الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ندوة “عمان في الوثائق والتاريخ البرتغالي” تستعرض تاريخ عمان في ظل الصراع بين القوى الاستعمارية على منطقة الخليج
ندوة “عمان في الوثائق والتاريخ البرتغالي” تستعرض تاريخ عمان في ظل الصراع بين القوى الاستعمارية على منطقة الخليج

ندوة “عمان في الوثائق والتاريخ البرتغالي” تستعرض تاريخ عمان في ظل الصراع بين القوى الاستعمارية على منطقة الخليج

أقيمت بالنادي الثقافي وضمن فعاليات نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية 2015م

كتب ـ خميس السلطي:
احتضن النادي الثقافي أمس الأول، الندوة العلمية “عمان في الوثائق والتاريخ البرتغالي” ، التي جاءت ضمن فعاليات وبرامج نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية 2015م، حيث شارك فيها أربعة باحثين قدموا من خلال محاور ثلاثة العديد النقاط والمواضيع ذات العلاقة.
وجاء المحور الأول في هذه الندوة بعنوان “الأنشطة الاقتصادية ومظاهر الحياة الاجتماعية في عمان فترة الوجود البرتغالي”، واشتمل على ورقة عمل واحدة قدمها الدكتور محمد بن حميد السلمان من مملكة البحرين. حيث أشار في حديثه أن المتتبع لتاريخ عُمان، يجدها، كغيرها من مناطق شرق وجنوب شبه الجزيرة العربية، تتأثر وتؤثر دائماً وأبدا، بما يحدث على الضفة الشرقية من الخليج، سواء أكان ذلك، تاريخياً، قبل الميلاد أم بعد الميلاد، بل وحتى العصر الحديث، ولذا فقيام مملكة هُرمز التاريخية على ضفاف الخليج الشرقية، ثم على أرض جزيرة “جيرون” على يد تجار وحكام هًرمز القديمة قد تأثرت به الأراضي العُمانية بشكل كبير، وجاء لصالح مملكة هُرمز التي اعتمدت على الثراء الاقتصادي للموانئ العُمانية تحديدا في بلوغ مكانتها وازدهارها العالمي الذي صارت تتغنى به الركبان والبلدان من الصين حتى أوروبا وأفريقيا. ثم أشار الباحث إلى أهم البضائع الهندية التي يتاجر بها سكان الخليج وعُمان وهي التوابل والبهارات، والخيول، والتمور، واللؤلؤ، والذهب، والأقمشة الحريرية، والسجاد الفاخر، وكافة المنتجات الشرقية والإفريقية. وكان سكان الساحل العُماني يحصلون على دخلهم من تجارة العبور خاصة تلك التي يأتي ريعها من البضائع الهندية والأفريقية. وأكد بقوله أيضا أن البرتغاليين قد احتلوا مملكة هُرمز منذ وطئ القائد البرتغالي “أفونسو دي البوكيرك” عام 1507م؛ فقد أضحت كذلك كل الموانئ والسواحل العُمانية تحت السيطرة السياسية، والعسكرية، والاقتصادية لأول الغزاة الأوروبيين في العصر الحديث، ولم تستطع عُمان الخلاص من هذه السيطرة البرتغالية نهائياً إلا بعد عام 1650م، على يد الإمام سلطان بن سيف اليعربي، الذي تولى الإمامة بعد ابن عمه ناصر بن مرشد اليعربي عام 1640 م. أضف إلى ذلك، أن البرتغاليين ادعوا بأنهم استطاعوا سريعاً السيطرة على طرق التجارة الدولية، مع بدء حركة الكشوف الجغرافية الاستعمارية، فقط خلال العقد الأول من القرن السادس. كما ناقش هذا المحور ثلاث نقاط تمثلت في “عُمان قبل مجيء البرتغاليين مطلع القرن السادس عشر الميلادي” و “الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في عُمان ضمن كيان مملكة هُرمز” و ” الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الساحل العُماني في فترة الوجود البرتغالي” .
الوثائق البرتغالية
في المحور الثاني تحدث الدكتور انطونيو دياس من جامعة لشبونة من خلال ورقة عمل جاءت بعنوان “عمان في الوثائق والمخطوطات البرتغالية”، ففي هذا الورقة تناول الباحث خصوصية الملاحة البرتغالية في الشرق، وتطرق إلى ثلاث قضايا رئيسية وهي “البرتغاليون في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي” ، و “ساحل عمان كما رآه البرتغاليون في القرن السادس عشر” و “السفن التجارية، النقل البحري، والحرب والسفن المتنوعة” بعدها انتقل المحاضر الدكتور في ورقته ليناقش أهم البضائع، والإستيراد والتصدير في منطقة عمان من بينها التوابل والخيول والنسيج وغيرها، كما بيّنت ورقة عمل الحقوق وما يتبعها من دفع للمستحقات الجمركية، إضافة إلى الجوانب الإجتماعية والإنسانية الأقتصادية لدى التجار ومن معهم في العملية التجارية، كما تعرض الدكتور إلى العملات المعدنية والأوزان والمقاييس التي كانت تتدول في هذا الأمر، وفي سياق متصل تم بالمحاضرة استعراض لعرض مرئي للخرائط والسفن البرتغالية المتنوعة مع الوثائق التاريخية في ذلك العهد وبعضا من العملات المعدنية.

