الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / شابي .. الروبوت الحنون في عالم مجنون
شابي .. الروبوت الحنون في عالم مجنون

شابي .. الروبوت الحنون في عالم مجنون

تعكس الفترة التي نعيشها في الوقت الحالي سيطرة وسائل التكنولوجيا علينا بشكل زائد على الحد ومخيف، حيث أصبحنا نتعامل مع الحاسبات الآلية والهواتف الذكية كالماء والهواء، بل ومنحناها تفويضا كاملا للولوج إلى أدق خصوصياتنا وأعمق أسرارنا بكل سرور، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل ما إذا كانت التكنولوجيا هي التي ستتولى زمام الأمور بكل مجريات حياتنا في المستقبل القريب أم لا؟.
قد يصبح الإنسان الآلي أو الروبوت الذي يشبه البشر في مظهره وسلوكه، مشهداً معتاداً في المستقبل القريب، ما يثير تساؤلات مهمة حول وضع تلك الآلات وحقوقها ودورها في المجتمع.
واكاد اجزم انه سوف يعيش الجيل القادم مع تلك الروبوتات، وتلك التوقعات بناء على ما نشاهده اليوم، فنحن نقترب كل يوم من “عصر الإنسان الآلي”، وهو واقع اجتماعي ستلعب فيه أنواع مختلفة من الروبوتات، دوراً مهماً في سلوكنا وتفاعلنا مع الآخرين ومع التقنيات المحيطة بنا، فنحن الآن نشاهد تقدماً سريعاً ومذهلاً في العديد من فروع علم الروبوتات وتطبيقاتها. كما ان التقدم الراهن في هيئة الروبوتات (صنع أطراف صناعية وأدوات تشبه الحواس) والسلوك (الحركة وتحديد الاتجاهات والتكيف) قد تجاوز بالفعل كثيراً مما كنا نظنه ممكناً قبل 10 أعوام فقط.
وللرجوع إلى اصل كلمة “روبوت” فهي قدمت لأول مرة في مسرحية لكارل تشابيك عام 1920 بعنوان “رجال آليون عالميون” ومعناها باللغة التشيكية هو العمل الشاق أو الجبري، إلا أن مبتكر الكلمة كان شخصا يدعى جوزيف تشابيك وهو بالمناسبة شقيق الكاتب كارل، تخيل تشابيك أن عالِمًا اخترع أناسًا آليين لمساعدة البشر للقيام بمهام بسيطة ومحددة، إلا أنه حينما بدأ يقحم هذه الآلات في عالم الحرب حيث تحولت ضده وضد البشر وأخذت بزمام العالم، ومنذ ذلك التاريخ بدأت هذه الكلمة تنتشر في الكتب وأفلام الخيال العلمي الأولى التي أعطت فكرة وتصورا علميا عن هؤلاء الرجال الآليين الذين سيغزون العالم.
اعتبارات أخلاقية وفلسفية يثيرها عصر الإنسان الآلي، أحدها السؤال الوجودي حول وضع الإنسان الآلي وطبيعة وجوده؟ وكيف نتعامل معه؟ وما هي الاعتبارات المعرفية حول تبعات حياة البشر داخل مجتمع مأهول بالإنسان الآلي؟
ثمة تساؤل آخر يتعلق بالوضع القانوني للإنسان الآلي الشبيه بالبشر، هل يمكنه امتلاك الأشياء؟ هل يُطبّق عليه القانون؟ أي هل يمكن اعتباره مسؤولاً عن أفعاله ويستحق العقوبة في بعض الحالات؟
يبدو أن هذا العصر بما يحويه من تساؤلات يؤرق الكثيرين بالفعل، حتى إنه شغل بال العديد من صناع السينما منذ اعوام، فهوليوود تذخر بالعشرات من تلك الشرائط التى عرضت هذا المستقبل غير البعيد، ومنها البعض الذي حذر من ثورة الآلة ضد صانعها الإنسان، سواء كان ذلك بشكل سلمي باستقلال الآلة بذاتها وتقرير مصيرها.
ولكن يظل المخرج الكندي ذو الاصول الجنوب افريقية نيل بلومكامب، الأكثر قلقا في هوليوود، حيث سبق وان قدم لنا ” District 9 ” و ” Elysium” اللذين يتحدثان عن هذا العصر، واليوم يطل علينا بثالث واحدث افلامه التي تدور حول ذاك المضمون.
شابي (Chappie) فيلم خيال علمي اميركي، يستند على سيناريو من كتابة تيري تاتشيل بالمساهمة مع المخرج بلومكامب الذي ترشح لأوسكار افضل فيلم في بداية مشواره مع فيلم ” District 9 ” ، حيث تحَوَّلَ بعدها إلى بطل في معالجة عِلل المجتمع، من خلال تقديم أعمال تثير أفكارَ المشاهد، حيث عالجَ في عمليه السابقين مشاكل المضطهدين من قبَل الأثرياء والنخبة الفاسدة، وحتى في فيلم اليوم عاد لمعالجة نفس المعضلات الاجتماعية. ولكن ليست تلك المشكلة، بل هي في تركيبة الفيلم الحالي الذي بدا كما لو أنه تم تجميعُه بواسطة قطع مستعملة من أفلامه السابقة. وهو ما اثار حفيظة النقاد الذين وصف معظمهم الفيلم بأنه سطحي ومناف للعقل بطريقة ليست جيدة، فيما تساءل اخرون عن اصرار المخرج الجنوب إفريقي على تقديم تلك النوعية من الأفلام.
ولعل الجواب يكمن في رؤيته المتشائمة والكارثية دوما عن المستقبل، حيث انه لديه قناعة تامة أن العالم يتجه للخراب بسبب سيطرة الكيانات والشركات الرأسمالية.
في أعماله نجد دوما رئيس شركة كبرى لا يُبالي بقتل آلاف البشر من أجل الأرباح أو المصالح. ولا يعادله في الفساد والشر، إلا رجل عصابات عنيف غريب المظهر. العالم عنده فئتان معزولتان، فئة فقيرة مطحونة تتصارع على الفتات وفئة ثرية قاسية تتغذى على استغلال وقهر الفئة الأولى.
ولأنه من جنوب إفريقيا بالأساس، جرت العادة على اختيار جوهانسبرج كموقع أحداث لأفلامه. وهى مدينة تتميز بالفعل بالتفاوت الطبقي.
يقول بلومكامب “أعتقد أن مشاكلنا النابعة من طباعنا غير قابلة للحل. نحن بحاجة إلى تغيير تركيبتنا الجينية، أو إلى ابتكار أجهزة حاسوب يمكنها إيجاد حل لها. لا أعتقد أن البشر قادرون على معالجة مشاكلهم” .
وبعيدا عن عقيدته المتشائمة وانزلاقه في فخ التكرار، فإنه يظل أحد أبرع أبناء جيله في استخدام الجرافيك والمؤثرات البصرية، وربما أكثرهم قدرةً على صناعة فيلم مبهر بشكل مُكثف بصريا بميزانية أقل من المعتاد. حيث انه يُثبت من جديد قدرته الاخراجية على المستوى البصري، مع الطابع شبه التسجيلي والكاميرا المحمولة، وهى تركيبة يجيد توظيفها باستمرار.
تسند بطولة الفيلم للممثل شارلتو كوبلي (المفضل لبلومكامب على ما يبدو)، حيث يؤدي دور الروبوت شابي (صوته )، مستخدما تقنية الـ Motion Capture، الممثلة سيغورني ويفر في دور المديرة التنفيذية للشركة المصنعة للروبوتات ” ميشيل برادلي” ، الممثل الهندي ديڤ باتل الذي عرفناه بطلاً لشريط “Slumdog Millionaire ” حيث يؤدي دور مخترع روبوتات الشرطة (ديون)، وزميله الحسود ( فينسنت )، الممثل القدير هيو جاكمان، الحاضر الغائب في الفيلم ، فيما يجسد دور زعيم العصابة الصغيرة (نينجا) ومساعدته (يولاندي) مغنيي فريق الراب الجنوب افريقي Die Antwoord المشاركين بشخصيتهما الحقيقية والغريبة.
اداءات جيدة جدا، وخصوصاً “شابي” الذي ينجح صوت شارلتو كوبلي وحركته المصورة بتقنية الـ Motion Capture في جعله ينبض بالانسانية والطرافة .

أحداث

كعادة تلك النوعية من الشرائط، تبدأ احداث الفيلم حول صراع بين قوات الشرطة والعناصر الاجرامية، مشاهد من تفجيرات وحوادث للقتل، حتى تصل تدريجيا إلى واقع صعوبة القضاء على تلك التنظيمات “الشوارعية”، ولكن دعنا لا نفقد الأمل، ففي المستقبل القريب ، تعلن جوهانسبرج أكبر مدن جنوب إفريقيا، عن ولادة فريق آلي من الشرطة ، مهمتهم حفظ الأمن في الشارع ، ليبدأ معهم عصر جديد خال من الإجرام والفساد.
ديون مخترع هؤلاء الرجال الآليين يقرر العمل على تطويرها، لأنه يعتقد انه يمكن أن يجعلها تفكر وتشعر، فيصل إلى اختراع ذكاءٍ اصطناعي لهم، ويعرضه على ميشيل، المديرة التنفيذية للشركة المختصة بالتصنيع، ولكنها تقابل طلبه بالرفض، ما يدفعه إلى تحميله بشكل غير قانوني في جهاز روبوت معطّل بعيدا عن اعينهم، ولكن قبل أن يشرع بذلك، تختطفه عصابة وروبوته وتهدده بالقتل اذا لم يعد تشغيل الروبوت ليكون إلى جانبهم في تنفيذ عملية سرقة ضخمة.

شابي الطفل

شابي .. هو الاسم الذي تطلقه عليه يولاندي، الفتاة في العصابة، وذلك بعد ان يولد على يد صانعه ديون، حيث يصر على تعليمه الرسم والقراءة والكتابة، بعد ان يعلم انه يتصرف ببراءة تامة ويحتاج إلى الإرشاد والتعليم كالطفل، ولكن يقف أمامه نينجا زعيم المجموعة العبثية من اللصوص الصغار ومساعده الذي يدعى أميركا، اللذان يعلمانه كيف يمشي الرعاع، وكيف يضع مسدساً على خصره، وكيف يسرق، ويهدد ويتوعد، إلى آخر مفردات القاموس الشوارعي.
فينسنت زميل ديون، الذي كان بدوره اخترَع آلةً حربية ضخمة، وأراد إدخالها في الخدمة لضبط الأمن في الشارع. لكنّه لن يتمكّن من تحقيق ذلك طالما روبوتات ديون موجودة على الأرض، فيبدأ بالتحرش به ومراقبته، حتى يعلم أنه تمكن من خلق روبوتاً قادراً على التفكير والإحساس، فيصبح لديه هدف واحد وهو القضاء عليهم جميعا بأسرع وقت ممكن.
ينجح شابي بعد جولات ميدانية مع والده نينجا وامه يولاندي اللذين لقبهما بتلك الالقاب، في سرقة سيارتين حديثتين، وهو ما اقنعه به في نهاية المطاف نينجا الذي يخبره انه لابد ان يسرق لكي يتمكن من الحياة في هذا العالم القاسي .

فوضى الآليين

يتمكن فينسنت بطريقة ما، الحصول على مفتاح الأمان الخاص بالولوج إلى انظمة التحكم في الروبوتات، ويشل حركتهم جميعا بالتزامن عن طريق تحميل فيروس إلى نظام التشغيل الخاص بهم، في ذلك الوقت يصل ديون إلى الشركة ومعه شابي بعد ان يفقد وعيه، حيث يتمكن من انقاذه وتعطيل عمل الفيروس.
يستمر شابي في التعاون مع افراد عائلته في عملهم الاجرامي، ويخرج عن سيطرة ديون، بعد ان يقتنع انه لن يتمكن من انقاذ جسده حال نفاد بطاريته، وانه سوف يعيد احياءه بالحصول على اموال عن طريق السرقة، لكي يحيا كما يتمنى .
تحين الفرصة لفينسنت لإخراج رجله الآلي “موس”، حيث تعطيه ميشيل ، الضوء الاخضر لتدمير شابي الذي يصبح في نظرهم مجرما خارجا عن السيطرة. في غضون ذلك يشتعل وكر اللصوص الصغار الى ميدان للحرب بين زعيم العصابة الرئيسية الذي يحاول سرقة شابي ، ووالده وامه التى تحبه ، وأخيرا صانعه الذي يحاول حمايته من آلة فينسنت الحربية التى تحاول القضاء عليهم جميعا.
في النهاية يخرج شابي حيا من المعركة ويتمكن من نقل وعيه وأفكاره الى جسد آلي جديد، ولا يكتفي بذلك فقط بل يعمل على نقل وعي ديون صانعه الذي يحتضر ويضعه داخل جسد آلي، بينما نشاهد لاحقا انه ينفذ تلك الخطوات ايضا ليصنع أمه الذي خسرها في المعركة، وذلك في مسعى لخلق عالم من بني جنسه الآليين.
تشابي يحكي قصة ممتعة لفكرة علمية هدفها الأولي الخير للبشرية لكنها تطرح أسئلة مهمة حول الطريقة التي يجب على البشرية أن تتعامل بها مع التكنولوجيا. فالنفوس البشرية تحوي كثيرا من التباين والاختلاف. ومن الملاحظ ان بلومكامب، وضعنا امام اختيارين بالفيلم، الاول هو اعتباره رؤية للمستقبل (طبقا لرؤية المخرج)، والثاني اعتباره قصة لرجل آلي اسمه تشابي، وعلى ما اعتقد فإنه سوف يدعم القصة بجزء أو اكثر لاحقا .

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى