الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : أوباما وتناقضات تحسين صورة الولايات المتحدة

شراع : أوباما وتناقضات تحسين صورة الولايات المتحدة

خميس التوبي

حين أتت الولايات المتحدة بباراك أوباما إلى سدة الرئاسة لولايتين، كان أحد الأهداف المعلنة هو تحسين صورة القوة العظمى التي سقطت في الحضيض وقبحت في نظر دول العالم، حتى تلك الدول التي تتحالف مع الولايات المتحدة، بعد أن قادها اليمينيون الجدد مدفوعين بغرور القوة إلى ارتكاب حماقات ومغامرات غير محسوبة وإدخال العالم في أتون حروب مدمرة ومرهقة بالأصالة والوكالة بنيت على أسس دينية “صليبية” انكشفت عوراتها أنها لم تكن سوى تأسيس لمرحلة جديدة سنَّتها أميركا بعد انتهاء ثنائية القطبية بسقوط الاتحاد السوفيتي، حيث أخذت تعطي كل مرحلة مسماها وفق منظورها الخاص تعبيرًا عن تفردها في قيادة العالم، فمنذ العام 1991م وحتى يومنا، شهد العالم بداية مرحلة سميت بـ”النظام العالمي الجديد”، مرورًا بـ”العولمة”، ثم “الحرب على الإرهاب” وأخيرًا وليس آخرًا “الفوضى الخلاقة”.
في الأمتار الأخيرة من عمر الولاية الثانية يقود أوباما لعبة التقاط الأنفاس إلى خط النهاية، عله ينجح في تحقيق النتيجة التي بلونه حاولت أميركا إخفاء عنصريتها لإظهار مزيد من الدعاية التي يمكن أن تخدم هدف تحسين الصورة القبيحة والمرتسمة في الفكر والعقل، حيث دواعي الضرورة تفرض أن تأخذ الولايات المتحدة مساحة من الوقت لتداوي جراحها التي أثخنتها حربا أفغانستان والعراق. ولعل من مقتضيات ذلك نحو تحسين الصورة، العودة عن خطوط المواجهة التي رسمتها مع من صنفتهم الولايات المتحدة أعداء لها واتخذت بحقهم عقوبات اقتصادية وشنت عليهم حربًا إعلامية بلا هوادة، ووضعتهم في قوائم الإرهاب السوداء، وضمن محور “شرها”، وإبداء ما تستوجبه تلك المقتضيات من حوار مباشر أو توزيع ابتسامات ومصافحات.
ومن يتابع موقف الولايات المتحدة من ملف البرنامج النووي الإيراني وتمسكها بالحوار مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وصولًا إلى الاتفاق النهائي والتوقيع عليه (المزمع في الثلاثين من يونيو المقبل)، ومن يتابع العودة الأميركية عن قرار مقاطعة كوبا وإعادة فتح القنوات الدبلوماسية ورفع العقوبات والحصار بعد ثلاثة وخمسين عامًا، ودعوة الرئيس الكوبي راؤول كاسترو لحضور اجتماعات قمة الأميركتين في بنما، يلمس البراجماتية الأميركية القائمة على “لا صديق دائم ولا عدو دائم” وعلى تحقيق المصالح الأميركية العليا القومية والاستراتيجية، وبالتالي الأصدقاء والأعداء في العُرف السياسي الأميركي ما هم سوى مطايا تستناخ لتحقيق المصالح الأميركية طال الزمان أم قصر، ولذلك واهم وأحمق من يضع بيضه كاملًا في سلة الولايات المتحدة ويراهن على صداقتها.
