الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / كيف أصبح الطريقُ كتابًا؟ أو فلسطين في عيون العماني!

كيف أصبح الطريقُ كتابًا؟ أو فلسطين في عيون العماني!

“شعرت أني ولدت من جديد، وأن الحلم الذي عشت لأجله أصبح في يدي، وها أنا ذا في فلسطين” (ص9) اختلسَ غفلة من الدهر والزمن وسافر إلى فلسطين، يبدو غامضًا وواضحًا بعد قراءة الكتاب أنهُ كان ذاهبًا ليصير شيئًا من القبيل المنير نجمة مثلاً، أو أن لديه خطته السرية الخاصة، وكان على الكتاب الذي يكتبه أن يحقق ذلك النوع من الأمنيات. ألا يستعين الأسرى الفلسطينيون كي لا يسقطوا ولا يضعفوا في أعوام الأسر الطويلة في السجون بالكتابة؟ أليست الكتابة هي طريقة مقاومة وحلم؟ إذن فالكتاب سيحقق المعجزة!في الحقيقة يبدو بعد قراءة كتاب “الطريق 60″ أن خلفان الزيدي لم يذهب لزيارة فلسطين. كل الرحلة ورفاقه الصحفيون، والأدلاء الفلسطينيون، والمشاهد التي يكتبها، والصور التي التقطها بكاميرته، مجرد حلم جميل، رؤيا رآها في المنام، كل التفاصيل التي يكتبها جرت في الحلم، ومن ذلك الحلم ولدت التفاصيل، على الرصيف في الشارع 60، ولأنه حلم فإنه مليء أيضًا بالوحوش المخيفة والكاسرة، بنظرات الجنود الإسرائيليين، بوحش جدار الفصل العنصري، الانتظار الطويل على الحواجز، مرأى المستوطنات الاسرائيلية، مجندات ومجندون يدوسون بجزماتهم سجاد المساجد، المخيمات الفلسطينية لكن داخل فلسطين هذه المرة، فك حصار الجنود على الجامعة وأزيز الرصاص، زيارة المعالم المحتلة، لكن كل ذلك حلم. نوع من الحلمية المختلطة بالواقع. لهذا ولهذا بالضبط، بالكاد تستطيع أن تمنع دمعك والهزات العصبية المتوالية عند منعطفات بعينها في “الطريق 60″، عند دوارات محددة، ومع جسور معروفة، وأمكنة يرسمها خلفان الزيدي على الطريق 60. أول الأدلة على أن هذا مجرد حلم هو الطريق 60 الذي سيصبح من الآن فصاعدًا طريقه هو، الكاتب، وهو مختلف عن الطريق 60 الفعلي الذي يصفه في كتابه، وسيغيم الطريق الفعلي فلا تدري إن كان هو في (ص68): “على الطريق رقم 60 أحد طرق الضفة الغربية، الذي يربط بين مدينة بئر السبع حتى مدينة الناصرة جنوبًا”، أم هو الطريق الذي يصفه في (ص112): “يبدأ الطريق الالتفافي السريع رقم 60 من القدس لينتهي إلى الجنوب الغربي من رام الله عابراً أراضي قرى بير نبالا وجديرة ورافات ويربط راموت والمستعمرات المجاورة بالقدس”. يغيم الطريق 60 الفعلي، ويتحول، إلى طريق جديد يشقه الكاتب، وهو ثابت هذه المرة وغير غائم، ولا يمكن تكراره، والطريقة الوحيدة لسلوك هذا الطريق هي قراءة الكتاب. يرى فلسطين ويمشي فوق تراب فلسطين ويتحول: “وصلنا الأرض الفلسطينية .. وددتُ في تلك اللحظة لو ضممت ذراعي، وحضنت هواء فلسطين، وقبلت تراب فلسطين، وشممت عطر فلسطين، ووددت لو أصرخ باسمها عاليا.. أشق هدأة الليل، وأضيء مع نجمة في البعيد طرق فلسطين، وبياراتها، ودورها، وكل بقعة فيها” (ص35). والحلم لا زال يجري، هو حلم بلا حد فاصل بين الواقع والحلم: “لم أكن قد دخلت في الصورة بعد.. فقد كان ثمة خيط رفيع يفصل الحلم بالواقع، وكنت أنا أقف على ذلك الخيط، أحاول تبيان ملامح الصورة المتوالية أمامي .. وأنظر للرفاق والفرحة التي تعلو محياهم، وكلمات الفرح المحلقة بيننا..” (ص37). طريقٌ هو إذن، وهو كتاب، ولكنهُ حلم واضح تمامًا كصفحة كتاب.عند الكيلومتر 39 من الطريق 60 تقف لافتة كيف تُقهر هذه الأرض تشير الى مخرج يؤدي إلى بلاد، فيها يمكن أن تفهم ما الذي تتعلمه لو أنك زرت فلسطين، ما اللقية الثمينة التي تعثر عليها إذا زرت فلسطين، وكأنما المستحيل هو نفسه الأمل، وهو نفسه الممكن الواقعي. ولذلك تبقى فلسطين.**** يرن الهاتف في نزوى باتصالٍ قادمٍ من رام الله، يتصل في الحلم بأمه: لم أبكِ .. أنا الذي صرخت في مكالمة هاتفية: إنها رام الله يا أمي، إني أراها، وألمسها، وها أنا أسير في دروبها.. (ص41) مكالمة بين رام الله ونزوى. عماني في فلسطين، حدث غير عادي، لا يحدث إلا في الأحلام القوية، تلك التي يمحي الفاصل بينها وبين الواقع: كنت أتأمل الدروب وقد كشفت عن ملامحها، وبانت معالم المدينة، وأمكنني رؤية العابرين في الطرقات، والذاهبين إلى الاتجاهات الأربعة، ومع ذلك لم أبكِ .. أسواق ومحلات تجارية استعادت عافيتها، وطرق معبدة، ومركبات حديثة، وهنا أطفال يذهبون إلى مدارسهم، طفلة تمسك بيد رفيقتها .. (ص41). الحادثة التي ينبغي تأكيدها، هي نفي البكاء، في ليلته الأولى برام الله، وما عدا ذلك حلم، رأى رام الله ولم يبكِ، شاهدَ رام الله ولم يبكِ، لم يبكِ، ربما طفرت دموعه وسالت، لكنهُ لم يبكِ، كان شديد الفرح، وشديد الألم، فلم يبكِ. نظر للصباح في رام الله، وذاب. ولأنه حلم فيمكن فيه تجاوز الزمن ببساطة، مثل أن تصلي في الحرم الإبراهيمي في شهر أكتوبر من 2013 وفجأة تجد نفسك تصلي في نفس المكان لكن فجر يوم الجمعة 2 فبراير 1994م: “أجدني مع جموع المصلين، نقف صفوفًا متراصين كالبنيان، ذات فجر جمعة رمضان، أركع مع الراكعين، وأسجد معهم، ..الله أكبر، .. أشعر بالدماء التي تنفر من أجساد المصلين، وهم سجود لله، وأرى أرواحهم وهي تحلق إلى باريها، وتلوذ برحمته، يضج المكان بالبكاء، على الركع السجود، ويبكي المحراب، والمنبر، ومقامات الأنبياء، وتضج المغارة الشريفة بالدمع.. وصوت الرصاص يخترق الأجساد، ثم أسمع الإمام يكبر.. الله أكبر.. فأكبّر معه..” (ص83).الطريق 60 طريق عجائب، هذا مسافر يزور أرضًا محتلة، وحالم، وبدل أن يكون متدرعًا بما يقيه الرصاص، أو مسلحًا بما يدافع به عن نفسه، إذا به يسافر بحمولة من الأشعار والقصائد، هي حقيقة ولكنها من فرط واقعيتها شاعرية وحلمية، وهي واقعية ولكنها تتجاوز الميتافيزيقية. هذه فلسطين.