الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العلاج والبتر

العلاج والبتر

” ..يبدو أن منطقتنا ما زالت تعيش مرحلة زمنية سابقة إلى حد ما، ولم تواكب التغيرات التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة. فدول المنطقة والقوى الفاعلة فيها وجماعاتها الناشطة تتعامل مع العلل والمشاكل إما بطريقة مقولة عادل أدهم، أو الطب السوفيتي، لكن دون أدنى اعتبار لأن هناك وسائل أخرى طورتها البشرية للتعامل مع المشاكل المشابهة…”
ــــــــــــــــــــ
اشتهر الممثل المصري الراحل عادل أدهم بعبارات عديدة، من بينها عبارة في أحد الأفلام: “أنا الصباع اللي يوجعني ما عالجوش، اقطعه”، ومع أنها عبارة تدل على الحسم في سياق الفيلم إلا أنها تنطبق الآن على ممارسات يمكن وصفها أكثر بأنها “استسهال” أكثر منها حسم. صحيح أنه في الطب السوفيتي كان اللجوء للجراحة أكثر من العلاج، أولا للتخلص من أعضاء الجسم المعطوبة التي يمكن الاستغناء عنها طالما يصعب أن يصلحها الجسم بنفسه دون أدوية. وفي ذلك، وقتها، كان الطب الشرقي ينظر للعلاج بالأدوية بكثافة على انه ثقافة رأسمالية تروج لشركات عملاقة وتعظم أرباحها. أما الآن، وقد أصبح العالم كله رأسماليا تقريبا فلم تعد للتصرفات “الجذرية” ذات الدلالة كما كان في السابق .. لا في فيلم عادل أدهم ولا في طب الاتحاد السوفيتي.
لكن يبدو أن منطقتنا ما زالت تعيش مرحلة زمنية سابقة إلى حد ما، ولم تواكب التغيرات التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة. فدول المنطقة والقوى الفاعلة فيها وجماعاتها الناشطة تتعامل مع العلل والمشاكل إما بطريقة مقولة عادل أدهم، أو الطب السوفيتي، لكن دون أدنى اعتبار لأن هناك وسائل أخرى طورتها البشرية للتعامل مع المشاكل المشابهة لا تتضمن “البتر” الذي حتى نقوم به في منطقتنا بطريقة غالبا ما تؤدي إلى “غرغرينا” قد توصل إلى ما لا شفاء منه، أو على اقل تقدير إلى مضاعفات تضعف الجسد كله. هذا حالنا منذ غزو العراق للكويت قبل اكثر من عقدين ـ بل وربما قبل ذلك بما يمتد لأكثر من ثلاثة عقود إذا أخذنا الحرب العراقية ـ الإيرانية. فإيران، وإن لم تكن من مكونات الجسد العربي إلا أنها جزء لا يتجزأ من الإقليم وتتصل شرايينها بالمنطقة بقوة، خاصة مع الخليج.
كانت البداية في المخاوف من أن إيران تصدر الثورة التي ارتبطت برجال الدين في نهاية السبعينيات. وهي مخاوف لها ما يبررها، ليس فقط سعي إيران “لتثوير المنطقة بشعارات دينية” وإنما لأن في بعض بلدان ومجتمعات المنطقة ما يقلق بالفعل ويمكن أن يكون سببا لاضطرابات. لكن بدلا من مواجهة مخاوف “تصدير الثورة” بأن نصلح من شؤوننا وننتهزها فرصة لمعالجة مشاكل حقيقية في مجتمعاتنا، شجعنا على إضعاف إيران بالحرب ثم بالعزلة. بالطبع، دفع ذلك إيران للتعامل مع دول المنطقة على هذا الساس “العدائي” لتصبح المشاكل أكبر واكثر تعقيدا. فلا حرب العراق مع إيران أضعفت الثورة الإيرانية ولا هي حمت العراق نفسه من مصير كارثي فيما بعد. ورغم تقديرنا لكل التفسيرات “التبسيطية” التي تعتمد نظريات المؤامرة وأن الأميركان والغرب هم من يفعلون بنا كل ما حل بمنطقتنا، إلا أن مصالح تلك القوى والدول لا يمكن أن تتحقق بتلك السهولة لو لم تكن أوضاعنا تسمح بذلك وكانت تصرفاتنا تعزز سياساتها. ثم بعد ذلك خرج العراق من الحرب بجيش أثيرت حوله الأساطير وكيف أنه راكم قوة وخبرة، وكانت كارثة غزو الجيش العراقي للكويت فاجتمع العالم والمنطقة ليس على تحرير الكويت فحسب بل ايضا على تدمير العراق وجيشه لينتهي الأمر بغزوه واحتلاله.
ولعل العراق هو المثال الأبرز على اختيار البتر بديلا للعلاج في تعاملنا مع مشاكلنا وأزماتنا، فكأنما قوي ذراع جسدك فخشيت منه فقررت قطعه. ربما يقول قائل غن الذراع لا يقوى على جسد هو جزء منه، وأن العراق فصل نفسه عن أمته بغزوه الكويت. ربما، لكن مرة أخرى بدلا من التعامل بحسم مع سبب هذا “الفصل” والإبقاء على العراق بلدا متماسكا وجيشه رديفا للقوة العربي قررنا “قطع الاصبع وما نعالجوش” بطريقة أصابت القدم كله بالغرغرينا فتفسخ العراق وتحلل. وتكرر الأمر هنا وهناك، وبدرجات وتفاصيل متباينة من سوريا إلى ليبيا إلى اليمن. ومرة أخرى، لا نستبعد تأثيرات القوى الخارجية ذات المصلحة من أميركا إلى اسرائيل مرورا بتركيا حتى، لكن لا يمكن تحميل “الخارج” كل المسؤولية ـ فنحن في النهاية من نقوم بالمهمة بحق أنفسنا للأسف.
السؤال المنطقي هنا: وماذا يمكن أن نفعل فيما نواجه من أزمات لا يجدي معها العلاج؟ الحقيقة أننا لم نجرب العلاج، أو على الأقل لم نبذل جهدا كافيا في العلاج قبل أن نلجأ للبتر. وحتى في البتر، لا نراعي المضاعفات وما يمكن ان ينتج عنه من تأثيرات سلبية. الأمر أقرب ما يكون لما يمكن وصفه بحالة “الاستسهال” التي تسود العالم في كافة مناحي حياة البشر. الفارق هنا ان الاستسهال في حالة الدول والبلاد ربما يؤدي إلى خسائر صعبة التعويض. هناك اجابة أخرى على التساؤل السابق، وهي أن العلاج مر في أغلب الأحيان وسيتضمن تنازلات عن أسلوب الحياة (مع كل قواعد العلاج وربما حتى أضراره الجانبية)، لكن نتائجه ـ إن أفلح ـ أفضل كثيرا من البتر، حتى لو كان بترا دقيقا بلا مضاعفات. ولا أظن أن الوقت فات على محاولة علاج كثير من الأزمات التي ننتهج فيها طريقة البتر ولم نات على نهايتها بعد.

د أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى