السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : سوريا .. استمرار التعامي عن جرائم الإرهاب والبحث عن ذرائع العدوان

شراع : سوريا .. استمرار التعامي عن جرائم الإرهاب والبحث عن ذرائع العدوان

خميس التوبي

في الوقت الذي يتواصل فيه إزهاق أرواح الشعب السوري وتواصل معه سوريا بمدنها وقراها وحواضرها وأريافها توديع مواكب شهدائها وتشكو بثها وحزنها إلى الله، وفي الوقت الذي تستمر فيه عمليات الجلب والتجنيد للإرهابيين والمرتزقة والتكفيريين من أصقاع العالم وإرسالهم إلى سوريا، تخرج منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأميركية على الشعب السوري بثالثة الأثافي مطالبة مجلس الأمن الدولي برد قوي ضد سوريا لما زعمته من أن ثمة أدلة تشير إلى “استخدام القوات الحكومية السورية مواد كيماوية سامة في عدة هجمات بالبراميل المتفجرة في محافظة إدلب السورية في الفترة من الـ16 من مارس إلى الـ31 من مارس 2015م”.
إن الانتقاء في الأحداث خاصة تلك المفبركة لم يكن جديد اليوم، وإنما بدأ منذ أول يوم فُجِّرت فيه المؤامرة ضد سوريا، حيث لعبت الفبركة ـ ولا تزال ـ دورًا كبيرًا في تعمية ما يدور من حقائق وأحداث وحجبها عن المتابعين، بالإضافة إلى الدور الذي مارسته الماكينات الإعلامية التابعة لمعسكر المؤامرة والتخريب بهدف تغييب وعي المتابعين وعزلهم عن الواقع، وإفقادهم القدرة على التمييز من خلال موجات متوالية لمشاهد جرائم حرب وانتهاكات بحق الإنسانية حقيقية ومفبركة أبطالها العصابات الإرهابية، ما جعل السواد الأعظم من المتابعين المسلوبة إرادتهم وقدراتهم بمجرد رؤيتهم المشهد يمدون أصابع الاتهام إلى الطرف المحاكة ضده وهو الحكومة السورية، والمؤسف أن ما يسمى المنظمات الحقوقية وحتى منظمة الأمم المتحدة ممثلة في مجلس حقوق الإنسان تحديدًا لم تتجرد في مهنيتها وتختار الموضوعية والدقة في رصد الأحداث السورية، وإنما انساقت وراء ما يروجه معسكر المؤامرة والتخريب ضد سوريا، وطبعًا مثل هذا الأمر مؤكد الحدوث لكون هذه المنظمات إما مخطوفة من قبل أعضائها المكونين لمعسكر المؤامرة والتخريب كما هو حال منظمة الأمم المتحدة أو هي منظمات تابعة لدول بالمعسكر كما هو حال “هيومن رايتس ووتش” الأميركية، ولذلك جاءت تقاريرها كلها خارجة عن سياقها الطبيعي والموضوعي والعقلاني، ومعبَّأة بروائح التآمر، ولا تهدف المواقف المبنية على ضوئها إلا إلى التحريض والتشويه وتشريع الأعمال الإجرامية التي ترتكبها العصابات الإرهابية، وغسل يديها من دماء الشعب السوري بتوجيه أصابع الاتهام إلى الحكومة السورية.
ولذلك من يتابع ما ساقته “هيومن رايتس ووتش” الأميركية من اتهامات مثير للسخرية ولا يخرج عن السياق ذاته، وكنوع من محاولات إسناد الإرهاب ودعمه وتبرئته في الوقت عينه، حيث يرى الواقفون وراءه أن الاتهام ـ ولو كان على حدث مفبرك ـ حين يأتي على لسان منظمة حقوقية يكون له تأثيره وإقناعه من منطلق الزعم بأن هذه المنظمة هي حيادية وغير خاضعة لسلطات دولتها، وتقاريرها مبنية على شهادات وخاصة شهادات الضحايا.
