الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التعارف في الإسلام (الغاية .. والمنهج) (2 ـ 2)
التعارف في الإسلام (الغاية .. والمنهج) (2 ـ 2)

التعارف في الإسلام (الغاية .. والمنهج) (2 ـ 2)

قراءة في (أسبوع المواطنة الإنسانية ودورها في تقارب والوئام الإنساني)

ـ التعارف هو الجسر الذي يربط بين الجماعات المختلفة والديانات والثقافات والأجناس، ولكن لا تعارف من دون معرفة

ـ الصور السلبية المشوهة عن الإسلام متأصلة في جوانب عديدة من الثقافات الدينية الغربية وتعكس مدى خطورة اللامعرفة بالإسلام

ـ الحكمة الإلهية قضت بصياغة النصوص الدينية بحيث تترك المجال مفتوحاً أمام الفكر الإنساني لفهمها ولاستنباط الأحكام منها

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
وفق الرؤيـة السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في سياق خدمة التفاهم والوئام الديني والحضاري بالإضافة إلى أنّه مشاركة من السلطنة في تنفيذ القرار الأممي رقم:(65/5) لعام 2010م بجعل الأسبوع الأول من شهر فبراير من كل عام أسبوعاً للوئام بين الأديان، حيث نظّم مركز السُلطان قابوس العالي للثقافـة والعُلوم هذا العام أسبوع (المواطنة الإنسانية ودورها في التقارب والوئام الإنساني) للعام الرابع على التوالي والذي أقيمت فعالياته بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر ببوشر، حيث كان من ضمن أعماله ملتقى علمي له محاوره وبحوثه بمشاركة عدد من العلماء الباحثين والمفكرين من داخل وخارج السلطنة.
وتعتبر الغاية من تنظيم هذا الأسبوع هي تيسير التواصل بين الثقافات الإنسانية من أجل تحقيق وتأكيد دور الحوار في تعزيز السلام والاستقرار في العالم عبر زيادة وعي الرأي العام بالقضايا الرئيسة ذات الصلة بالموضوع، وتعزيز التفاهم من أجل إبراز ما تحث عليه الأديان والمبادئ الإنسانية العامة، من التسامح والتعاون على ما فيه الخير للبشرية ..
ومن ضمن البحوث المقدمة في هذا الملتقى العلمي القيّم .. بحث بعنوان : “التعارف في الإسلام (الغاية .. والمنهج)” للباحث الدكتور محمد السماك.

