السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نحو مساءلة عادلة للسياسة النابذة للأخلاق

نحو مساءلة عادلة للسياسة النابذة للأخلاق

علي عقلة عرسان

” .. أصبحت السياسات اليوم ذات تأثير مباشر وغير مباشر، يمتد خارج الحدود الجغرافية لكل بلد، ويؤثر على معظم الشعوب والدول، وعلى مصالح الأفراد والمجتمعات. والسياسات لا تأخذ الأخلاقي بالاعتبار، ولا تقدمه معياراً للسلوك والنجاح والتقدم في معظم القضايا والمواقف والتعاملات؛ ولهذا انعكاسه وتأثيره في حياة الشعوب وعلاقات الدول بعضها ببعض،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
يبدو لي أن ما يبني الإنسان جسدياً ونفسياً واجتماعياً وروحياً، يكون مصلحة بشرية عامة، ومسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الأسرة والمدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام، ومسؤولية الدولة أساساً، وهذا أكثر من أمر مهم توضع له السياسات وتوفر له الإمكانيات؛ وهو في صالح الحياة والتقدم والاستقرار والازدهار، ومن ثم يمكن أن نقول إنه أخلاقي وحقّاني: أخلاقي من حيث القيم والعمل والسلوك، وحقّاني من حيث العدالة والمساواة في الحقوق والحريات والواجبات. وترتبط صحة البيئة الفردية في المجتمعات بصحة البيئة المجتمعية، وبتوافر مقومات العيش وسلامة مناخه إلى حد كبير، وتتبادلان التأثر والتأثير بعملية تفاعلية عضوية معقدة. وعلى هذا فإن ما يبني المجتمع يبني الفرد والعكس يمكن أن يكون صحيحاً، إلا في حالة فرد يبني نفسه على حساب المجتمع، ومجتمع يُبنى على حساب حضور الأفراد وحرياتهم وحقوقهم الأساسية في الحياة. وسلامة المجتمع وصحته واستقراره وازدهاره.. كل ذلك منوط إلى حد كبير بالدول والسياسات ومرجعياتها وأحكامها وتوجهاتها ومعاييرها وأهدافها ووسائلها..إلخ، فالسياسات تبني الأوطان والمجتمعات أو تهدمها، تعزّها أو تذلها، وتؤثر في المحيط الإقليمي والدولي، القريب والبعيد، ومن ثم في المناخ السياسي العام الذي يحكم حياة الدول والمجتمعات وعلاقاتها، ومناخ الحياة البشرية في منطقة من العالم، وفي عصر من العصور.
وقد أصبحت السياسات اليوم ذات تأثير مباشر وغير مباشر، يمتد خارج الحدود الجغرافية لكل بلد، ويؤثر على معظم الشعوب والدول، وعلى مصالح الأفراد والمجتمعات. والسياسات لا تأخذ الأخلاقي بالاعتبار، ولا تقدمه معياراً للسلوك والنجاح والتقدم في معظم القضايا والمواقف والتعاملات؛ ولهذا انعكاسه وتأثيره في حياة الشعوب وعلاقات الدول بعضها ببعض، وبأمور الحرب والسلم والأمن والاستقرار، والاعتماد المتبادل والثقة المتبادلة. ويعني التفلّت من دائرة الخلقي ومعياريته وتهميش موقعه ومكانته، تملصاً من مسؤولية إنسانية ذات أبعاد داخلية وخارجية تكاد تكون شمولية، ومن حقوق عامة للإنسان تتصل بوجوده وحياته، بصرف النظر عن كونه مواطناً في هذه الدولة أو تلك، أو مقيماً في هذا البلد أو ذاك؛ كما يعني زرع الألغام تحت أية صيغة من صيغ التعايش والعلاقات والصلات والمصالح الفردية والمجتمعية والدولية، وتحت الاستقرار والازدهار، ومن ثم تهديد أو تقويض السلم والأمن في دوائر وأبعاد جيو- سياسية مختلفة. فغياب العامل الأخلاقي، أو تغييبه كلياً في مواقع صنع القرارات ورسم الاستراتيجيات والسياسات، والحكم عليها.. والنظر إلى المصالح الحيوية من منظور أناني ضيق يستند إلى القوة، هو تغييب للمسؤولية في شمولها البشري وبعدها الإنساني من جهة، وتمكين لارتداد نتائج ذلك سلبياً على دوائر اجتماعية وإقليمية ودولية قد تضيق جداً أو تتسع جداً، ولكنها تبقى جاذبة للتوتر، وحقول ألغام قابلة للانفجار، وعوامل مدمرة للثقة.. ولن تسلم منها الدوائر ذاتها التي تصنع تلك السياسات وتضع تلك الاستراتيجيات على أسس من: المصلحة الضيقة، وسلطة القوة، وغطرسة المتسلطين.. بعيداً عن العوامل الأخلقية، والقيم الإنسانية، والمسؤولية البشرية العامة، وعن حقوق الإنسان بطبيعة الحال.
وربما جازت المطالبة، في عالم متشابك المصالح والصلات والعلاقات والمشكلات والأزمات، بأن تحتل حقوق الإنسان العامة مكانة لا يطالها العبث تحت أي ظرف من الظروف، ويفرض على السياسات والساسة وملحقاتهما، مثل الإعلام التابع وإعلام المنافع، أن تراعيها، وأن تضع معياراً خلقياً وضوابط قانونية دولية تضبطها، وأن ترتب مسؤولية حقوقية وأخلاقية وإنسانية على من يخالفها، حتى لو تعارضت مع مصالحه، سواء أكان المخالف: تحالف دول، أو دولة، أو حاكماً، أو نظاماً، أو.. أو.. إلخ. لأن في ذلك مصلحة أعلى من كل المصالح الضيقة، هي مصلحة الإنسان وحقوقه الأساسية الخاصة والعامة التي لا تتوقف مضارها عند عذابه ومعاناته وأمنه والسلم الذي هو من حقوقه، وإنما تتعدى ذلك إلى سواه في دول ومجتمعات مما يؤسس لاضطرابات وأزمات قد تتفاقم إلى الحد الذي يؤدي إلى جرائم جماعية، وإبادة ، وحروب مدمرة. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وبعضها ماثل للعيان أمامنا في بلدان إفريقية مثل: ” ليبيا، والصومال، ومالي، والسودان”، وآسيوية مثل:” سوريا، والعراق، واليمن، وفلسطين، وأفغانستان، وباكستان، وبورما، وميانمار”، و” أوروبية مثل: ” أوكرايينا.. “. وعليه فإن السياسات مطالبة بألا تلغي الأخلاقي والإنساني من اعتبارها، وألا تهمّشهما، وألا تعلى مصالحها الخاصة عليهما.. حين تحدد أهدافها وتضع سياساتها وترسم استراتيجياتها.. وينبغي أن يحاسب الساسة الذين يضعون استراتيجيات التوسع والهيمنة، والاستعمار، والقرصنة، ونهب ثروات الشعوب، وزجّها في حروب بالوكالة، أو إشاعة الفتن وإشعال الحروب فيما بينها لترويج الأسلحة والسلع الفتاكة المدمرة، وعند استباحة مصالح الآخرين، وسيادة الدول.. حين يمارسون ذلك الذي يؤسس لشقاء الإنسان وللقتل والدمار والفوضى، فهم يرتكبون جرائم
لايحاسب عليها القانون الدولي ولا القانون الإنساني حتى الآن، إذ يؤسسون ويتسببون في جرائم يُحاسب القانونان الدولي والإنساني عليها بينما يفلتون هم من العقاب.. بل ويُعتبرون بنظر قوانين بلدانهم، وحتى بنظر شعوبهم أبطالاً؟! إن الأقوى والأخبث والأشر في هذه الحالات يكون مطلق الصلاحية والسراح في كل ما يعمل ويستبيح ويؤسس للقتل والدمار.. مما ينبغي ألا يُستباح أبداً وألا يفلت فاعله من العقاب ليس بوصفه مسبباً وشريكاً فقط بل ومؤسساً لبيئة سياسية وفكرية واجتماعية وأمنية تؤدي بالناس إلى الهلك، وتدمر كل ما هو أخلاقي وإنساني وعقلاني مما يجعل الحياة غابة محكومة بالتوحش والافتراس، بالرعب والفتك.
إن على السياسات الداخلية والخارجية، أن تأخذ بالاعتبار معياراً حاكماً متفقاً عليه في هذا المجال يتحول إلى قانون على المستوى الدولي وليكن ” القانون الحاكم للسياسات”، لأن إلغاء الجانب الخلقي والإنساني يعني التملص من مسؤولية إنسانية شاملة والتأسيس لكوارث قد تكون عامة، كما يعني أيضاً التملص من مصلحة بشرية عليا، ومن ضوابط ضمير ودين وخُلُق، ومن نتائج فعل وسلوك، داخلي وخارجي، ضار بل مدمر.. لحساب مصالح ومكاسب وخصوصيات: عرقية، أو قومية، أو قطرية، أو دينية، أو طائفية، أو مذهبية، أو حتى حزبية وفردية، مادية ومعنوية.. إلخ. وهذا ينعكس عدم استقرار وفوضى عالمية، ويؤسس للصراعات الدامية والكوارث المتنامية، ويضع أسساً، ويقدم سوابق: للظلم، والقهر، والطغيان، والعدوان، ويلغي حقوقاً لأفراد وجماعات وفئات وشعوب من بني البشر؛ ولأنه يفتعل شرعية لما لا شرعية ولا مشروعية له.. يفرضها بالقوة والغطرسة والدسيسة والخبث والمكر، فيستنهض قوة مضادة، وردود فعل من نفس الفعل، وستدعى التمرد والصراع والفتنة والحرب.. ويفتح أبواب انتهاك كل شيء يؤدي إلى السلم والأمن والتقدم والعدالة والحق، في مدى من آماد العالم قد يمتد أذاه ويصبح شاملاً، ويرسخ سوابق ينسج على منوالها آخرون، وتثبَّت بوصفها قواعد عمل سياسي
لاغبار عليها.؟!
وحين تبعدنا السياسات عن الأخلاق، أو تبتعد هي عنها، فإنها عملياً تبعدنا عن الإنساني والعادل، وعن مبدأ التسامي في الحياة، وتحرم بعض بني البشر من حقوق مشتركة لبني البشر، ينبغي احترامها من الجميع، لأنها مسؤولية الجميع، إذ فيها مصلحتهم على المدى البعيد.. وتحرمنا من الروحي الذي لا بد منه لتوازن الإنسان كي لا يتحول إلى كتلة من اللحم، ومادة مجردة من معاني الروح وأبعادها التي تعطي للحي معاني الحياة.. إنها تجردنا من قيمنا، ومن بعض مقومات إنسانيتنا على نحو ما.. فالأخلاقي يكمن في جوهر ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات من جهة، ويمتن ارتباطه بالاجتماعي وبمعيار سليم للقيمة، ويكفل له صلة عميقة بما يبني الروح ويؤصل الحرية، ويعلي ما هو أخلاقي وإنساني، من جهة أخرى.
إن الأخلاق تتجلَّى في السلوك والتعامل والمواقف، وفي ما يحكم العلاقات والمعاملات من منظومات قيم ومعايير وأساليب أداء وحكم واحتكام، يراعيها الأشخاص، وتراعيها المجتمعات والدول والمؤسسات والأعراف، وتضع لها الضوابط والقوانين، وفي ضوئها يتم تفسير الأمور والحوادث، وتفهم المواقف، ويُحكم على الأشخاص والأفعال، وفي ظلها أيضاً يقوم الحوار وينمو في مناخ صحي، ويرتفع شأن العقلاني والروحي والمعرفي، وترتقى المسؤولية إلى درجات إنسانية عليا.
إننا نسلم للسياسي بأن يتخذ كل القرارات التي تنفذ “تكتيكاً” في خدمة الاستراتيجية، ولكن السياسات واستراتيجياتها ذاتها، الداخلية منها والخارجية، ينبغي أن تكون في خدمة العادل والإنساني والسلمي والتنموي والحضاري، وذات بعد إنساني شامل في الاتجاهين الأفقي والعمودي، أي أخلاقي، وليست مجرد بلوغ أهداف وغايات بأية وسائل، لتحقيق مصالح وسطوة وسيطرة وهيمنة، وتوسيع دوائر النفوذ، بصرف النظر عن النتائج، وعن حقوق الآخرين.. نعم إنها قد تكون سياسات في خدمة دولة وشعب، وفق قيم ومصالح خاصة، وقد تدخل تاريخ أرض ودولة، وقد تحقق أمناً ورفاهية على مستوى جغرافية بشرية وسياسية محدودة ومحددة، وقد تنبع من وعي تاريخي يُتَرْجم إلى أهداف ثابتة، في إطار الحرص على وجود الدولة الأمة أو الشعب، وعلى مصالحها وهويتها وحقوقها وحيويتها، وقد تكون أيضاً في خدمة شخص أو مجموعة أشخاص، وفي خدمة نظام ومصالح على حساب كثيرين مواطنين وبشر آخرين من شعوب ودول أخرى، ولكن ذلك كله يتم، أولاً وأخيراً.. على حساب، وفي إطار المجموعة البشرية التي لها مصالح وحريات ووجود، ولأفرادها حقوق في الحياة، تصبح مهددة أو ملغاة في كل موقع من مواقع الظلم، والطغيان، والقهر، والسلب، والنهب، والصراع، والعدوان، والفوضى، والحرب.. الأمر الذي يجعلنا نطالب بمراعاة الجانب إنساني وأخلاقي في السياسات والاستراتيجيات، يكفل للآخر أمناً وحقوقاً، ويحفظ له إنسانيته، وينمي فيه الأمل وحب الحياة والتعلق بالعدل والحرية.