الطريق 60 مكتوب على أرضية فلسطينية، تتحول الكلمات إلى حجارة، والصفحات إلى تراب فلسطيني، أما كيف يمكن ذلك، فهو بتلك الحالة المفارقة التي يذهب بها خلفان الزيدي إلى حد يسأل نفسه، في الطريق/الكتاب/ الحلم، ما الذي يقال في هكذا سفر؟! من فرط الاستثنائية والمفارقة: ما الذي يمكن البوح به في أتون الحصار والتشريد وانتهاكات الاحتلال بحق الإنسان والمكان.. كل يوم يمر علينا، نقترب أكثر من معاناة الفلسطيني على أرضه وفي وطنه، نسمع حكايات كثيرة.. ونرى بكائيات تتجسد صورتها في كل مكان…ما الذي يقال في هكذا سفر؟! الطريق الذي تآلفنا معه.. الجندي الإسرائيلي.. والمستعمرات.. واضطهاد المستعمرين.. والمدن الجميلة، وحكايات الصمود والإرادة التي ترافقنا كلما انتقلنا من مدينة إلى أخرى، هذا الشعب، عصي على الانكسار، يصعب هزيمته ووأد صموده .. (ص92). تلك هي الخلاصة التي يصل إليها، من كل التشعبات والتشابكات والدماء والمآسي والأحزان، والغربة، قصة شعب، مطرود من أرضه، تم تشريده، ومحاربته، وقتله، والتواطؤ ضده، والتنكيل به، وبرموزه، وحصاره، وتجويعه، وتدنيس كل مقدساته، ونهبه وسرقته، ومحاولة قهره، وبعد ذلك كله يخلص الكاتب إلى تلك الحقيقة الواضحة البسيطة التي لا يمكن أبدًا تدليسها ولو بالظلم: هذا الشعب عصيٌّ على الانكسار. هكذا تتحول المدن المحتلة إلى عروس (ص97): “نرسل بصرنا شرقاً حتى جبل عيبال وغرباً حتى جبل جرزيم نطل على أجمل منظر يمكن مشاهدته في فلسطين كلها، من دان إلى بير سبع كانت نابلس تختال كعروس..”. نابلس في وسط احتلالها تستطيع أن ترحب بضيوفها وتضيّفهم من حلويات نابلس، الكنافة النابلسية، زعتر نابلس، وجبن نابلس، تجعلهم يجربون الطعم النابلسي. والحقيقة هي أن كل مدينة تستعيد في اللحظة الراهنة السليبة تاريخها المقاوم فقط، حياتها، رغبتها في الحياة، دفاعها عن الحياة، صمودها، تاريخها الحربي وهي في ساحات المعارك، كل مدينة تستعيد تاريخها الحيوي ومقاومتها الحية دون غيره من التواريخ، المدن نفسها عناصر مقاومة، الأرض كلها جبهة، تحرير. هكذا يتجاوز الحالم ورفاقه، حصار جامعة القدس التي يخاف الاحتلال من اسمها، ولذلك يريد تدميرها، يعيش الحالم لحظة إطلاق الرصاص ورعدته؛ ويذهب للأقصى فيشعر بعد الحاجز العسكري، والحاجز بين الحلم والحقيقة بكينونته (ص118): “لم نشعر بكينونتنا إلا بعدما اجتزنا حواجز التفتيش، وصرنا في باحة الحرم القدسي الشريف، هناك حطت الأرواح وشعرنا بالانتصار، والحلم أصبح حقيقة”. يصلي بدشداشته العمانية ومصره في الصف الأول في المسجد الأقصى (ص121): “أنا الآن في الصف الأول من المصلين، داخل المسجد الأقصى، في يوم مبارك، أستمع لخطبة الجمعة، بلباسي العماني، أقف مؤدياً تحية المسجد، ونافلة الجمعة، لا أدري كيف أمكنني الوقوف لحظتها، وما الكلمات التي تمتمت بها، والآيات التي قرأتها في صلاتي، أشعر بدمعي ينهلّ، وقلبي يخفق بالفرح، ويضجّ صدري بالبكاء..”