الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / بمعرض الكتاب القادم عن دار مسعى للنشر “مقنيات.. وطن وطفولة ” ذاكرة وسيرة لعادل الكلباني

بمعرض الكتاب القادم عن دار مسعى للنشر “مقنيات.. وطن وطفولة ” ذاكرة وسيرة لعادل الكلباني

صدر مؤخراً عن دار مسعى للنشر والتوزيع في البحرين كتاب (مقنيات.. وطن وطفولة) للكاتب والشاعر عادل الكلباني. يأخذنا فيه إلى عوالم بلدته مقنيات الواقعة في ولاية عبري في عمان، تلك البلدة التي قضى فيها طفولته حيث أصيب بالشلل، وبات طفلاً معاقاً لا يستطيع أن يحرك قدمه، لكن هذا لم يكن ليعيق فيه مرح الطفولة و(شيطنتها)، فيسرد تلك الحكايا الجميلة عن الطفل الذي يريد أن يثبت لنفسه قبل الآخرين أنه يستطيع التغلب على إعاقته.
شخصيات آسرة تلك التي يخرجها الكاتب من ذاكرته في تلك القرية الصغيرة، قصص مشوقة عن حكايات الصبيان والرعاة ومعلم القرية والعم الذي لا يعرف كيف يتصرّف مع الطفل (الأعرج) الذي لا يكفّ عن افتعال المشاكل. فتخرج قصص الكتاب بعفوية شديدة قادرة شدّ انتباهنا للتعرف أكثر على ذلك الطفل.
في مقدمة الكتاب شهادات في تجربة الكلباني من الشاعر سماء عيسى وعبدالله حبيب وعبدالرزاق الربيعي مؤكدين في شهاداتهم أن الكلباني يقدم نموذجا جديرا بالانتباه في التجربة العمانية من خلال كتابة الذات ليس بما هي تخيل أو تخييل وإنما بما هي ذاكرة (تنجب العشب والطحالب والأسى) حيث تداعيات الذاكرة الشخصية المكتوبة هي موهبة للقادرين على الحياة بوصفها فعلاً جميلاً وباعتبارها عيشاً وملحاً بين من لا يلتقون إلا في الحبر.

جدير بالانتباه
يقول عبدالله حبيب في مقدمته للكتاب (ﻳﺬﻫﺐ ﺑﻨﺎ ﻋﺎﺩﻝ ﺍﻟﻜﻠﺒﺎﻧﻲ ﺍﻟﻰ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺍﻷ‌ﻛﺜﺮ ﺣﺮﺟﺎً ﻭﺧﺼﻮﺑﺔ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﻧﺎﺓ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ: ﺍﻟﺤﻨﻴﻦ. ﻭﻛﺎﻥ ﺟﺎﻥ ﺟﻴﻨﻴﻪ ﻗﺪ ﻗﺎﻝ ﺍﻥ “ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻷ‌ﺩﺏ ﻛﻠﻪ ﻫﻮ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﻟﻠﺤﻨﻴﻦ”. ﻳﺴﺮﻑ ﺑﻨﺎ ﻋﺎﺩﻝ ﺍﻟﻜﻠﺒﺎﻧﻲ ﻫﻨﺎ ﻭﻫﻮ ﻳﻘﺬﻑ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﻓﻲ ﻏﺮﻓﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻟﻴﺤﻄﻢ ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﻭﺍﻟﻤﺮﻭﺣﺔ ﻭﻛﻞ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ، ﺛﻢ ﻟﻴﻤﻨﺤﻨﺎ ﺍﻟﺪﺭﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺬﺍﻛﺮﺓ ﻛﻲ ﻧﺮﻛﺾ ﻓﻲ “ﺍﻟﻤﺪﻳﺴﻮﻩ” ﻭ”ﺍﻟﺘﻮﻟﺔ”، ﻭﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﻳﺤﺪﺙ ﺇﻛﺮﺍﻣﺎً ﻟﺨﺎﻃﺮ ﺃﻛﺒﺮ ﻛﺬﺑﺔ ﻳﻤﻨﺤﻨﺎ ﺇﻳﺎﻫﺎ: ﻛﺬﺑﺔ ﺍﻹ‌ﺻﺎﺑﺔ ﺑﺎﻟﺸﻠﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺪﻡ ﺇﺑﺎﻥ ﺷﺮﺥ ﺍﻟﺼﺒﺎ. ﺑﻬﺬﺍ ﻓﻨﺤﻦ ﻻ‌ ﻧﺮﻳﺪ ﻣﻨﻪ ﺳﻮﻯ ﺃﻥ ﻳُﻌَﺮِّﺝ ﻋﻠﻰ ﻣﻜﺎﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻊ ﻛﻲ ﻧﻄﻤﺌﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻥ ﺃﻗﺪﺍﻣﻨﺎ ﻟﻦ ﺗﺨﺬﻟﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺇﻟﻰ ﺃﻭﻝ ﻣﺎ ﺷﺎﻫﺪﻩ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻓﻬﻢ. ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴِّﻔﺮ ﻳﺘﻤﺮﺃﻯ ﻋﺎﺩﻝ ﺍﻟﻜﻠﺒﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺃﻧﻤﻮﺫﺝ ﺟﺪﻳﺮ ﺑﺎﻻ‌ﻧﺘﺒﺎﻩ ﻣﻦ ﺻﻴﺮﻭﺭﺍﺕ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﻤﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ).

روح التمرد
أما الشاعر سماء عيسى فيكتب على ظهر الغلاف شهادته مشيرا الى ان هذه التجربة للكلباني (بها قدر من الحميمية والحنين لا مدى له ولا اتساع محدد ﻷنه اكبر في الحزن وفي الوجد وفي العذاب، تبلغ ذروة الجمال هنا في الجذر المأساوي والتمردي في آن لا تدرك شروق المأساة في الريف العماني الغابر عن شروق التمرد في روح هذا الصبي، الذي حتى اليوم لم يغادر أرضه إلا نادرا…. ومع تجدد شروق الحياه، تتجدد روح الابداع، كتجدد روح الفصول، وتجدد رحيق الطفولة في وطنه الأم).

الألم المضيء
ويذكر عبدالرزاق الربيعي أن (ﻫﻨﺎﻙ ﻛﺘّﺎبا ﺍﺑﺘﻜﺮﻭﺍ ﺟﻐﺮﺍﻓﻴﺎ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻓﻮﺿﻌﻮﺍ ﻣﺪﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺮﺍﺋﻂ ،ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﻛﺎﻥ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻧﺴﻴﺎ ﻣﻨﺴﻴّﺎ ﻟﻮﻻ‌ ﺃﻧّﻬﻢ ﺃﺿﻔﻮﺍ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺃﺭﻭﺍﺣﻬﻢ ﻭﻣﺨﻴﻠﺘﻬﻢ ﻭﺇﺑﺪﺍﻋﻬﻢ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﺮﺍﺋﺪ ﺑﺪﺭ ﺷﺎﻛﺮ ﺍﻟﺴﻴّﺎﺏ ﺣﻴﺚ ﻛﺘﺐ ﻋﻦ “ﺟﻴﻜﻮﺭ” ﺍﻟﻘﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻣﻀﻰ ﻃﻔﻮﻟﺘﻪ ﻓﻴﻬﺎ). ويعرج الربيعي إلى الحديث عن تجربة الشاعر عادل الكلباني قائلا بأنه (ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﻟﺘﺼﻘﻮﺍ ﺑﺎﻟﻤﻜﺎﻥ، ﻭﺟﻌﻠﻮﻩ ﺃﻳﻘﻮﻧﺔ ﻓﻲ ﻧﺼﻮﺻﻬﻢ، ﻓﻮﺿﻊ ﻗﺮﻳﺘﻪ “ﻣﻘﻨﻴﺎﺕ” ﻋﻠﻰ ﺧﺎﺭﻃﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺟﻌﻠﻬﺎ ﻣﺮﺗﻜﺰﺍ ﻣﻦ ﻣﺮﺗﻜﺰﺍﺕ ﻧﺼّﻪ ﺍﻹ‌ﺑﺪﺍﻋﻲ، ﻓﻤﻦ “ﻣﻘﻨﻴﺎﺕ” ﺍﻧﻄﻠﻖ ﻟﻴﺤﻔﺮ ﺍﺳﻤﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺻﻔﺤﺎﺕ ﻣﺪﻭّﻧﺘﻪ ﻣﻦ ﺧﻼ‌ﻝ ﺗﺪﺍﻋﻴﺎﺕ ﻭﺫﻛﺮﻳﺎﺕ ﻳﻐﻠّﻔﻬﺎ ﺍﻟﻮﺟﻊ ﻭﺗﻄﻔﻮ ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻐﺔ ﺍﻷ‌ﻟﻢ، ﻟﻜﻦّ ﺫﻟﻚ ﻫﻮ “ﺍﻷ‌ﻟﻢ ﺍﻟﻤﻀﻲﺀ” ﻛﻤﺎ ﻳﺼﻒ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺀ، ﻓﻠﻘﺪ ﺃﺿﺎﺀ ﺍﻟﻜﻠﺒﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻭﻧﺜﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﻣﺤﺘﺸﺪﺓ ﺫﺍﻛﺮﺓ ﻣﺒﺪﻉ ﺍﺣﺘﻔﻰ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺧﻼ‌ﻝ ﺍﺳﺘﺤﻀﺎﺭﻩ ﻓﻲ ﻧﺼﻮﺹ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﻤﻊ ﻋﺪّﺓ ﺛﻨﺎﺋﻴّﺎﺕ: ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ، ﻭﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻭﺍﻟﺰﻣﺎﻥ، ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻭﺍﻟﺴﺮﺩ)
من (مقنيات… ذاكرة النخل والماء) للشاعر عادل الكلباني، يقول: (لمقنيات فيضان من التاريخ والأحداث والذكريات، سُميت بهذا الاسم كما يقول الرواة لكثرة قنواتها المائية، فيها فلج (المحيدث) في الحاجر، عينه تنبجس من أم الفلج ويسقى به نخيل الفالق بساتين وضواحي…. وفلج (المُـدق) عينه تتفجر من أم الفلج في صلب الوادي ويمتد تقريبا لمسافة كيلو متر واحد ويسقي نخيل البلد حتى تصل حدود سواقيه البصرة وشاط، وفلج (القرواني) في الجناة يتدفق مخترقا غابات النخيل في روعة تدعو للدهشة من فن نحت السواقي للعمانيين القدامى إذ أن هذه التقنية الهندسية في الحفر تجعل المياه تسيل بانسيابية على مستويات وحدود منضبطة لا ثغرة فيها للسهو والخطأ.
ومما يزيد علامات التعجب والفخر في (الجناة أو الجنة كما يقول أهلها) كيف استطاع العمانيون القدامي زراعة هذا الكم الضخم من النخيل! في امتداد عمودي وأفقي يجتاحك فردوسها من كل جانب ويغريك بمنظرها البديع، وإذا هفت نفسك الى نضرتها داخل ظلالها المعتقة برائحة النخل والتراب والماء والمشي على قدميك خصوصا إذا بدأت رحلتك الخضراء من مدخلها في الوادي الذي تقبع بالقرب منه شجرة (زام) ضخمة تفرد أحضان ظلالها كأم رؤوم فإنك ستقطع ما يقارب نصف كيلو متر تقريبا أو أكثر تسيح بعينيك في مداها الأخضر عن يمينك وشمالك تنوس فيها أشجارها الباسقات تعانق الضياء والمطر بالثمر النضيد).

إلى الأعلى