وعندما ترى سياسة ما، أو يرى سياسي ما، أن لها/له الحق، بحكم مصالحه، وتنفيذاً أهدافه ورؤاه وتطلعاته، في أن يستبيح ما يشاء ومن يشاء من أجل تحقيق أهدافه ومصالحه، بعيداً عن كل معيار أخلاقي أو حقّاني، وعن الحسابات الإنسانية، وعن كل ما قد يهم الآخرين ويعني لهم الحياة والكرامة.. وينتهج نهجاً عماده المكيافيلية المدمرة للآخر، وقاعدته: “الغاية تبرر الوسيلة”، والمبدأ الذي يبني عليه، ويستخدم منطقه، وينطلق منه: ” خذ ولا تسأل كيف، وافعل ولا تخفق، لأن المهم هو أن تنجح، وعندما تنجح تكون على حق؟ وتكتب التاريخ..إلخ، فإننا أمام كارثة سياسية تكرج وتكبر وتؤسس لكوارث أكبر باستمرار، إذ يصبح النجاح بكل الوسائل والأدوات أخلاقياً وعادلاًو ومعياراً للفعل، وحاكماً للمعايير وللآخرين!؟ وهذا مرفوض، وخطير، وينبغي أن يُرفَض، كما الميكيافيلية التي ينبغي أن ترفض.
إن مما يؤسف له، أنه في الأغلب الأعم، لا تحرص السياسات على القيمة الأخلاقية والإنسانية، ولا تفكر بحقوق الإنسان ـ مطلق إنسان ـ عندما تقرر وتنفذ، سواء على مستويات داخلية في حدودها الجغرافية ” الدولة”، أو على مستويات أعلى وأوسع من تلك الجغرافية ” الإقليمي والدولي. وما دامت السياسة التي من هذا النوع، حتى لا نقول معظم السياسات، لا تنطوي على احترام الإنسان، ووجوده وحقوقه، ولا تستند إلى معايير خلقية وإنسانية في التعامل معه، بل إلى معايير أخرى منها القوة والخداع؛ فإنها تدخل دائرة الخطأ، وترتكب الخطيئة، وتؤسس لذلك وتستثيره عند الآخر، وترسخه، لينتج عن ذلك قواعد ومرجعيات. وعندما تنجح في أداء من هذا النوع، فإنها تفلح في خلق غابة تعيد إليها البشر، وليس في خلق مجتمع إنساني يتخلى عن قانون الغابة، وتتجذَّر فيه القيم الأخلاقية والإنسانية والروحية، وينمو بأمن في ظل الأمن والاحترام، ويتمتع بالاستقرار، وتزدهر فيه السعادة.
