الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يضيقون علينا الأرض والحياة؟!

يضيقون علينا الأرض والحياة؟!

علي عقلة عرسان

أخال أن الأرض تسخر من أبناء الحياة في حضنها، وهم يتزاحمون هنا وهناك في أرجائها، يملكون ويملكون ويتقاتلون ويتقاتلون، فيخلقون لأنفسهم ولغيرهم أزمات ومشكلات، ويخوضون صراعات ترديهم وتشقيهم وتشقي بهم.. مما ليس له مردود إيجابي، بأية حال من الأحوال..؟! الأرض ليست جامدة أو الجماد، وليست عبئًا على العباد.. فهي المحيا والمأوى في الحياة، والمدفن في الممات.

أعزاؤنا يموتون، تحت الردم أو تحت التعذيب، في المعارك أو برصاص القناصين، بالتفجيرات العمياء، أو بالقنابل والصواريخ التي تهطل عليهم من السماء.. المدنيون قبل العسكريين، ومن هم في سن الطفولة قبل من هم في سن الفتوة والكهولة، النساء والرجال.. بالإرهاب يموتون، وبالطغيان يموتون، وفي مجاهل الأرض وفي البحار والصحارى والقفار يموتون، وتحت الخيام المنتشرة في آفاق وآفاق يموتون.. الكل بين شدقي الموت، وتحت سطوة الرعب، وبين أنياب الفقر، أو في الشتات.. شتات السوريين المزري في هذا العصر اللعين، والكل في الغربة، غربة الذات عن الذات، وغربة العقل عن العقل، وغربة عن الضمير، والوطن، والأمن، والعيش الكريم. وفي خضم المأساة الزاخر هذا، لا يبدو أن أحدًا يهتم لموت شعب أول موت وطن.. لا ممن يَقتلون ويُقتلون ويدمرون الوطن، ويفرّخون كتائب تتقاتل على جثة الوطن.. ولا ممن ينهبون، ويتاجرون، ويفسدون، ويتآمرون، ويسمسرون باسم الشعب والوطن.. لقد ماتت الخضرة وأورق الدم، لأن كل من يغرق في الدم يورق في رأسه الدم.. والجبهات الساخنة تكثر وتنتشر، ففي محيط دمشف وحدها تشتعل جبهات في مخيم اليرموك، وجوبر، والتضامن، وبرزة، والقابون و.. و.. والكل يريد رأس الكل. لا يوجد حرمة لشيء، ولا حماية لأحد.. اللهم إلا لمن لا يهتم بما يجري للشعب والبلد، ولمن يرفع نفسه فوق الشعب والبلد، ويوظف كل ما تصل إليه يده ليرتفع فوق القانون والخطر والإنسان والإنسانية.. فذاك شأنه مختلف عن شأن الناس.. فهو كما يشاء، وكما يشاء له من يدعمونه في العلن والخفاء، فهو: أمير حرب، أو تاجر حرب، أو جلاد شعب، أو في مقام رب، أو ما شئت أن تضفي عليه من صفات، مما لا يمت إلى القيم النبيلة، والأخلاق، والدين، بصلة من الصلات.
في حوران كما في حلب، وفي إدلب كما في الرقة، وفي دير الزور كما في الحسكة، وفي بعض ريف دمشق كما في بعض ريف اللاذقية.. ولا يخلو وسط البلاد مما تعاني منه البلاد.. حيث يستمر النزف والاقتتال، وتتجدد الأحقاد، وتتحجر الأكباد.. وينغلق الأفق أو يكاد..؟! آآخ يا بلدي.. يا وجع التاريخ، يا جراح الأمة، يا شعبي الذبيح.. كم هويت وكم اكتويت، وكم أمامك من مهاوٍ ومكاوٍ ليستقيم لك درب، وكم وكم في الدروب من ألغام؟!
وقفت عند حوران، عند قبور في تراب حوران، شدني إليها حزنٌ، وفَقدٌ يتجدد، وحنين دفين.. مجبول بدمي تراب حوران، ودمي مجبول بذلك التراب الذي يحتضن اليوم “قتلى وشهداء، إخوة أعداء، سوريين وغير سوريين، عربًا ومسلمين”، مثله في ذلك مثل كل بقعة من أرض سوريا التي ارتوت وترتوي بالدم، واكتوت وتكتوي بالنار.. في حرب مجنونة مدمرة، تستمر وتستمر بلا رحمة، وتتوالد في كل شبر من الأرض. كل من هو مشترك في تلك الكارثة صاحب حضور، وخبر، وفعل وأثر، وجرم لا يُغتفر، وكل من أولئك شَرَّشَ في الأرض وارتوى من الدم، وربما أصبحت له ذكريات حلوة أو مرة، في تلك الديار التي كانت بلاد الأمن والخير، بلاد الشام، سوريا الطبيعية.. وأصبحت اليوم فُتات سوريا السياسية التي هي بعض فتات الشام، تلك التي أنتجها وفرضها اتفاق سايكس ـ بيكو، وورثها الوارثون الحريصون على تركة الاستعمار أكثر من حرصهم على بناء دار للعروبة والإسلام هي مستقر وممر إلى العزة والمنعة والكرامة.
أولئك الذين نشير إلى وجودهم اليوم في سوريا، يصولون فيها ويجولون، هم: أحياء وأموات يدفعون الأحياء، ينتشرون في ساحات وغى تأكلهم وتأكلنا وتأكل الوطن، هم أصحاب تأثير في الأحداث الدامية، والمصير الغائم.. إنهم يساهمون في صنع المأساة مع من لا هم لهم سوى تدمير الآخر لتحقيق أهداف ومصالح وهيمنة ومرابح وساحات نفوذ.. سواء أكان الآخر: دولة، أم شعبًا، أم دينًا، أم مذهًا، أم عرقًا، أم هوية ثقافية ـ حضارية، أم حزبًا، تنظيمًا، شخصًا.. إلخ، وما يهم الطرف/ الواحد من أولئك هو: ذاته ومصالحه وأهدافه التي يرفعها فوق كل ما عداها، بصرف النظر النتائج، وعما يتسبب به إصرارُه على تحقيقها من ويلات وكوارث تلحق بالخاص والعام، بالوطن والشعب، بالقيم والإنسان. ولا يعنيه أن ذلك يفضي إلى الفوضى والدمار والقتل، وإلى ما لا يمكن حصره من مآسٍ للأفراد والأسر والمجتمع بأسره.. ولا النتيجة التي هي البؤس بعينه، ولا المسالك المفضية إلى المهالك، ولا دروب الموت التي يعبِّدها. لكن يعنينا أن نعرف وأن نؤكد لمن لا يعرف: أن كل من يسهم في صنع تلك الأحداث، ومن يسلك تلك المسالك بوعي، ويغري سواه بسلوكها، هو شريك في صنعها، ومسؤول عما يجري فيها، ويتحمل بعض نتائجها.. وأن من يسلكها إمَّعة أو مرتزق أو مجانف للصواب، يجعل من نفسه ووطنه وشعبه درجةً في سلم يرقاه غيره، وحطبَ نار تحرقه وتحرق غيره. تراب سوريا الحبيبة في دمي، وعليه اليوم أشخاص ليسوا من ترابها، ولا هم من تاريخها ولا من ماضيها في شيء، وبينهم بشر يحملون ما شئت أن تصف وتصنف من شراسة البشر وتعاستهم وقصورهم وشرورهم وعجزهم وتنطعهم لكبار الأمور بصَغار النفوس وصغر العقول.. والنتيجة لكل ذلك: بشر يقتلون، ويدمرون، ويبيدون روح الشعب والوطن، ويأكلون وجه الإنسانية، ويشوهون القيم والبلد والإيمان، وينهشون لحم الإنسان، ويفعلون كل نقيصة، ويرتكبون كل جريمة، ويدعون أنهم إنما يفعلون ذلك باسم تحرير الإنسان، والدفاع عن القيم والأوطان؟!
مشدود أنا بكليَّتي إلى كل بقعة من أرض سوريا، إلى حلب، وكسب، واللاذقية، وطرطوس، وحمص، وحماة.. إلى إدلب، والرقة، والدير، والحسكة، وإلى روحي دمشق.. ومشدود بشكل خاص إلى سهل حوران وجبلها، إلى الدار وأهلها، داري وأهلي الذين هم اليوم في أرضهم بين قاتل ومقتول وخائف من القتل، ومشرد يأبى التعبيد، وملاحق في المواقع وبأشكال من الفواجع، يجوب بقاع الأرض بحثًا عن أمن من جوع وخوف، فلا يجد إلا الجوع والخوف.. ويبحث عن قبر لميته في تربة قريته فلا يجد إلى ذلك سبيلا؟!.. ومن نكد الدنيا أن تَدُعّ ذاك المشرّدَ أقربُ بقاع الأرض إليه وأن يظلمه أهلها، أهله، بما لا يُتصَوَّر أو يُطاق من قسوة وجحود وظلم.. وقد كان على المدى دارًا مشرعة الأبواب لهم، وحضنًا دافئًا آمنًا رحيمًا، للمشردين والمظلومين، ولمن يعانون القحط والقهر والملاحقة.
