الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ثقافتنا وإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع

ثقافتنا وإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. بزوال صوت الحكمة والعقل والفكر وتغليب المصلحة الوطنية سيسود صوت الفوضى ويطغى العنف, ويتحول التناقض الأيديولوجي الصحي الى صراع عصبي وحرب تفتك بالاستقرار والأمن والسلام الداخلي بالأمة والمجتمع, وبزوال الساحة العقلية كوسيلة فكرية لتوحيد المجتمع, وفقدان العقل الاجتماعي ستنجرف الجماعة وتتحول أزمتها الثقافية من مستوى الصراع السياسي الى مستوى الحرب,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلنا يدرك أن اتفاق الكلمة ووحدة الرأي وتوحد المجتمع قوة للدولة بمختلف أطرافها, وبدون ذلك لا يستطيع أي مجتمع أن يتقدم بحاضره ومستقبله الى الأمام, او تستقر الدول وتعيش آمنة مطمئنة, ونحن حينما نتحدث عن تلك القوة, فنحن نقصد, تلك النزعة الفكرية الوحدوية التي تفضي بالأفراد الى الارتقاء بمستوى الوعي العام بهدف تحقيق نهضة المجتمع ومدنيته ورقيه بالرغم من التناقضات العقلية في الأفكار والتوجهات والآراء بين أفراده, وكما يقول برودويل في كتاب تاريخ وقواعد الحضارة ( إن القوة بإمكانها بناء حضارة جديدة, او إصلاح وتعديل الحضارة القديمة), وبردويل هنا يقصد تلك القوة النابعة من الاتفاق بين أفراد المجتمع.
وبالطبع فإنه من جهة لا يمكن أن نلغي مفهوم التدافع الاجتماعي او النزاعات الاجتماعية التي تنشأ جراء التناقضات الأيديولوجية والثقافية حتى في ظل وحدة الأمة واتفاق الرأي في أي مجتمع, وكما يقال فإن الاتفاق المجرد الخارج عن إطار التدافع الايجابي إضرار بالمجتمع في الوقت ذاته , فالمجتمع المتحرك هو ذلك المجتمع ( الذي يحتوي في داخله على جهتين متضادتين على الأقل, حيث تدعو كل جهة إلى نوع من المبادئ التي تخالف ما تدعو إليه الجهة الأخرى), وهذا بالطبع لا يعد أمرا غير ايجابي أو يمكن أن يؤدي بالمجتمع الى التفكك والانهيار, إن أحسن المجتمع والنظام استغلال ذلك التناقض والتضاد لصالح الوحدة الوطنية ومصلحة الأمة.
كما إنه من جهة أخرى لا يمكن أن نطلق على تلك التناقضات الأيديولوجية بالصراعات الاجتماعية والفكرية السلبية, فظاهرة الاختلاف والتناقض الأيديولوجي في أي مجتمع هو أمر صحي ولابد منه, بشرط ان يهدف في نهاية المطاف إلى خدمة الأمة الوطنية ووحدة كلمتها ولم شملها, وبمعنى آخر، ان يغلب على تلك الصراعات النزعة الاجتماعية العامة وليس النزعة الشخصية , وهو ما يجب أن يدركه أطراف الحراك التنموي والنهضوي والحضاري لأي أمة ـ واقصد المجتمع بجميع طوائفه ومؤسساته المدنية , والنظام السياسي او الحكومة ـ وبدون الاتفاق على وحدة الكلمة والرأي, ستدب الخلافات والنزاعات مما يؤدي في نهاية المطاف الى انتشار الفوضى والعنف والانقسام وفقدان الثقة في حضارة المجتمع والمؤسسات السياسية في الدولة .
فكما هو معروف (أن هناك علاقة وطيدة بين حضارة المجتمع والمؤسسات السياسية, وان الوظيفة الأساسية للسلطات العامة هي تعزيز الثقة المتبادلة السائدة في قلب الوحدة الاجتماعية, وإن فقدان تلك الثقة في حضارة المجتمع يوجد عقبات مهمة أمام إقامة مؤسسات عامة), والسؤال الذي يطرح نفسه هنا, هو: ما الحلول المفروض تبنيها من قبل السلطة السياسية في حال فقدان الثقة في حضارة المجتمع, والتي نتج عنها إضعاف المؤسسات العامة وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف الى عجز ومعاناة السلطة والحكم في الفعالية والاستقرار, والذي بدوره ينتج – وللأسف الشديد – في أغلب الأوقات, حضارة تتسم بالشك والعدائية المستترة او القائمة فعليا بين طرفي الحراك في الأمة الواحدة، ونقصد المجتمع ومؤسساته المدنية والسلطة السياسية بمؤسساتها الرسمية؟!
قد يكون الجواب على هذا السؤال بالرغم من تعقيداته بسيطا جدا, وهو بالطبع موجه الى طرفي العملية التنموية والحراك الوطني في أي دولة, وأقصد تغليب صوت العقل والحكمة والمصلحة الوطنية فوق كل الأصوات والمصالح الشخصية, فالساحة العقلية لمجتمع من المجتمعات, تعكس بوجودها الدور المستقل للفكر والعقل كوسيلة توحيد للجماعة تعمل من خلال رفع مستوى الصراع من مستوى الصراع العدواني والحرب الأهلية الى تناقض أيديولوجي يجب حله من خلال العمل السياسي الشرعي, وهذا الأخير بالطبع يتمثل في المؤسسات البرلمانية والنقابية والشعبية التي ينتخبها الشعب لتمثله وتخدم مصالحه لدى السلطة السياسية ومؤسساتها الرسمية.
وبزوال صوت الحكمة والعقل والفكر وتغليب المصلحة الوطنية سيسود صوت الفوضى ويطغى العنف, ويتحول التناقض الأيديولوجي الصحي الى صراع عصبي وحرب تفتك بالاستقرار والأمن والسلام الداخلي بالأمة والمجتمع, وبزوال الساحة العقلية كوسيلة فكرية لتوحيد المجتمع, وفقدان العقل الاجتماعي ستنجرف الجماعة وتتحول أزمتها الثقافية من مستوى الصراع السياسي الى مستوى الحرب,( ويترافق العنف الفكري بصورة دائمة بالعنف السياسي, ويعكس ذلك دائما دخول المجتمع في حالة من الأزمة وعدم الاستقرار).
والحقيقة أنه ينبغي لتحقيق ذلك من وجود عملية توازن فكري عقلي ما بين المجتمع والسلطة السياسية, ولابد لتحقيق ذلك من توافر شرطين أساسيين, أولهما: ثقة المجتمع في مؤسساته السياسية العامة كما سبق وأشرنا, وثانيا: أن تكون الدولة مع المواطن في تحقيق الأهداف ومنها الديمقراطية والحرية المسؤولة , وفقدان أحدهما مدعاة لغياب الآخر, وبالتالي ضعف وتراجع قوة المجتمع ووحدته وفقدان السلطة لمكانتها وشرعيتها الأيديولوجية القائمة على ثقة المواطن فيها وفي مؤسساتها.
وبالتالي فإن الوسيلة الناجعة لتحقيق قوة الكلمة ووحدة المجتمع وتوازنه هو في أن تتوحد الآراء والأفكار والتوجهات الرسمية والشعبية في إطار ثقافي في ساحة العقل والحكمة, تدفعها المصلحة الوطنية نحو تحقيق الهدف العام وهو الاستقرار الحضاري والارتقاء بالمجتمع المدني, كما يجب على السلطة السياسية (إعادة بناء مضامين الثقافة السياسية بالشكل الذي يكرس قيم المشاركة والولاء والانتماء, وتأثير قوى المجتمع المدني ومؤسساته في السياسات والقرارات التي تتخذها الدول عبر المجالس النيابية – والبلدية – ومجالس الشورى , ووسائل الإعلام, وجماعات الضغط والمصالح المنظمة, الى غير ذلك من ممارسات منظمة تصب في إطار تعزيز التنمية السياسية والاجتماعية, وصيانة البناء السياسي وتعزيز الوحدة الوطنية).
ولا يتحقق التوازن الاجتماعي سوى بالحد الأدنى من التوازن السياسي ـ والاقتصادي والذي بدوره يعبر عن ميزان قوى اجتماعي محدد, يستند فيه المجتمع الى قاعدة سياسية يكون فيها قد انتقل الى توازن من نوع جديد أكثر عمقا وثباتا, وهو التوازن العقلي كما سبق وأشرنا, والذي تجسده آليات الثقافة والفكر والمعرفة, والتي هي أقدر من وجهة نظري على تحقيق تلك النزعة الفكرية الوحدوية للأمة والمجتمع,( لذا لم يبق هناك مجال لعدم الإقرار بان ثقافتنا في أمس الحاجة اليوم الى إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع).

إلى الأعلى