الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حكومة مُتنقِّلة!

حكومة مُتنقِّلة!

د. فايز رشيد

لقد قلنا دائمًا إن الانقسام في الساحة الفلسطينية هو حالة موضوعية ناجمة عن منتج أوسلوي، ونتيجة منطقية لمسار تفريطي وخيارات تصفوية… منتج وخيارات ونتيجة، لم توجد انقسامًا بين رام الله المحتلة وغزة المحاصرة فحسب، وإنما بين رام الله والقدس المستباحة والمنكَّل بها تهويدًا وبطشًا على مرمى حجرمنها، وفصل بين هاتين، المحتلة والمحاصرة.

يقال إن عجائب الدنيا سبع، ويعددونها عادةً وفقما هو المتعارف عليه. بيد أن عجائب الأوسلويين الفلسطينيين ومن يرعاهم من العرب تظل من ذاك النوع الذي يكاد يصعب تعداده ولا يسهل حصره، إذ هي المتواترة تواترا مستمرا لا معقولية التغريبة التسووية الكارثية المستمرة خيارًا ونهجًا، والتي في ظل استمرارية اندلاق أصحابها التفريطي المزمن يستحيل عدم توقع المزيد من غرائب مستجدها. لعل آخرها هو قرار حكومة توافق اللاتوافق لسلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال الارتحال متنقِّلةً بإذن من الاحتلال بين كلٍّ من رام الله وغزة لتداوم مجتمعةً في كلٍّ منهما أسبوعًا تنتقل بعده إلى الأخرى تباعًا وهكذا… الهدف من تجشُّم عناء هذا الترحُّل الأسبوعي وفقما تقوله هذه الحكومة هو “رأب الصدع الوطني” و”إنهاء الانقسام”، بل والشروع في حل كافة متراكم المشاكل المتأتية عنهما جملة وتفصيلا… وزيادةً، فإن مكرمة هذا التنقُّل الحكومي التصالحي المفاجئ قد تزامن مع لفتة تصالحية أخرى موازية، وهي حملة اعتقالات واسعة في نابلس شملت قيادات وصحافيين ممن يراد إنهاء الانقسام معهم في غزة!
…الجديد الوحيد في كل ما تنتويه حكومة السلطة بلا سلطة وتوافق اللاتوافق وفي ظل الاحتلال، هو مداورة الارتحال الأسبوعي المتواتر أسبوعيًّا بين رام الله المحتلة وغزة المحاصرة عبر معابر الاحتلال على الجانبين وبإذن منه فحسب، ما عدا ذلك، مما ورد من هذا المعلن إزماعه، هو كلام في كلام يقال ولطالما سمعنا مثله، لكنما أوسلوية الواقع الفلسطيني ما زكته يومًا وليس من شأنها الآن تزكيته… إذن، ما الهدف من مثل هذه الصرعة الوحدوية الأوسلوية؟!
إذا ما استثنينا المناكفات بين رام الله وغزة، ومعتاد التكاذب التصالحي المزمن بين الطرفين الذي اعتادته ومجَّته الساحة الفلسطينية، فإنه ما من تفسير مضاف ممكن لهكذا خطوة تنقُّلية إلا بإلحاقها بسواها من الفهلوات التكتيكية التي تنتهجها عقلية أوسلوستان لاستدرار سبل العودة لطاولة المفاوضات وبعث رميم المرحومة “المسيرة التسووية” من تحت تراب نتنياهو الذي تهيله جرافاته التهويدية يوميًّا عليها. أي التلويح بالتصالح بلا مصالحة، مثله مثل التلويح بإيقاف التنسيق الأمني مع المحتل دون المس بمقدسه المعادل للبقاء الأوسلوي نفسه، والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية مع التلكؤ في اللجوء لعدالتها، والهروب المتعثر إلى محاولة تدويل “حل الدولتين” مع إدراكهم أن استشراء التهويد قد جعله مستحيلًا… وسائر ما يتيسَّر لهم مما يلوَّحون به كفزَّاعات لا تفزع نتنياهو ولا يقبضها الراعي الأميركي.