* مخاطر اللا معرفة:
يقول الباحث: في منتصف القرن التاسع نشر المؤرخ البيزنطي جورج هامر تولوس كتاباً عن تاريخ الإنسانية، في الفصل “235″ من هذا الكتاب وصف المسلمين بأنهم “رجال أغبياء مشوشي العقول”، ومن بعده وجّه الراهب الفرنسي هيو كلوني (1119 ـ 1049) رسالة إلى أحد الأمراء المسلمين دعاه فيها إلى الارتداد عن الإسلام واعتناق المسيحية، مبرراً دعوته بقوله:”لقد خدع الشيطان أحفاد إسماعيل بالنسبة لإيمانهم بمن يعتقدون أنه نبي، فكان طبيعياً أن يكون عقابهم نار جهنم”.
مبيناً انه وفي أواسط القرن التاسع عشر حرمت الحكومة الإنكليزية على رعاياها شرب القهوة وكانت حبات البن تُعرف ـ يومذاك ـ باسم “حبات محمد”، وكان هناك اعتقاد بأن من يشرب القهوة يرتد عن مسيحيته إلى الإسلام وأن الأتراك المسلمين يتآمرون على المسيحية في بريطانيا من خلال القهوة، وقد تمكّن رئيس أساقفة كنتربري الأسقف لاند من استصدار قانون عن مجلس العموم في عام 1637 يمنع أي بريطاني من شرب القهوة ومن اعتناق الإسلام .
قبل وفاة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نكسون صدر له كتاب عنوانه: “اقتناص اللحظة” كشف فيه بكثير من الوضوح عن ثقافة كراهية الإسلام، فقال في الصفحة (195): “يحذر بعض المراقبين من أن الإسلام سوف يكون قوة جغرافية متعصبة ومتراصة. وأن نمو عدد أتباعه، ونموَ قوته المالية سوف يفرضان تحدياً رئيسياً. وأن الغرب سوف يضطر لتشكيل حلف جديد مع موسكو من أجل مواجهة عالم إسلامي معاد وعنيف. إن وجهة النظر هذه، يضيف نيكسون ، تعتبر أن الإسلام والغرب على تضاد. وأن المسلمين ينظرون إلى العالم على أنه يتألف من معسكرين لا يمكن الجمع بينهما، دار الإسلام، ودار الحرب” .
وقال: وقد عكس نيكسون في كتابه صورة بشعة عن العالم الإسلامي عندما قال: (ص 194):”إن معظم الأميركيين ينظرون نظرة موحدة إلى المسلمين على أنهم غير متحضري، وسخين، برابرة، غير عقلانيين، لا يسترعون انتباهنا إلا لأن الحظ حالف بعض قادتهم وأصبحوا حكاما على مناطق تحتوي على ثلثي الاحتياطي العالمي المعروف من النفط”.
مؤكداً بقوله: ولا شك في أن كثيرين في الولايات المتحدة وفي الغرب يشاركون نيكسون وجهة نظره التي يقول فيها (ص 196 ):”أنه يوجد في العالم الإسلامي عاملان اثنان مشتركان فقط: هما الدين الاسلامي والاضطراب السياسي”، فبعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي وانحلال حلف وارسو، جرى تصعيد متعمد للعدوانية الغربية ضد الإسلام، حتى إن مدير معهد بروكنغز في واشنطن هيلموت سوننفيل يقول:إن ملف شمال الأطلسي سوف يعيش ، وإن الغرب سيبقى مجموعة دول لها قيم أساسية مشتركة، وستبقى هذه المجموعة متماسكة معا من خلال الشعور بخطر خارجي: الموقف من الفوضى أو التطرف الإسلامي”، وقبل ذلك في ربيع 1990م ألقى الدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركية الأسبق خطابا أمام المؤتمر السنوي لغرفة التجارة الدولية، قال فيه:”إن الجبهة الجديدة التي يتحتم على الغرب مواجهتها هي العالم العربي الإسلامي باعتبار هذا العالم هو العدو الجديد للغرب”. وإن حلف الأطلسي باق، رغم انخفاض حدة التوتر بين الشرق والغرب في أوروبا، ذلك أن “أكثر الأخطار المهدِدة للغرب في السنوات القادمة آتية من خارج أوروبا، وفي نهاية التسعينات فان اخطر التحديات للغرب ستأتي من ناحيتي الجنوب (أي المغرب العربي) والشرق الأوسط”.
موشحاً قوله: ان مجلة الآيكونوميست البريطانية المعروفة برصانتها كانت قد نشرت في الوقت نفسه على الغلاف موضوعا بعنوان: “الإسلام الأيديولوجية البربرية المعادية للغرب”، وجاء في دراسة أخرى نشرتها مجلة ألمانية متخصصة في الدراسات الإستراتيجية: في ذلك الوقت دعا رئيس مجلس النواب الأميركي نيوت غينغريش، المجلس “إلى وضع استراتيجية متكاملة لمحاربة التوتاليتارية الإسلامية”.
وقال: يلاحظ المفكر الأميركي الأصل صموئيل هنتنغتون في دراسة نشرتها مجلة الشؤون الخارجية (فورن افيرز) الأميركية ونقلت مقتطفات منها صحيفة هيرالد تريبيون الأميركية “أن المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية تفصل الشعوب عن هوياتها المحلية، وفي معظم أنحاء العالم يتقدم الدين لملء هذا الفراغ على يد حركات غالبا ما تتصف بالأصولية كالمسيحية الغربية، واليهودية، والبوذية، والهندوسية، والإسلام”، وفي مقابلة أجرتها معه مجلة “تايم” الأميركية، سألت المجلة البروفسور هنتنغتون: أنك تؤكد إن الصراع المقبل الذي سيواجهه الغرب سوف يأتي من العالم الإسلامي. لماذا؟، ويجيب هانتنغتون على السؤال بقوله:”ان الاسلام هو الديانة الأشد صرامة في العالم خارج المسيحية. لا يوجد فصل بين الدين والسياسة، ثانيا هناك شعور بأن العالم الإسلامي قد تعرض للضرب واستغل على يد الغرب، وإن ثمة نوعا من الصحوة في طريقها إلى البروز. أن الصراع سيأخذ عدة أشكال. والواحد منا لا يريد أن يظن بأن هذا يعني قيام حرب ماحقة بين الإسلام والغرب”.
وقال: قبل حادث 11 سبتمبر 2001م كان قساوسة الحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة يعبّرون عن كراهيتهم للإسلام ويصبّون جام حقدهم عليه، ومن أبرزهم جيري فولويل وبات روبرتسون وفرانكلين غراهام وهول ليندسي وكثير غيرهم. فهم يعتبرون أن المسلمين بوقوفهم في وجه الإسرائيليين يعطلون المشيئة الإلهية ويؤخرون العودة الثانية للمسيح .
مشيرا إلى أن القس ليندسي قد حذر من “أن المسلمين لا يريدون فقط تدمير دولة إسرائيل ولكنهم يريدون تدمير الثقافة اليهودية ـ المسيحية التي تشكل أساس الحضارة الغربية، إنهم كالشيوعيين في أعماق فلسفتهم توق شديد لدفننا جميعا”، ووصف القس جيري فاين النبي محمد عليه السلام في مؤتمر المحفل المعمداني الجنوبي الذي عُقد في فلوريدا في عام 2002م بأنه الشيطان نفسه.
وكان فرانكلين غراهام وهو نفسه أيضاً الذي ترأس الصلاة الخاصة بمناسبة أداء القسم الدستوري للرئيس السابق جورج بوش الابن، قد قال عن الإسلام “انه دين شيطاني وشرير”، وقال عنه القس جيري فولويل أنه دين “مزوّر”.
إن هذه الصور النمطية السلبية المشوهة عن الإسلام متأصلة في جوانب عديدة من الثقافات الدينية الغربية على نطاق واسع. وهي تعكس بشكل واضح مدى خطورة سوء المعرفة، أو حتى اللامعرفة بالإسلام وقيمه ومبادئه. ومع استمرارها يتعذر إقامة علاقات احترام صادقة بين العالمين الإسلامي والغربي، الأمر الذي يتطلّب فتح آفاق لحوار فعّال يصحّح هذه الصور ويرسي قواعد فكرية جديدة تقوم عليها العلاقات بين الجانبين . ومن هنا أهمية الدعوة الإسلامية إلى التعارف.
لقد أدت اللامعرفة، أو سوء المعرفة، ولم تزل تؤدي، إلى سوء التفاهم وتالياً إلى سوء العلاقات. ومن شأن التعارف أن يبدد الصور النمطية السلبية وأن يرسي أسساً صحيحة وسليمة للمعرفة و للتعارف.
مؤكداً بقوله: ان التعارف هو الجسر الذي يربط بين الجماعات المتنوعة والمختلفة الديانات والعقائد والثقافات والأجناس، ولكن لا تعارف من دون معرفة؛ ذلك أن التعارف يقوم أساساً على المعرفة. ويفترض بالآخر أن يكون مختلفاً حتى نتعرف إليه. ويفترض أن نكون نحن مختلفين عنه حتى يتعرّف إلينا. ومن دون هذا الاختلاف ما كانت هناك حاجة للمعرفة، وما كان للتعارف أساساً أن يكون.
وقال: من هنا فان الدعوة القرآنية للناس ليتعارفوا هي في حدّ ذاتها دعوة لهم للتعرّف على ما بينهم من اختلافات وللاعتراف بهذه الاختلافات، ولإدراك حتمية استمرارها، ولبناء مجتمع إنساني واحد ومتناغم على قاعدة معرفة المختلفين وتعارفهم، كما أشرنا الى ذلك سابقاً، حيث يرسي الإسلام قواعد لعلاقة الإنسان بنفسه ولعلاقته بأخيه الإنسان (سواء كان مؤمنا او غير مؤمن) ولعلاقته بمجتمعه ولعلاقته بربه، هذه القواعد الكلية تشمل قضايا وأمورا حياتية تتغير بتغير الأزمان والمجتمعات، ولذلك فإن الحكمة الإلهية قضت بصياغة النصوص الدينية بحيث تترك المجال مفتوحاً أمام الفكر الإنساني لفهمها وهضمها ولاستنباط الأحكام منها وفقا للمستجدات والمتغيرات التي تواكب حركة التطور الإنساني.
وقال: وفي الأساس أيضاً لا تكون الوحدة إلا مع الآخر. والآخر لا يكون إلا مختلفاً. وإلا فانه لا يكون آخر، هذا يعني أن المحافظة على الوحدة تتطلب المحافظة على الآخر. وإن استمرارها هو استمرار له؛ وهو يعني بدوره أن الوحدة يجب أن لا تؤدي بل يجب أن لا تعني أساساً محاولة إلغاء الآخر أو تذويبه ، وألا تصبح وحدة مع الذات. فما من وحدة قامت واستمرت وازدهرت إلا وفيها تماه للآخر وتماه معه، وما من وحدة تهاوت وتفتّتت إلا نتيجة امتهان حق الآخر المكوّن لها في ان يكون نفسه؛ أي أن يكون، وهنا يتحدث فرويد عن نرجسية الاختلاف. ويقول إنه مهما كان الاختلاف محدوداً فإنه يحتل موقع القلب في هوية كل منا .
وفي خاتمة بحثه قال: هناك مقاربتان للتعامل مع الحالة المرضية التي تعاني منها العلاقات بين الناس من أهل الأديان المختلفة أو الثقافات المتعددة، والتي تعرقل وتعطّل الحوار الإنساني الذي يقود إلى المعرفة السليمة .. من ثم إلى التعارف السليم.
فالمقاربة الأولى “سلبية” وتتمثل هذه المقاربة في نظرية المستشرق اليهودي الأميركي المعروف برنار لويس (وهو استاذ التاريخ في جامعة برنستون ومؤلِّف 20 كتاباً معظمها عن الإسلام والشرق الأوسط). تدّعي هذه النظرية أن كراهية المسلمين للغرب تقوم على أساس أن العالم العربي – الإسلامي هو عالم فاشل ومهزوم، وأن العالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة، هو عالم ناجح ومنتصر، وأن على العالم الغربي بدل الانشغال بالبحث عن جواب على السؤال لماذا يكرهوننا، البحث عن جواب على السؤال الأهم وهو: لماذا لا يخافوننا ولا يحترموننا؟، وفي فلسفته لهذا الأمر رأى لويس أن غياب عامل الخوف من الغرب هو الذي أدّى إلى تحوّل الكراهية إلى الإرهاب. ورأى بالتالي ان القضاء على الإرهاب يتطلّب تخويف العالم العربي – الإسلامي وإرهابه.
أما المقاربة الثانية فـ “إيجابية”، وهي تتمثل في الدعوة إلى الحوار بين الحضارات والأديان والثقافات بحثاً عن جوامع مشتركة تحقق التفاهم المشترك والاحترام المتبادل والتعايش بسلام بين كافة أمم وشعوب الأرض، ولقد جُربت المقاربة الأولى وأسفرت عن تعميق هوة جهل الآخر بدل ردمها أو بناء جسر حواري يجمع بين ضفتيها، الأمر الذي زاد في تشويه الصور المتبادلة، وغذّى من مشاعر العداء والكراهية. ولا تزال العلاقات بين العالمين الإسلامي والغربي تعاني من هذه الآثار السلبية السيئة حتى اليوم، وهذه المقاربة أشبه ما تكون بالكلمة الخبيثة التي يجب أن تجتث من فوق الأرض، ومن هنا أهمية وضرورة التجاوب مع المقاربة الثانية والانفتاح عليها وإفساح المجال أمامها حتى تعطي أكلها باعتبار أنها في دعوتها للتعارف والاحترام على قاعدة قبول الاختلافات، تبدو مثل كلمة طيبة. والكلمة الطيبة كما وصفها القرآن الكريم أصلها ثابت وفرعها في السماء.

إلى الأعلى