الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما بعد صلاح الدين!

ما بعد صلاح الدين!

كاظم الموسوي

” تصريحات السياسيين الذين يزعمون انهم يمثلون المناطق التي احتلها داعش شاركوه بكل التفاصيل ومثلوا مواقعهم السياسية التي عينوا لها في الوقت نفسه. فالارتباطات مع احتلال واشنطن ولندن وحلفائهما ظلت باقية وزادتها الرهانات الاخرى المستجدة التي كشفت المشهد عاريا كملابس الامبرطور. لا يحتاج المراقب السياسي الى كثير عناء لمعرفة ما حصل ويجري.”
ــــــــــــــــــــــــــ

ما حصل في العراق قبل ايام في محافظة صلاح الدين، شمال العاصمة العراقية، بغداد، يظهر المشهد السياسي على صورته الحقيقية، ويجدد فضح الوقائع الملتبسة في العملية السياسية الجارية، التي ولدت بعد احتلال العراق في مارس 2003. والتي يمكن ان تختصر بان من يسمون بالزعماء السياسيين لا يهتمون للدماء التي سفكت، ولا يقدرون الجهود التي بذلت بعده. تَسّلم ما يسمى اعلاميا بداعش المحافظة تسليما كاملا بالمفتاح بعد احتلاله محافظة نينوى، التي تمت ايضا كذلك. ولكن سبقه استعدادات وتحضيرات معلنة وتهيئة كاملة مهدت الطريق امامه ويسرت له اسلوبه في الاحتلال والاعلان ومن ثم التفرد والاستنفار والاستقطاب. وهذه قضايا يتطلب الاسراع في التحقيق فيها ومحاكمتها ومحاسبة كل من ساهم او تواطا او راهن على نتائجها او تخاذل فيها.
تصريحات السياسيين الذين يزعمون انهم يمثلون المناطق الي احتلها داعش شاركوه بكل التفاصيل ومثلوا مواقعهم السياسية التي عينوا لها في الوقت نفسه. فالارتباطات مع احتلال واشنطن ولندن وحلفائهما ظلت باقية وزادتها الرهانات الاخرى المستجدة التي كشفت المشهد عاريا كملابس الامبرطور. لا يحتاج المراقب السياسي الى كثير عناء لمعرفة ما حصل ويجري. يكفي الاطلاع على صفحات الاعلام، بكل اصنافه، ومتابعة الاقوال والافعال للوصول الى ان اغلب الامور كانت مرتبة ومخططة ومنظمة وليس هناك التباسا في التنفيذ بقدر ما في التفاصيل والتمويه والتضليل المشترك بين كل تلك الرموز المكلفة في الواجهة الاعلامية والسياسية منذ تكليف السفير الاميركي بول بريمر والى بروز الخليفة البغدادي في الموصل الحدباء.
فالتسميات الطائفية والعرقية هي هي، بل تكرست اكثر واستنفذ فرسانها ما لديهم من امكانات اعلامية ووسائط تأثير الى السير في تلك المهمات المرسومة قبل الاحتلال الاميركي وما بعد مشروع بايدن للتقسيم العلني وبالتسميات المعلنة. وجاء داعش تتويجا لكل ما سبق وما قامت به العملية السياسية، وقواعدها في المحاصصة والفساد وتحضير المشهد عبر استمرار الأزمات وتكثيف الصراعات المحلية والاهلية الداخلية.
قضية الكلية الجوية في معسكر ما سمي بسبايكر، رمز الاحتلال الاميركي للعراق، في المحافظة المعنية، دليل ساطع على فرسان العملية السياسية. قتل اكثر من الف وستمائة شاب عراقي تطوع للعمل في القوات المسلحة من ابناء وسط وجنوب العراق، في الصور البشعة التي عرضها داعش وقاعدته في المحافظة والاساليب الاجرامية الوحشية، كشف صورة العملية السياسية الحقيقية، حيث اظهر ممثلو داعش فيها، او المتعاونون معه سرا وعلنا، قدراتهم في التعمية على الجريمة وابراز قضايا اخرى لاشغال المشهد والتنكر لما حدث مع هذا العدد الكبير من الضحايا، لاسباب لم تعد مخفية، وصلت عند بعضهم الى الانكار اللفظي والمعنوي وتحميلها الى مسميات شخصية في السلطات الحاكمة دون ادنى وخز ضمير ومسؤولية عن مشاعر اهالي الضحايا او المطالبة بالقصاص العادل من المجرمين. وهو امر خطير يثبت دور الاحتلال الاميركي في زرع سياسته الاستعمارية القديمة الجديدة وتوفير الارضيات المتكاملة لمشاريعه وخططه العدوانية. وهذا الموضوع وحده من بين كل ما حصل بعد احتلال نينوى وصلاح الدين وقبلهما الانبار يفضح مدى المشاركة في الاحتلال والجرائم المرتكبة والارتباكات التي تجري الان بعده.
تكررت الصورة في مشهد العمل على تحرير المحافظة من عصابات داعش وداعميه وموفري البيئة الحاضنة له والمشجعة والمجهزة لعدته واعداده. ما بعد صلاح الدين تعريها التصريحات الاعلامية الكثيرة المشبعة بما يراد له ان يحصل من تفتيت وفتنة داخل المجتمع العراقي تعلن بالكامل من هم هؤلاء الذين وظفوا وتوظفوا لهذه المهمات وتواجدوا داخل العملية السياسية والمشهد السياسي، ويقومون بها دون مواربة، بل يجهرون بها عبر تغطيات مسمياتهم الرسمية او مواقعهم السياسية واستغلالهم لها ولتنفيذ ما خطط ويخطط للعراق والمنطقة.
ثم جاءت مسألة الحشد الشعبي وطبيعة التحشد وحركيته واهدافه ومساعيه لتفضح من جديد او لتضع بعض ما تخفى مرة اخرى في الواجهة من التشويش وتشويه الوقائع وتكريس السياسات الاستعمارية المرسومة مسبقا والموظف لها عمليا.
قدم الحشد الشعبي بالصورة الواقعية له زخما معنويا وماديا للقوات المسلحة العراقية التي انهارت سمعتها بعد ما حصل في تلك المحافظات من قبل داعش ومخططات وصوله اليها وتمكينه من الاحتلال والاختلال القائم الان. وما تحقق فعليا على الارض من تطهير مدن كاملة من داعش وفضح حواضنه المحلية وما ارتكبه من جرائم وحشية، يبين ان الحشد الشعبي من خارج تلك المحافظات ومن داخلها ايضا وبالتعاون مع ما تبقى من قوات مسلحة وادارات لها استطاع ان يغير المعادلات العسكرية ويعرض امكانات اخرى للرد على تلك المخططات المشبوهة وفرسانها. والهجمة الشرسة على الحشد الشعبي والاتهامات الجاهزة له تعيد اجواء ما حصل مع ضحايا القوة الجوية في مدرستهم في صلاح الدين كما تعطي صورة المشهد السياسي الحقيقية وخارطة الاخطار او المشاريع الاستعمارية التي يراد لها ان تتحقق.
الحملة الاعلامية على الحشد الشعبي، وتسميته، و”الجهاد” لاقتراح تسميات اخرى، تجدد ما كان في سنوات الدكتاتورية والارهاب، وغيرها من محاولات صناعة مرادفات اخرى وبتسميات طائفية وعرقية يشير الى استمرار المشهد السياسي في العراق منذ احتلاله وتوفير ظروفه والى عمليات التدمير والتفتيت الجارية حاليا، سواء عبر داعش وعصاباته العسكرية او مرتزقته في الميادين الاخرى، التي تبلور الصورة القائمة للعملية السياسية ومشهدها المركب والمربك الان. وتعيد الى الاذهان الخطط السابقة والظروف التي مهدت الى الاحتلال الاميركي وحلفائه وداعمي عدوانه الكارثي. كما ان ما يتحقق الان على الارض يغيض كثيرين ممن لا يتمنون ان يحصل او تتمكن القوات العسكرية والحشد الشعبي بتكويناته المتعددة وارادة وطنية مخلصة لاعادة اعمار وبناء ما تهدم من مدن العراق، سواء بالاحتلال الداعشي او ما سبقه من احتلال صهيو أميركي.

إلى الأعلى