الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أستميحك عذرا .. سيد “كارلايل”

أستميحك عذرا .. سيد “كارلايل”

أ.د. محمد الدعمي

للمرء أن يرتجع إلى هذا العقل الجبار، كارلايل، في سياق مسحه الشامل لأوضاع عالمنا العربي كي يتيقن من تطابق نماذج ووصفات كارلايل على حالنا من بغداد إلى مراكش: مشاكل مجتمعاتنا تتضاعف تترى؛ فما أن تعالج مشكلة على أمل حلها الآن وإلى الأبد، تظهر لديك مشكلتان من جذر المشكلة الأصل.

ساق كارلايل، الفيلسوف البريطاني الكبير، عددًا من الأساطير والخرافات في محاولته توظيفها نقديًّا لمعالجة أمراض بريطانيا الثورة الصناعية. وللمرء أن يستذكر هذه التوظيفات الأدبية المشحونة بالمعنى من أجل تحقيق غرضين، هما: (1) وظيفة الأسطورة والخرافة الشعبية في الثقافة الإصلاحية؛ و(2) إمكانية توظيفها لمعالجة أمراض مجتمعاتنا اليوم، تأسيسًا على وجود ما لا حصر له من التوازيات بين مجتمع كارلايل Thomas Carlyle (1795-1881)، أي مجتمع الثورة الصناعية، وبين مجتمعاتنا (مجتمعات الثورة الرقمية).
وإذا كان لغز السفينكس Sphinx Riddle قد قتل العشرات ممن جربوا حظهم مع هذا الكائن الأسطوري بسبب إخفاقهم في حله؛ فإن لغز عالمنا العربي يبدو أكثر استعصاءً على الحل من ذاك الذي استعاره كارلايل. أما آفة الـ”هايدرا” Hydra فهي كائن أشبه ما يكون بالتنين ذي الرأسين يأكل البشر: إذا ما تمكن أحد الأبطال من قطع أحد رأسيه، ينمو رأسان آخران بدلًا عن الرأس المقطوع. وهذه أسطورة تنطبق بكل دقة على مشاكل العالم العربي اليوم. إذا أردت أن تعالج مشكلة الفوائض السكانية، تظهر لك مشاكل مضاعفة في حقول أخرى كالتعليم والخدمات الصحية، من بين سواها.
أما مراهنة بعض أولي الأمر القاضية بأن المشاكل والمعضلات المجتمعية ترتهن بحركة الزمن، فقد انتخب كارلايل “اضحوكة” طريفة للرد عليها، أطلق عليها عنوان “حبة موريسون”، وهي ما تندر به المفكر على من كان يعتقد بأن هناك “حبة سحرية” كفيلة بحل مشاكل عصر الثورة الصناعية على نحو تلقائي. هذه حبة دواء يقدمها الطبيب للمريض كي يتخلص من الهزات الأرضية! فهل يمكن للمرء القضاء على الهزات الأرضية في العالم بمجرد ابتلاع حبة يبتاعها من الصيدلية القريبة من منزله؟
للمرء أن يرتجع إلى هذا العقل الجبار، كارلايل، في سياق مسحه الشامل لأوضاع عالمنا العربي كي يتيقن من تطابق نماذج ووصفات كارلايل على حالنا من بغداد إلى مراكش: مشاكل مجتمعاتنا تتضاعف تترى؛ فما أن تعالج مشكلة على أمل حلها الآن وإلى الأبد، تظهر لديك مشكلتان من جذر المشكلة الأصل. وهكذا تنطبق حكاية الكائن الأسطوري، “الهايدرا”، على عالم عربي لم يتمكن من إيجاد حلول لمشاكله، حتى وجدت بعض مجتمعاته نفسها غارقة في محيطات متلاطمة من المعضلات.
هذا ما يعيدنا إلى محاولة حل “لغز سفينكس” لأن هذا الكائن الأسطوري الشبيه بأبي الهول في مصر ليس لديه عمل سوى مباشرة من يصادفه بلغزه: فإن لم يتمكن من حله، أخذ رأسه، وهكذا إلى ما لا نهاية! وهي حال تنطبق بكل دقة على بعض الحكومات في عالمنا الثالث، لأنها تحاول حل مشكلة (لغز) الفقر، كي تجد نفسها قد فشلت، فتموت كي تأتي حكومة تحاول حل لغز الفقر بديلًا عنها، كي تفشل ثانية، وهكذا إلى ما لا نهاية.
لا ينبغي أن تفوتنا ظاهرة أخرى تنتشر وتنتشي هذه الأيام في البلدان الغنية التي تعتقد حكوماتها بأن مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية ستحل نفسها بنفسها تلقائيًّا دون الحاجة لبذل أي جهد، باعتبار أن هذه المجتمعات سوف تنجو من الهزات الأرضية والبراكين و”التسوناميات” بمجرد ابتلاع حبة دواء سحرية تكفيها شرور الكوارث الطبيعية.
أقرأ كارلايل مجددًا اليوم بعد أن بحثته، على نحو أكاديمي وأنا أدرس للماجستير عام 1980، أقول أقرأه ثانية كي أقتبس نمت ضوء الماضي الخافت قدحة لإضاءة الحاضر واستشراف المستقبل، مع إشارة خاصة لعالمينا العربي والإسلامي الغارقين في بحار المشاكل إلى الهامة.

إلى الأعلى