التنافس العسكري والسياسي
أما المحور الثالث من ندوة أمس الأول فكان بعنوان “مظاهر النشاط السياسي والتنافس العسكري بين العمانيين والبرتغاليين في القرن السابع عشر”، وألقى من خلاله الدكتور إبراهيم بن يحيى البوسعيدي ورقة عمل بعنوان “الصراع والتنافس بين العمانيين والبرتغاليين في القرن السابع عشر” حيث أشار “البوسعيدي” من خلال ورقته أن منذ مطلع القرن السادس عشر فقد أصبح البرتغاليون القوة المهيمنة على معظم طرق التجارة العالمية التي تربط بين الشرق والغرب في المحيط الهندي وطريق الخليج العربي والبحر الاحمر، وذلك بفضل التفوق العسكري ، وبخاصة في مجال الاسطول البحري والمدفعية.
مشيرا البوسعيدي أن هذا التفوق استمر طيلة القرن السادس عشر، ومع مطلع القرن السابع عشر بدأت تظهر في مجال المنافسة قوى جديدة اوروبية واقليمية مثل الهولنديين والانجليز والفرس والعمانيين الذين اسهموا في اضعاف النفوذ البرتغالي في الشرق، وأشار الدكتور إبراهيم في ورقته أن في عام 1624م ولدت دولة جديدة في عمان هي دولة اليعاربة والتي اسهمت في اعادة الوحدة الوطنية بعد الانقسامات التي عاشتها عمان لأكثر من ستة قرون. مضيفا في حديثه أن دولة اليعاربة عملت بعد ارساء دعائم الوحدة الوطنية على التصدي للبرتغاليين وطردهم من الساحل العماني حيث تكللت جهودهم بالنجاح فخلال اقل من ربع قرن من قيام اليعاربة تمكن العمانيون من اقصاء البرتغاليين من السواحل العمانية الممتدة من جلفار شمالا الى صور شرقا. وأضاف البوسعيدي من خلال ورقته أيضا أن في عام 1650م تم طرد البرتغاليين من مسقط اهم واكبر معاقلهم في الخليج حيث بدا العمانيون بعدها مباشرة يستعيدون دورهم الحضاري الذي عرفوا به منذ اقدم العصور وقد ساعدهم في ذلك بناءهم لأسطول بحري قادر على مواجهة اساطيل القوى الاخرى في اعالي البحار، مشيرا بحديثه أنه وبفضل القوة البحرية العمانية أصبح مجال التنافس والصراع مع البرتغاليين مفتوحا في المحيط الهندي حيث كانت ميادينه متعددة شملت سواحل الهند الغربية وسواحل شرق افريقيا والخليج العربي والبحر الاحمر، كما أن ومن خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر كانت موازين الصراع غير محسومة بالرغم من قدرة العمانيين على ادارة الصراع وضرب مصالح البرتغاليين في مراكزهم التجارية في المحيط الهندي.
وأكد الدكتور إبراهيم البوسعيدي في نهاية قوله أنه مع نهاية القرن السابع عشر كانت موازين التنافس لصالح العمانيين حيث تمكنوا من طرد البرتغاليين من ساحل شرق افريقيا الممتد من راس دلجادو في الجنوب الى مقديشو في الشمال وفي ساحل الهند الغربي اصبح للعمانيين نفوذ تمكنوا به من الاستفادة من السلع المتنوعة التي تزخر بها شبه القارة الهندية وبخاصة التوابل والاخشاب والرز بحيث اصبحت مسقط منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر محطة رئيسة للتجارة في المحيط الهندي والخليج العربي.