الناس في حوران وفي مواقع شتات أبنائها، بين ذاهل عن نفسه ومذهول مما يجرّه عليه قومه، وما يجره هو على نفسه وعلى قومه في يومُه، بعد أن ذاق ما ذاق في أمسه.. وهم غارقون في المحنة ـ الفتنة أو مُغرَقون فيها، يحفر من يقدر منهم بأظفاره رمسَه، ويجف في العراء أو يتعفَّن في الرطوبة، من لا يستطيع فعل ذلك، أو من لا يجد إلى تشييعٍ ودفنٍ في أرضه سبيلًا، شأنهم شأن كثيرين من أبناء سوريا الوطن المبتلى بالمحن.. هذا عدا عمن تبتلعهم مياه البحار ورمال الصحارى، في رحلة الشقاء التي يضطرون إليها بحثًا عن حياة. ويروح بعض أبناء حوران، شأنهم شأن معظم السوريين، بين منتخٍ وناخٍ، إلى جبهات قتال ليست هي الجبهات، ومعارك ليست هي المعارك، يواجههم من قومهم من يشمله ضلالهم.. فيدفن الواحد منهم نفسه أو يدفن غيره أو يدفنه غيره، ممن ضل الطريق إلى العدو مثله، أو اختار أن يكون لابن وطنه ومواطنه عدوًا، وعلى وطنه وأمته عبًا.. ويغيّبون في ظلمات بعد ظلمات، من ظلم سياسي واجتماعي واقتصادي وقصور رؤى وأفهام توردهم مناقع الصبر، إلى انحراف عن مفهوم الوطنية والمواطَنة وأهدافها، وعن مفهوم الانتماء والهوية، وتعاليم عقيدتهم الإسلامية، أسس ويؤسس لها من لم يراعوا شيئًا من حق الله والناس، فأجبروا الناس على الخروج إلى المكاره، يدفعهم إلى ذلك قهر يطول، وظلم لا يَشق سُجفَه برقُ عدل، وتسلط يختار خيار القوة لقمع من يصبر، ويصبر، ويصبر، حتى إذا نبذه الصبر ذاته إذ يصبر، استنفر يرد القوة بالقوة، وهو يدرك أنه مغلوبٌ حتى إنْ غلب، فلا غالب في الوطن على مغلوب في الوطن، إذ الخاسر هو الوطن؟! .. ولكن ليس إلى الحياة والكرامة من سبيل آخر، مع طريق المكاره تفضي إلى موارد المهالك. موتنا في كل بقعة من الوطن هو موت الوطن، ويا بؤس من لا يجد إلى الحياة سبيلًا إلا بإلحاق الضعف بنفسه وبالوطن؟! إن كل ذلك المأساوي الكاشف لمدى بؤس التفكير والتدبير، سوف يُسجله التاريخ صفحات قاتمات في سجل الوطن سوريا السياسية، التي جاءت ثمرة سايكس ـ بيكو، ومؤامرات الصهاينة والغرب الاستعماري على العرب، وثمرة تآمر بعض العرب على أمتهم.. على حساب سوريا الطبيعية، بلاد الشام، وعلى حساب الوعي والتفكير والتدبير السليمين؟!
أرض القمح والزيتون والعنب والليمون واللبن والخير والبركات، لم تعد تعيش المعاناة القاسية، المستمرة منذ ما قبل الرومان إلى عهد الطغيان والطوفان الدمويين، اللذين يغمران أرض سورية كلها اليوم بالدم والبؤس، والرعب واليأس.. بل أصبحت أرض الاستلاب المنظم لأرواح شبابها، وكرامة أهلها، ومقومات وطنها، وأسباب قوتها ومنعتها.. وأصبحت أرض الجوع والعذاب، وأرض الذئاب التي تنهشها ذئآب، في زمن يأكل فيه الأخ لحم أخيه، ويتوه كل منهما عن عدوه الألد، ويتساقيان الموت خدمة للمحتل الصهيوني ومشروعه العنصري، ولحلفائه الاستعماريين في نهاية المطاف، ذاك الذي يستفيد من قتل كل سوري لأخيه، وكل عربي ومسلم لشريكه في العروبة والإسلام، ويحرض على استمرار مذابح تدخل في باب الفتنة المذهبية، التي هي لصالحه بكل المعاني والنتائج والمقاييس. وفي تلك المعارك/المذابح، يفرح الأخ بقتل أخيه “ينتصر”؟!، ويجعل على رأس أهدافه نصرًا هو الهزيمة؟! وتنبعث في الأنفس المستشرسة صفاتٌ من صفات الذئب من الوحوش، تلك التي ذكرها لنا، أو ذكّرنا بها، الفرزق الشاعر حيث قال:
وكنتَ كذئب السوء لما رأى دمًا بصاحبه يومًا أحَالَ على الدمِ؟!
أرض القمح والبركة، أرض الشام، الأرض التي احتضنت إخوتها في المحن والجائحات والحروب، وأشبعت الجائعين النازحين إليها يوم كانت فواجع ونكبات وكان قحط وجوع، أصبحت اليوم أرض الحرب والرعب والجوع، يقتلها بعض من آوتهم وحمتهم ورعتهم وأشبعتهم؟! حوران كغيرها من أرض الشام تُنتهك بكل أشكال العنف والإرهاب والعدوان والظلم والقهر والقتل، وتطغى فيها شراسة البشر على كل ما في البشر من قدرات خيرة وطاقات عظيمة كفيلة بتحوِّلهم من شراسة الوحش إلى وداعة الإنسان، إذا ما حكموا العقل والحب والعطف والإيمان، وأحسنوا الاستثمار في ثمرات اللسان.
ويستمر في معظم الأرض السورية حصاد الموت، ويطول موسمُه ليشمل كل الفصول، منذ سنوات أربع مُرّة، مرّت أمرّ من العلقم، وقد أصاب البلاد ما أصابها في هذا السياق المأساوي العام، إذ دُمِّر فيها معظم ما بناه أهلُها بعَرق جبينهم، عبر أجيال، وبحصاد شقائهم في واقعهم ومغترباتهم الطويلة، وشقائهم المزمن في الحرث والزرع وجني المحاصيل التي يلتهما غيرهم بجشع وقسوة وانعدام رؤية وضمير، منذ ما قبل “سفر برلك” في العهد العثماني إلى زمن “الميرة الفرنسي”، فزمن المرابين وتجار الحبوب، ثم زمن الحكومات الجائرة التي استغلت وهمَّشت وظلمت وما أنصفت، إلى زمن الفساد والإفساد وإذلال العباد.. في ظل تسلط يرميهم بمن ينهبهم ويقهرهم.. وفق فعل مبرمج ممنهج، يبقى من يقوم به، رغم الفساد والقهر والسلب والنهب والبطش، يبقى محميًّا بكونه مسؤولًا أو نافذ الرأي والفعل، أو “ابن حكومة”؟!، مصونًا محصَّنًا بالقوة وغفلة القانون، وبمن يأمر بأن يدخل دار الحكم ويخرج منها محمولًا على الأكتاف، ويجبي محصولًا هو تعب أهلها ونزفهم الرَّعَّاف، ويغيب أو يرتفع فوق غيوم المغيب، و”لا من رأى ولا من سمع”، ولا من حاسب ولا من عاقب؟!.. ويبقى سكان صحراء القهر المترامية الأطراف كما هم، لا يُسمَع لهم صوت ولا يُحسَب لهم حساب، كأنما لا يمر الدهر في تلك البقاع على أحياء، منتمين إلى أمة ووطن وثقافة ودين..؟! ولم يكن ذلك الوضع بلا استثناءات، شأن كل قاعدة فلكل قاعدة استثناء، فقد كان يستثنى في كل بقعة من أبنائها من كان منهم للفاسدين والمفسدين والظالمين عونًا وعينًا وعميلًا ودليلًا ويدًا.. فذاك النوع من الأشخاص: صوته يعلو، وتقرير وشايته ينمو ويكبر ويتسع، ويُستمَع لما فيه إذ يُرفَع، ويبتع تأثيره في الناس بتعًا، حيث يخفض ويرفع، ويجعل من يتناولهم بالسالب من الأقوال والأفعال، عبرة لمن يعتبر.
أرض الله لكل خلق الله، بكل ما فيها من تكوين ومادة وأشكال حياة، وبما يحيط بها من فضاء، ويأتيها عبره هواء وضياء وماء.. هي أرض الله ثم أرض الخلق كلهم، وليست أرض البشر وحدهم الذين يضيق بعضهم ببعض فيضيِّقون الأرض على الخلق.. ولا هي أرض دولة أو تحالف دول، يرتع فيها الراتع منهم متى يشاء بما شاء وكيفما شاء، مهما كان ذلك التحالف الذي ينتمي إليه، ومهما كانت الدولة التي تقوده، ومهما كانت الرموز والشخصيات والأدوات التي يستظل بها. وأرض الله تتسع لكل البشر، وتمنحهم ما ييسر لهم سبل العيش، ومقوماته، وفرصه، ومتعه الخيِّرة، في جوٍّ من الأمن والحرية، اللذين يتوق إليهما كل سليم خَلْق وتكوين، وقويم خُلق ونفس من الناس.. إذ الأمن والحرية هما من أبسط حقوق الناس، في أرض تُنبِت لهم ما يحييهم من نبات، وتُمِدّهم بأنواع لا تحصى من الثمرات والخيرات، وبما ييسر لهم العيش الكريم فيها. إنهم يدرجون عليها من دون أن تضيق بهم، ومن دون أن تدُعُّهم عنها، أو تصرخ بهم محتجَّة، حين يتقافزون جنونًا فيها ويدمر بعضهم بعضًا تدميرًا، ويتطاولون عليها بهامات الأقزام، متوهمين أنهم بشموخ جبالها وبرسوخ تلك الجبال..؟! فإلى أين يمضى المظلومون والمقهورون، ولا وطن للإنسان منهم إلا ما كان له من مسقط رأس في وطن؟!
أخال أن الأرض تسخر من أبناء الحياة في حضنها، وهم يتزاحمون هنا وهناك في أرجائها، يملكون ويملكون ويتقاتلون ويتقاتلون، فيخلقون لأنفسهم ولغيرهم أزمات ومشكلات، ويخوضون صراعات ترديهم وتشقيهم وتشقي بهم.. مما ليس له مردود إيجابي، بأية حال من الأحوال..؟! الأرض ليست جامدة أو الجماد، وليست عبئًا على العباد.. فهي المحيا والمأوى في الحياة، والمدفن في الممات، ومكان البعث والمحشر بعد الممات، وهي الحيوان بمعناه الشامل، حيث تنبُت فيها المخلوقات وتدب على سطحها، وتنخر جوفها، فتمنحها ما يحييها وأكثر، وتنتج لها من الثمرات ما لا يحصى، ومن النعم ما لا يُعد، وتسقيهم عذب الماء، وتذيقهم مرَّه متى أرادوا.. أرض الله واسعة، وقد أمر الله سبحانه وتعالى خلقه بأن يسيحوا فيها، ليروا قدرته ويعلموا من علمه ما يشاء، ويحصّلوا رزقهم، ويحتموا بمكان ما منها حين يتهددهم خطر ما.. الأرض لكل البشر، لكن ما يفسد هذه الحقيقة المرافقة للكينونة، جِبِلَّة بعض الخلق، ممن فيهم طمعٌ وجشع وضيقُ رؤى لا يحصى ولا يحد، وقصور عقيم مقيم، وأولئك، سواء أكثر عديدهم أم قل، يضيِّقون الأرض على غيرهم، ومن ثم على أنفسهم، حيث يحاصَرون بالأطماع والمخاطر والشرور فيحاصرون غيرهم بها، أو يؤخذون بكيد أنفسهم وبما يفعلون، فتضيق بهم الأرض على ما رحبت، ويضيقونها على الناس.
ويا سبحان الله، إن النفس الممتلئة خطيئة تتخبط في خطيئتها، وتتردى كلما حاولت أن تتخطى واقعها.. وهناك من الأنفس من تسد عليها خطاياها وآثامها كل منافذ العقل والمنطق، فتراها تبالغ في الكذب والكيد والافتراء، لتستر داءها وتتعالى على من يعرف خفاياها وخباياها، فلا تزيد في فعلها ذاك إلا إضرارًا بالذين تستهدفهم بغيها وفجورها، وتزداد هي توغلًا في موحش غاباتها، ومتوحش أفعالها.. فتحيل الحياة غابة.

إلى الأعلى