وما يلاحظ أن هدف تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم ما هو إلا ستار لإخفاء الوحش الرأسمالي القبيح وإبعاده عن ضربات خصومه؛ أي نوع من النفاق الذي اعتادت السياسة الأميركية ممارسته على أكثر من صعيد لتحقيق توجهاتها وأهدافها لحماية وحشها الرأسمالي، وهو ما يعزز الرؤية بأن القطب الأوحد في العالم لم يعد قادرًا على خوض حروب عسكرية مباشرة على الأقل في الوقت الراهن، وإرهاق خزينته، ولذلك لجأت أميركا إلى سياسة المهادنة مع الدول التي ناصبتها العداء حتى لا تمنح القوى الصاعدة فرصة تكوين قطبية متعددة، حيث إن دولًا بحجم الجمهورية الإسلامية الإيرانية كقوة نووية واقتصادية وعسكرية صاعدة، وكوبا وفنزويلا وغيرهما من دول أميركا اللاتينية أو دول القارات الأوروبية والإفريقية والآسيوية ستكون إحدى القوى الضاربة في التحالفات العالمية الجديدة التي تنادي بها روسيا ـ بوتين، ولذلك تسعى الولايات المتحدة إلى إفشال كل الممكنات القائدة إلى تعدد القطبية، ومحاصرة روسيا الاتحادية من جميع الاتجاهات، والاتجاه نحو آسيا شرقًا لمحاصرة الصين، حيث ترى أميركا أن بتسوية الخلافات وعودة العلاقات مع كوبا تكون حلقة جديدة أضيفت في سلسلة الحصار التي تريد أن تفرضها حول روسيا، وأن اكتمال حلقات السلسلة يتحقق بعودة العلاقات مع إيران حيث بحر قزوين ودول الاتحاد السوفيتي سابقًا المجاورة لإيران وبدء مرحلة سياسية جديدة معها.
على أنه وفي هذا الإطار الاستراتيجي الأميركي، ليس مستبعدًا أن نشاهد عودة الغزل الأميركي مع كوريا الشمالية على غرار ما يحصل الآن مع كوبا والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإضافة تموضع أميركي جديد في شبه الجزيرة الكورية والاقتراب أكثر من العملاق الصيني.
إذن، سياسة تحسين الصورة التي أرادتها الولايات المتحدة ما هي إلا أسلوب موارب يخفي وراءه أجندات واستراتيجية لتدارك أفول قطب الرأسمالية المتوحشة بصورة تسمح قيام قطبية متعددة، بدليل أنه في الوقت الذي تعمل فيه إدارة أوباما على تحسين الصورة في اتجاه، يقابله تناقض فج في الاتجاه الآخر، فإعادة رسم العلاقات ورفع العقوبات مع أعداء الأمس، ومحاولة مسح جرائم الحرب التي ارتكبتها الإدارة الأميركية السابقة بحق الشعب الأفغاني والشعب العراقي من الذاكرة الجمعية للعالم، يناقضه نشر الفوضى المركبة من الإرهاب والعنف والكراهية والفتن الطائفية والمذهبية والتحريض والتشويه في الاتجاه الآخر، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، فلم يكن “داعش” إلا بديلًا للقوات الأميركية الغازية في المنطقة وخاصة العراق وسوريا، وما جرائم هذا التنظيم الإرهابي في معسكر سبايكر (القاعدة الأميركية في العراق) سوى بديل لجرائم القوات الأميركية في سجن أبو غريب، وما إعادة العلاقات مع كوبا وإيران إلا نقيض لهدم العلاقات العربية ـ العربية، والعربية ـ الإسلامية ـ والعربية ـ الغربية، وهدم المجتمعات العربية والإسلامية من الداخل بدعم الإرهاب وإنتاج عصاباته وأدواته وتشغيل مموليه وإثارة الفتن الطائفية والمذهبية، وما المراهنة على الاستفادة اقتصاديًّا من الدول الصاعدة كإيران، والمثابرة ككوبا وغيرهما إلا نقيض للتخلي عن منطقة الخليج العربي والعمل على إفقارها وإدخالها في حروب قائمة على العداء والكراهية لن تزول مهما تعاقبت العصور والأزمان، ولكن معها ستظل الصورة الأميركية مشوهة وقبيحة، وستظل الولايات المتحدة غارقة في بحر تناقضاتها تعصف بها سياستها القائمة على الكيل بمكيالين.

إلى الأعلى