كما ألقى إبراهيم بن يوسف بن سيف الأغبري ورقة عمل بعنوان “مظاهر النشاط السياسي والتنافس العسكري بين العمانيين والبرتغاليين في القرن السابع عشر” والذي تطرق إلى بعض الجوانب التي تبرز من خلالها مساعي القوتين نحو تحقيق مجد سياسي سواء عن طريق التحرك السريع وحماية مناطق النفوذ أو عبر بسط الهيمنة ، إلى جانب التسابق على امتلاك القوة البحرية المجهزة واستخدامها بفاعلية من خلال المواجهات بين القوتين التي جرت في البحار الشرقية وقال “الأغبري” في ورقته : لقد شهد القرن السابع عشر الميلادي نقطة تحول في الإمبراطورية الاستعمارية البرتغالية ، و ذلك نظرًا لقدوم قوى أوربية عظمى سعت إلى مزاحمة البرتغاليين في مناطق نفوذهم حينما وجدت أن السياسات التي اتبعها البرتغاليون ساهمت في ثرائها من جهة وفي حرمان الشعوب الأخرى بمن فيها الأوربية من أبسط حقوقهم بسبب الأنظمة الجائرة التي طبقها الملوك البرتغاليون على التجارة التي ظلت محتكرة طيلة القرنين الخامس عشر و السادس عشر ، مع عدم إغفال مطامع تلك القوى و التي تشكلت من خلال مساعيها الحثيثة في إيجاد مواقع لها في تجارة البحار الشرقية أو في وقوفها مع القوى المحلية بهدف تعجيل سقوط الإمبراطورية البرتغالية . و كانت عمان إحدى القوة المحلية الصاعدة التي و إن سكتت عن المقاومة البرتغالية في القرنين الماضيين بسبب ظروف داخلية لكنها عايشت مطلع القرن السابع عشر أحداثًا داخلية ، فما أهم تلك الأحداث ؟ و ما هي انعكاساتها على الأوضاع الجارية ؟ و كيف تعامل العمانيون مع الوجود البرتغالي في عمان ؟ و ما المواقف التي حددتها القيادة و الإجراءات التي اتخذتها إزاء النفوذ البرتغالي في البحار الشرقية ؟ ، حيث اجاب البحث عن تلك التساؤلات المطروحة من خلال العناصر التي تم حددتها الورقة.

هدفت هذه الندوة إلى إبراز بعض جوانب التاريخ العماني في مرحلة الوجود البرتغالي التي غفلت عنها المصادر التاريخية المحلية، والتوثيق لتلك المرحلة المهمة من تاريخ عمان والخليج العربي، إلى جانب توضيح بعض جوانب العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين البرتغاليين والعمانيين، وفهم الكثير من الظواهر المرتبطة بالصراع بين القوى الاستعمارية على منطقة الخليج وأبعادها على جميع المستويات وربطها بالحاضر. وفي نهاية الندوة فتح باب النقاش للحضور الكبير الذي حضر الندوة وطرحت العديد من الاستفسارات والقضايا ذات العلاقة.

إلى الأعلى