لكن دون أن نغفل للحظة أن الحمدلله ما كان له أن يقدم على ارتحالات حكومته الأسبوعية هذه بين رام الله المحتلة وغزة المحاصرة دون رضا المحتل، الذي لم يفرج عن أموال ضرائب سلطته إلا لمنع انهيارها وما يترتب عليه من خسارة للتنسيق الأمني معها، ولم يسمح له بالتنقُّل بين المحتل والمحاصر إلا لخشية من أن الوضع في غزة ما عاد بالإمكان احتماله.
ولأن الوضع لم يعد محتملًا لا في غزة ولا في الضفة أيضًا، فلا بد إذن من حركة أوسلوية وتسهيلات صهيونية، وحبذا لو توفَّر إلى جانبها حديث تسووي يوهم بحلول مرتجاة، أو كلما يسهم في تأجيل شبح انتفاضة يخشى منها في الضفة وانفجار متوقَّع، بل بات يلوح، في غزة. وعليه، جاءت رسائل أبو مازن عبر الإعلام الصهيوني: “أنا على استعداد للقاء نتنياهو واستئناف العملية (التفاوضية) مع إسرائيل”. وإذ لم يعد يطرح شروطًا لاستئناف هذه العملية، بل وفي شبه استجداء للتفاوض، ذكَّر نتنياهو بأن “مبادرة السلام العربية” “أفضل هدية لإسرائيل”، لافتًا نظره إلى أنها قد “وفَّرت حلًّا ذكيًّا لقضية اللاجئين، يقوم على المرجعية الدولية والضمير العالمي”… بمعنى شطبها، فهو أول من يعلم أن “المرجعية الدولية” هي من صادقت على اغتصاب فلسطين وأسهمت في افتعال الكيان الصهيوني، وأن “الضمير العالمي” كان غائبًا حيال نكبة لاجئيها طيلة 66 عامًا وليس لديه مشكلةً في أن يظل غائبًا!
إذن، لن تذهب حكومة أوسلوستان إلى غزة لفك حصارها، إذ لم يعد أحد يتذكَّر الآن “المفاوضات غير المباشرة” عبر “الوسيط” المصري لفكه. لأن الواقع الغزي المريع راهنًا هو تمامًا ما يريده الصهاينة لهذه القلعة المقاومة، لكنما مع تحسُّب ما لعواقبه احتواءً لا حلًّا، يرفدهم موضوعيًّا واقع عربي وأوسلوي بات المتواطئ في استمراره … استمرار يعني أن الحرب على غزة قد فشلت لكنما التآمر عليها قد نجح، وفي ظله يذهب الحمدالله اليوم ليمارس على طريقته رأب الصدع!
…لقد قلنا دائمًا إن الانقسام في الساحة الفلسطينية هو حالة موضوعية ناجمة عن منتج أوسلوي، ونتيجة منطقية لمسار تفريطي وخيارات تصفوية… منتج وخيارات ونتيجة، لم توجد انقسامًا بين رام الله المحتلة وغزة المحاصرة فحسب، وإنما بين رام الله والقدس المستباحة والمنكَّل بها تهويدًا وبطشًا على مرمى حجر منها، وفصل بين هاتين، المحتلة والمحاصرة، وباقي فلسطينيينا في المحتل في العام 1948، وبين كل من هاته وتلكؤ هؤلاء والشتات الفلسطيني… أي أنه، وفي ظل هكذا حالة، لا من مصالحة ولا من رأب لصدع، بل هذان موضوعيًّا أمران مستحيلان، إذا ما كنا نتحدث عمن يفترض أنهما نقيضان وأحدهما يستسلم والآخر يقاوم، اللهم إلا بالتحاق الأخير ببرنامج الأول…وما يعني أيضًا، أنه لا من إعادة إعمار لغزة، ولا فك لحصارها، ولا فتح لمعابرها، لا مع المحتل ولا مع الشقيق، ما دامت فيها مقاومة … أو إذا ما ظل الواقع العربي والفلسطيني على ما هو عليه…

إلى الأعلى