السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سيزيف العراقي

سيزيف العراقي

أ.د. محمد الدعمي

” لست أدعي أن الأنظمة الدكتاتورية المتتالية في بغداد مثلت خياراً أفضل لأن في هذا الإدعاء ما يكفي من المبررات الرائجة اليوم في بغداد لـ”تكفيري” على الطريقة السائدة الآن في العراق، بعدي رجلاً رجوعياً، إلا أني أزعم بأن الوضع الراهن بين الموصل والبصرة، عبر بلاد الخير المعطاء الممتدة بين النهرين التوأمين، دجلة والفرات، هو أدنى بكثير مما كان عليه فيما طوي من عهود.”
ـــــــــــــــــــــــ
لا مانع لدى واشنطن من منح بغداد بضعة ملايين من الدولارات، هبة، ولكن بشكل تجهيزات عسكرية ومشورة عملياتية في الميدان أو دعم من الجو ما دامت الثانية (بغداد) تخدم الأولى ساحة للقتال بالنيابة، وما دامت بغداد تؤدي دور وظيفي في عدد لابأس به من الحالات ضمن من عمليات الإحتواءات المزدوج Double containment عبر إقليم الشرق الأوسط، للأسف.
لذا لايمكن لزيارة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، واشنطن إلا أن تكون ناجحة حسب معايير واشنطن وبغداد على حد سواء، بدليل أن الرئيس أوباما أبدى درجة عالية من الكرم لكل مامن شأنه بقاء العراق ساحة حرب (كما كان منذ 1980 المشؤومة)، ساحة تكفي واشنطن شرور الحروب القريبة من فضائها الجغرافي وفضائها التحالفي عبر الإقليم.
عندما دخلت قوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، بغداد لم تكن هناك أدنى مخاطر تحيق بالمنطقة أو بالمصالح الأميركية مما نطلق عليه اليوم لفظ “الإرهاب”. وعلى سبيل المقارنة والمقاربة، فان المفارقة تكمن في أن العراق الآن هو أهم فضاءات هيمنة الإرهاب في العالم: ثلث أراضيه هي اليوم جزء مما يسمى، تعسفاً، بــ”الدولة الإسلامية”، الوريثة المتسعة (بكل عنفوان، للأسف) لما كان يسمى بـ”داعش”. ومن منظور عملي، يدفع العراق اليوم من أرواح شبيبته وطاقاته الاقتصادية لهذه الحرب ما لايمكن حصره في مجرد أرقام صماء.
ومن منظور آخر، لابد أن نقيس بضعة الملايين الأميركية من الدولارات بالمليارات السابقة التي لم تتمكن بغداد من استثمارها أو الإفادة منها عندما امتص العراق أنواع الهبات والديون والمساعدات النقدية والعينية إثر احتلاله، 2003. ابتلعت بغداد من الأموال والثروات أعلاه مايكفي لنقل الثورة الصناعية والإلكترونية من الصين إلى بلاد مابين النهرين، بيد أن “تراجيديا العراق” تجسدت في الشلل الذي أصاب حكوماته المتتالية (بعد 2003) بسبب الفساد، ذلك الفساد الذي أحال العراق الى أفضل فضاء في العالم لاجتذاب الجماعات الإرهابية لأنها تعتاش عليه وتتغذى من فضلاته. لقد أماط الفساد عن وجهه الكالح المدمر عندما اكتسحت أمراض الطائفية والشللية والحزبية الجوهر الوطني الذي خدم آصرة قوية، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة 21-1920، آصرة وضعت جميع العراقيين في مهاد وطني عراقي موحد بهوية لا تقبل الشك، لا أثر فيه للتمييزات والفوارق؛ فبقيت الروح الوطنية العراقية آصرة فولاذية تمكنت الأنظمة الشمولية التي تتالت على حكم بغداد بتوظيفها، ليس فقط لبقاء العراق كياناً سياسياً ذا ثقل كبير على المستويين الإقليمي والدولي، ولكن كذلك أداة للجم وبتر جميع عوامل التعرية والتفتيت والتجزئة حتى صار العراق الذي كنا نعرفه.
لست أدعي أن الأنظمة الدكتاتورية المتتالية في بغداد مثلت خياراً أفضل لأن في هذا الادعاء ما يكفي من المبررات الرائجة اليوم في بغداد لـ”تكفيري” على الطريقة السائدة الآن في العراق، بعدي رجلاً رجوعياً، إلا أني أزعم بأن الوضع الراهن بين الموصل والبصرة، عبر بلاد الخير المعطاء الممتدة بين النهرين التوأمين، دجلة والفرات، هو أدنى بكثير مما كان عليه فيما طوي من عهود.
العراق اليوم لا يزيد عن ميدان حرب لقوى عالمية وإقليمية، منظورة ومستترة، لا يهمها مستقبل البلد بقدر ما يهمها ركوب طاقاته وطاقات سكانه لحسم صراعات دولية وكتلوية، صراعات ليس للعراقيين فيها ناقة ولا جمل، للأسف. هم يتذابحون فيما بينهم، بكل كفاءة ونشاط بل وبكل انتشاء أحياناً، بينما يبقى الخواء العراقي ماصا مهولاً جباراً للأسلحة وللعتاد والأجندات إلى مالا نهاية، وكأن سيزيف قد استقر في بلاد مابين النهرين الآن وإلى الأبد، ليتيقن العالم من أن الأسطورة لابد أن تجد لنفسها جذوراً في تربة الواقع اللامجدي، إذا ما شئنا استعارة لفظ الفيلسوف الوجودي الفرنسي “البير كامو”.
كم تمنيت أن توافق واشنطن على صرف الملايين أعلاه لبغداد كي تستثمر لمعالجة ما تعاني منه الأخيرة من أمراض الطائفية والفساد والفوضى، بدلاً عن إحالة هذه الأموال الى اسلحة وذخائر لايمكن إلا أن تعزز دور العراق فضاءً لحروب مصالح ودول لا ترجو له الخير. وإذا كانت الإدارة الأميركية تدرك جيداً حجم الفساد والهدر الذي يبتلع العراق اليوم (شكراً لأجهزتها الاستخبارية)، فحري بها أن تشترط مساعدته في علاج أمراض الدولة التي تبقى تدفع بصخرة سيزيف الى أعلى الجبل كي تتدحرج من هناك الى قعر الوادي، مرة وثانية وثالثة، والى ما لا نهاية من اللاجدوى.

إلى الأعلى