لقد كان حريًّا بمنظمة “هيومن رايتس ووتش” أن تدين عمليات التجنيد للإرهابيين والتكفيريين والمرتزقة وتجرمها وتطالب بوقفها وبإغلاق معسكرات التجنيد والتدريب، وتدين عمليات التسليح والتمويل، وتعد تقاريرها التي تجرم الدول الضالعة في دعم الإرهاب ضد الشعب السوري، فأين هذه المنظمة الأميركية من آلاف الأوروبيين الذين يمتهنون الإرهاب والتخريب في سوريا؟ فقد صرحت مفوضة العدل في الاتحاد الأوروبي التشيكية فيرا جوريفا في مقابلة مع صحيفة الفيجارو الفرنسية بأنه “على المستوى الأوروبي، نقدر بما بين خمسة وستة آلاف شخص عدد الذين ذهبوا إلى سوريا”، وقدرت عدد الفرنسيين بينهم بـ1450. وأضافت إن العدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير على الأرجح لكن يصعب تحديده بسبب صعوبة رصد المقاتلين الأجانب في القتال. وما من شك أن هؤلاء ذهبوا إلى سوريا بعلم وموافقة حكومات بلدانهم.
وهنا لا بد من تفنيد الحقائق وإعادة التذكير للتاريخ وإنعاش ذاكرة منظمة “هيومن رايتس ووتش” بأن من ارتكب جريمة السلاح الكيماوي في خان العسل بريف حلب كان أميركيًّا جاء بعلم سلطات بلاده، والتقارير التي خرجت حين وقوع الجريمة أكدت أن دولة مجاورة لسوريا هي التي زودته بالسلاح الكيماوي، فالمادة المستخدمة لا توجد في المخازن السورية، وإنما توجد في مخازن تلك الدولة الجارة، وأن من دربه على استخدامه وتركيبه في قذيفة صاروخية أفراد من مخابرات تلك الدولة الجارة، كما أن جريمة السلاح الكيماوي التي ارتكبت في الغوطة أظهرت صور الأقمار الصناعية الروسية أن من أطلق هذا السلاح هو العصابات الإرهابية بإيعاز من مشغِّليها وذلك لاستغلال وجود فريق المفتشين الدوليين بهدف إلصاق التهمة بالحكومة السورية، وفي ذروة التحريض والتحشيد والبحث عن ذرائع للتدخل العسكري. ولتفنيد الحقائق بصورة أكبر وأوضح وموضوعية، فـ”هيومن رايتس ووتش” وجهت أصابع اتهامها للحكومة السورية باستخدام السلاح الكيماوي في إدلب في الفترة من “الـ16 من مارس إلى الـ31 من مارس 2015″، في حين أن العصابات الإرهابية المكونة من ما يسمى “جبهة النصرة” وغيرها مدعومة بغرفة العمليات المشتركة لمعسكر التآمر والتخريب ومدعومة من دولة مجاورة بكل أنواع السلاح قد مهدت وسيطرت على إدلب خلال هذه الفترة، في حين أن الجيش العربي السوري انسحب من جميع الحواجز وسحب معه أسلحته الثقيلة وأفراده، وقام بتأمين خروج الأسر السورية الفارة من جحيم إرهاب العصابات الإرهابية، ولذلك فإن الزعم باستخدام السلاح الكيماوي إما فبركة وكذبة جديدة من معسكر التآمر والتخريب وعصابات إرهابه، وإما معاودة استخدامه من قبل المعسكر وعصاباته ضد المدنيين في إطار البحث عن الذرائع كما حصل من قبل. ثم أين منظمة “هيومن رايتس ووتش” من الجريمة الإرهابية التي ارتكبتها العصابات الإرهابية المسلحة الاثنين الماضي في حلب والتي راح ضحيتها اثنا عشر مدنيًّا وأكثر من ثلاثين آخرين معظمهم من النساء والأطفال؟ وأين المنظمة أيضًا من شهادات الأسر السورية الفارة من جحيم العصابات الإرهابية وحصارها ونهب ما تبقى من قوتها في الغوطة وإدلب؟ وأين المنظمة من توثيق بكاء الأمهات ونحيب الثكالى جراء إعدام أزواجهن وأبنائهن من قبل العصابات الإرهابية؟ وأين المنظمة من هؤلاء المحاصرين ولجوئهم إلى أكل الحشائش خشية أن يفتك بهم الجوع؟
على أن السؤال الذي يطرح ذاته هنا هو: هل كان قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2209) الذي يدين فيه استخدام أي مواد كيماوية سامة لا سيما مادة الكلور كسلاح كيماوي في سوريا، يراد منه تجريم طرف دون طرف، وليكون ذريعة تقود إلى استصدار تدابير بموجب الفصل السابع بحجة انتهاك القرار (2118) الخاص بحظر الأسلحة الكيماوية؟ لا أحد يستبعد شيئًا في العهر السياسي الخارج من رحم “الفوضى الخلاقة” ليبقى الإرهاب حرًّا طليقًا.

إلى الأعلى