. الآن لا زالت قائمة، في زمان ما، لا زال هو هناك، النزواني بدشداشته العمانية ومصره، واقفًا يصلي في الصف الأول، وقد اختلطت مشاعره ببعضها البعض، قلبه مليء بالفرح، وفي صدره وعاء دموع. وحين يتأخر الحالم ورفاقه في جولتهم بالمدينة المقدسة على طلبة معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى (ص155): “ذهب الأطفال إلى بيوتهم وهم من كانوا ينتظروننا بآلاتهم الموسيقية وألحانهم الشجية، وأغانيهم البديعة.. خسرنا سماعهم..”، ورغم أنهم لم يلحقوا على أطفال الموسيقى، لكن لأنه حلم فيمكن معرفة ما سيكون لو أنهم لحقوا بهم، يمكن رؤية انتظارهم محملين بالآلات الموسيقية، يمكن سماع ألحانهم الشجية وتدريباتهم الغنائية، هو حلم، هو حلم لا يتوقف حتى عند المغادرة (ص156): “أنظر من بعيد لصورة القدس التي بدت تتلاشى شيئًا فشيئًا.. وجدتني أعود إليها من جديد.. وهذه المرة كما كنت أرتحل إليها قبل قدومي، حلمًا سرمديًا، يأخذني للصلاة في القدس”.ذاب الحالم في اللحظة الواقعية حتى غدت تلك اللحظة قمة حياتية واضحة (ص104): “أستعيد الحلم الذي قذفني إلى هذا المكان، وأغبط نفسي على هذه اللحظة التاريخية في حياتي، وحدها هذه الساعة التي تمنيت فيها أن أكون أنا، لا أحد سواي، أستشعر كل التفاصيل الجميلة حولي، لتكون ذاكرة أركن إليها كلما اهتزت بي الحياة، وشقتني الأيام..”.هكذا، وفي الحلم فقط، يتحول المشهد الحزين المؤلم المأساوي إلى حقل أمل، يتم تخزينه في الذاكرة من أجل تعلم الصمود والمقاومة وتربية النفس على الإيمان، بالعكس تمامًا من الصورة النمطية، فلسطين تبعث الأمل، لا اليأس. هكذا تربينا فلسطين، هكذا ربتنا فلسطين، هكذا تعلمنا فلسطين، هكذا علمتنا فلسطين.أم الأسير تلبس ثياب العرس، والحالم يمسك يد أم الأسير الذي لم يفرج عنه بعد، ويرقص، ويبكي: “أمسك بيدها، أؤدي رقصة متواضعة، لم أدر كيف أديتها في تلك الدقائق، إذ رأيتني أبكي من أعماقي لحكايتها”. (ص172). في الحلم فقط يمكن أن نتكلم عن المآسي والأحزان ونرقص ونبكي. في الحلم فقط تجلس الأم العجوز التي عاد ابنها الأسير بعد ثلاثين سنة في حجرها: “وتطعمه بيدها، وكأنه ما زال طفلاً رضيعا، تريد أن تعوضه عن سنوات السجن التي راحت من عمره”. (ص175). ولأنه حلم لا ينتهي الكتاب إلا بزيارة مرقد الشاعر محمود درويش، هناك يتبين المقصد الشعري، الدليل الشعري، الكلمات المبثوثة في حنايا الطريق 60، كلها، يتحول الطريق 60 إلى وصف طريق شعري، يأخذك إلى فلسطين، بتفاصيلها الراهنة، بحالتها الآن، بواقعها الساحر والساخر والمتجاوز والمفارق والأسير والمحتل والمستشهد والمقاوم، كل ذلك في لحظات حلمية على الطريق 60، لكن الطريق أصبح كتابًا والرحلة واقعية.

إبراهيم سعيد

إلى الأعلى