إننا نحتاج في هذا العصر المريع، وفي هذا الواقع الذي يرهب فيه بشر من البشر الإرهاب ذاته، وينازع فيه أشخاص أعتى الوحوش وحشيتها.. إننا نحتاج إلى جرعة أخلاق في السياسة، وإلى رفع مستوى الإحساس بالمسؤولية عن حياة الإنسان وحقوقه، لتصبح هناك معايير حاكمة للفعل السياسي، وللخيارات، والاستراتيجيات، وأساليب الأداء، والوسائل المتبعة لتحقيق الأهداف والمصالح.. لأن نمط التوحش السياسي قد طغى طغياناً مذهلاً، وينذر بمزيد من الطغيان والهذيان وانعدام المسؤولية، والتوحش، والبعد عن الخلقي والإنساني. ونحتاج إلى القيمة الأخلاقية التي تحافظ على مصالح متبادلة، ومسؤوليات متبادلة، واعتماد متبادل بين الدول والشعوب، يقوم على أسس وعوامل يتداخل فيها المادي والروحي، الجمعي والفردي، القومي والوطني من جهة، مع البشري والإنساني والأخلاقي من جهة أخرى. ونحتاج إلى نوع من حضور القانون الدولي الإنساني وتطويره والإضافة عليه، ليصبح صيغاً تشريعية رادعة وحاكمة في كل دولة، من أجل تحقيق أبعاد ومسؤوليات إنسانية، وحقوق وواجبات على المستوى السياسي الداخلي في كل دولة، ولكي تؤخذ أحكامه وصيغه الرادعة في الاعتبار، عند رسم السياسات ووضع الاستراتيجيات، ويحسب السياسي والمعني بالتدبير والتخطيط أنه معرض للمساءلة مثلما يتعرض المنفذ المخالف للقوانين. وتزداد الحاجة إلى ذلك في هذا الزمن الرديء، لا سيما ونحن نشهد همجية سياسية متنامية، تتجاوز كل ما هو قانوني وخلقي وإنساني، وتظهر بغطرسة فائقة في ممارسات عديدة، وعلى مستويات متعددة، من دول كبرى وحلفاء وأتباع لها، ومن أنظمة ومعارضات وفئات تتطلع إلى مواقع سياسية، ومن مجموعات بشرية منطلقة من كل قيد، تعطي لنفسها الحق بذريعة أن غيرها لم ينصفها ولم يحفظ لها حقاً..؟!. نريد ذلك بسرعة وقوة ودقة، لكي يقوى الجانب الذي يرجح حقن الدماء، ودفن الفتن والصراعات الدموية، وتقريب الأفراد والمجتمعات من بعضها بعضاً، والشعوب والدول من مصالحها بالحوار والعقل والمنطق، ورفع درجة الوعي بحقوق الإنسان والمجتمعات والدول إلى درجة أعلى بكثير مما هو عليه الوضع الآن.
ومن أجل ذلك ينبغي إضعاف مد المقولة التي تسود في عالم السياسة، وتقول بأنه لا يوجد، أو لا ينبغي أن توجد، أخلاق في السياسة؟! إن هذا التوجه يؤسس للصراعات ويضري نارها، ويطلق العنان للطغاة والمغامرين وغير الأخلاقيين وللذين تغريهم شهوات التسلط والسلطة والنهب والعدوان والسلب، ويفتح أبواب الفوضى المدمرة على مصاريعها.
ينبغي أن يكون هناك موقف عام، واضح وقوي وواسع الطيف، يقف إلى جانب حكم قيمة وحكم قانون، يرتب مسؤولية ومساءلة ومحاكمة عادلة، على صعيد دولي – عالمي.. ويقوم على أساس أن هناك عملاً أخلاقياً وآخر غير أخلاقي في السياسة كما في كل المجالات، وأنه في السياسة على الخصوص يؤسس للحروب والإبادة الجماعية، والتشريد والتعذيب، ولكل أنواع المعاناة والبؤس البشري.. ويبقى صانعوه ومسببوه فوق القانون وخارج دوائر المساءلة.. وأن على من يريد أن يتقي جريمة أكبر بجريمة أصغر، بادعاء وتذاكٍ وادعاء الحكمة أو العصمة.. عليه أن يتذكر أنه ارتكب جريمة باسم ما يسميه الوقاية من الجريمة، ولكنها تبقى جريمة، وترتب المسؤولية، وقد تجر خلفها جريمة أو جرائم أخرى.. ولذا فإنه معرض للمساءلة والمحاكمة.
علينا أن ننمي الجانب الخلقي في كل ما يحرك الفعل البشري – الإنساني، سواء أكان الفعل فردياً أم جماعياً، وندفع باتجاه ما يحركه إيجابياً، ونركز على أن يكون الهدف السياسي والمسار السياسي ذا بعد أخلاقي إنساني. ومن دون ذلك تصبح الحياة تكراراً سقيماً: للفحش والبطش والتوحش والعنف والتطرف والإرهاب، وتكراراً عقيماً: للأكل والتوالد والقتل والموت. وربما كانت أعظم فلسفة يسوِّغ فيها الإنسان العيش ويتحمل في سبيله المكاره هي: حمل رسالة سامية، وتحقيق أهداف أخلاقية وإنسانية وحضارية عالية في الوجود.. والاستمتاع بتوازن بين الروحي والمادي في حياة نعيشها مرة واحدة، وتمضي دقائقها دون عودة.

إلى الأعلى