أو بمقابل متفق عليه. ويعتبر عقد الـ B.O.T من عقود الاستثمار، وهو يخضع بهذه الصفة للقواعد القانونية المنظمة للاستثمار. وقد أصبح نظامًا عالميًا لتحقيق الخطط والمشاريع الاقتصادية، تلجأ اليه الدول التي تعاني عجزًا في موازناتها العمومية.
وبما ان التمويل سيظل العنصر الحاكم والحاسم لمسار عملية التنمية، لذا لجأت بعض الدول الى مخططات تهدف إلى تأسيس وإدارة صناديق او بنوك معنية بالاستثمار فى مشروعات البنية الاساسية تستعين بهيئة عاملين مهنية للمساعدة فى توجيه الاختيار العام فى ما يتصل بالتكاليف والفوائد (بما فى ذلك التكاليف والفوائد البيئية).
كما تعدى هذا التوجه الدول الى افق اوسع حيث أعلنت مجموعة البريكس عن خططها لإنشاء بنك التنمية الجديد لتمويل مشاريع البنية الأساسية والتنمية المستدامة، وسوف يكون مقر مركزه الإقليمي الأول في أفريقيا في دولة جنوب أفريقيا، كما اتفقت الصين وعشرون دولة آسيوية أخرى، على تأسيس البنك الآسيوي لاستثمارات البنية التحتية لتمويل مشروعات الطرق والسكك الحديدية والطاقة وغيرها من المشروعات في مختلف أنحاء المنطقة. والواقع أن مؤسسات تمويل التنمية الجديدة هذه يُنظَر إليها باعتبارها رد فعل ضد مؤسسات بريتون وودز (التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية) والتي، بسبب ملاحقتها لسياسات التقشف النيوليبرالية وفشلها في إصلاح هياكلها الحاكمة وتقاسم السلطة مع الاقتصادات الناشئة، اعتُبِرَت مسؤولة عن خنق الإنفاق العام، والتراجع عن التصنيع، وتفكيك بنوك التنمية الوطنية.

إلى الأعلى